روضتني عشقا ج٢ نورهان العشري
دلف عز إلى الغرفة بخطوات مثقلة بغضبٍ عاصف لا يخبو، وألمٍ متجذر كأنه ينهش أعماقه، بعد إلحاحٍ طويل وإقناعٍ مرير من وسام وباسم، وجهه جامد كالصخر، لكن عينيه كانت تحملان بركانًا متأججًا من الغضب والألم، وكل خطوةٍ نحو الرجل الذي يرقد على الفراش تُشعل نارًا حارقة بداخله، وكأن المواجهة ليست إلا فصلًا أخيرًا يختبر فيه ما تبقى من صبره الممزق واحتقاره الذي لم يعد يُخفيه.
جلس على الكرسي المقابل للسرير، وعقد ذراعيه أمام صدره كحاجزٍ صامت، يفصله عن الانهيار.
مرت لحظات تتأمل فيها عيناه السوداوان الرجل الذي قاد أمه إلى الهاوية، مشتعلة بالغضب والصدمة والاتهام، وصمته أقوى من أي كلمة.
حاول صلاح أن يستجمع قوته، وأخذ شهيقًا عميقًا كأنه يُصارع الهواء ليُبقيه داخل صدره، ثم همس بصوتٍ مُتقطّع لا يخلو من الألم : أنا… أنا آسف يا عز.. انا غلطت… غلطت كتير في حق كل اللي بحبهم.. كان حب الاستحواذ عامي عيني… لحد دمر كل اللي حواليّا.. وأكتر حد ظلمته… كانت دعاء اللي بتحبني أكتر أي حد…
ضغط عز على يديه المشبوكتين بقوة، وكأنّه حاول أن يمنع نفسه من الانفجار، لكنه قاطعه بصوتٍ منخفض لكنه مُثقل بالقهر والألم : حبتك ودمرتها بأنانيتك؟ انت اللي خلتها تنتحر؟ عمرك حسيت بمرارة طفل عاش طول عمره يتيم الاب؟ وبعد 28 سنة يكتشف إن أبوه… هو السبب في كل وجع عاشه؟
رفع صلاح عيناه التى امتلأتا بالدموع محملقًا فى سقف الغرفة، وكل كلمة من عز كانت كالخنجر تغوص في قلبه، والكلمات علقت في حلقه، وصدره بدأ يعلو وينخفض بصعوبة واضحة، ليقول بصوت ضعيف مكتظ بالندم : مهما قولت مش اعرف هصلح للي كسرته.. انا صحيح مكنتش الاب اللي انت تستحقه.. انا كنت عايش بكابر سنين عشان مكنش عندي جراءة اعترف بذنبي .. بس اسمع مني حاجة واحدة.. انت ابني زيك باسم حتي لو اتنكرت مني باقي عمرك هفضل انا ابوك.. ولو في يوم قدرت تغفر وتسامحني علي اللي عملته .. سامح عشان نفسك مش عشاني
شرد عز فى نقطة غير مرئية أمامه، وهز رأسه بحركة سريعة حاسمة، تنم عن رفض قاطع، وقال بضحكة قصيرة، أشبه بسخرية مريرة : عشت 28 سنة بتمني يكون ليا اب زي اي طفل .. بس الامنية دي اتحولت لكابوس بشع عشان أكتشفت دلوقتي إن وجوده في حياتي كان أسوأ بكتير من غيابه؟