نبع الغرام ج٢
رحمه السيد
حاد عنها ينوي الخروج وهو يقول بصوت أجش:
-اوعي يا غرام، مش هسيبه يعمل فيه كدا وأفضل أتفرچ.
أمسكت ذراعاه معًا تربت عليهم برفق مرددة بجدية، تُمثل الوجه الآخر المتعقل منه، والذي خبى في هذه اللحظات:
-مش هينفع تروح تتشاكل معاه في الأول وفي الأخر دا أبنه وممكن المشكلة تكبر وفي الأخر الناس مش هيغلطوا حد غيرك وأبسط كلمة هتتجالك وأنت مالك؟
رشقت نظراته المستنكرة في وجهها، مستطردًا بعدم تصديق:
-أنتي عايزاني أفضل أتفرچ كدا وكأن دا الطبيعي؟
هزت رأسها نافية بهدوء:
-لا طبعًا محدش جال إن دا الطبيعي، بس والله ما هينفع تروح وأنت متعصب كدا، ممكن تحل الموضوع بطريجة تانية.
سألها لاويًا شفتاه ولم يستسيغ اقتراحها:
-طريجة إيه يا صاحبة العجل والحكمة؟
تنهدت غرام وهي تفكر، تود تعطيله عما ينوي ولكنها لا تدري كيف، جاءها الحل الالهي حين توقف صوت الطفل، فقالت بلهفة فرحة وهي تشير له:
-اهو سكت، شوفت؟ ممكن يكون عمل حاچة غلط وأبوه بيأدبه كلنا أهالينا كانوا كدا يا أيوب، مش شرط إنه عشان بيضربه يبجى هو أب جاسي ومابيحبهوش.
ودت لو تكمل “كوالدك” ولكن حمدت الله أنها كبحتها في اللحظة الأخيرة، فيما شعر أيوب بعلقم الذكريات يمرر حلقه، وتلفظ بنغمة تقرع وجعًا دفينًا:
-بتجولي كدا عشان ربنا كرمك بأب سليم نفسيًا وحنين، مش أب سادي بيتلككلك عشان يضربك ويعذبك وكأنه بيستمتع بألمك عمال على بطال.
لأول مرة يبوح لها علنًا بما صُبغت به روحه المشوهة، فصمتت تترك له المساحة ليُفرغ ما بجبعته، وبالفعل استرسل وهو يرتمي بجسده على الأريكة بانهزام:
-مع أصغر وأجل غلطة كان بيضربني، ومش ضرب عادي، لا ضرب مؤلم چدًا يسيب أثر، حتى إني أحيانًا كنت بفكر إنه ممكن يكون مش أبويا زي ما بشوف في الأفلام، وفضلت اسأل أمي، بس للأسف اتأكدت إنه أبويا.
وراح يتذكر احدى لياليه القاسية على يد والده وهو يقص عليها…
حين كان في الثالثة عشر من عمره، عاد من المدرسة بعد شجاره مع أحد الفي الفصل، فاستدعى المسؤولين في المدرسة والده كاجراء روتيني للتنبيه على عنف كليهما واشتكت له أنه أحيانًا لا يقوم بعمل واجباته المدرسية، ولكن بالنسبة لوالده لم يكن كذلك، بل كان باب جديد فُتح أمامه ليزج “أيوب” في جحيم عقابه، خاصةً أن والد الطفل الذي تشاجر معه كان بينه وبين كامل عمل مشترك، وأكثر ما يمقته كامل أن يمس أحدهم عمله وأمواله حتى ولو بطريقة غير مباشرة.