نبع الغرام ج٢
رحمه السيد
ضربته في صدره بغيظ معقبة باستنكار:
-بعيد الشر ربنا يبارك في عمرك ويچعل يومي جبل يومك، ماتجولش كدا.
هز أيوب رأسه موافقًا راضيًا ممتنًا، فيما سارعت غرام بسؤاله ولا زال قلبها الأمومي محاوط بأشواك القلق التي تنغزه كل حينٍ:
-اتعورت كدا ازاي؟
تنهد أيوب بصوتٍ مسموع، ها هما يعودان لتلك النقطة السوداء اللزجة التي يكرهها من حياته والتي وكأنها تأبى الإنفصال عنه!
ثم تشدق بجمود:
-دخلت المحل لاجيت كامل بيسرج فلوس، ولما شافني ضربني بالعصاية اللي كانت معاه على دماغي ووجعت مغمى عليا.
شهقت بهلع وتلوت ملامحها البيضاء مستفسرة بعدم تصديق:
-إيه! كامل؟ أبوك؟
تغضنت قسمات أيوب بألم وكأن الكلمة وحدها تؤلمه كطعنة جديدة باردة، ثم اومأ برأسه وتابـع:
-والواد حسين هو اللي چه بالصدفة وشافني واجع ودماغي بتنزف، الناس إتلمت ودوني المستشفى وخيطولي كام غرزة واهو الحمدلله، عمر الشجي بجي.
هدرت فيه بانفعال ضرب أبواب صدرها بعنف وهي تتخيل ما تعرض له، وما كان يمكن أن يحدث له لولا العناية الالهية:
-كل دا وتجولي بسيطة؟ امال لو چامدة كان حصل إيه؟ كان شج دماغك نصين بالطول؟
ضحك أيوب على تعليقها، فعاودت ضربه على صدره من جديد بحنق طفولي لذيذ بات يعجبه كثيرًا:
-بتضحك كمان؟ بتضحك، وبعدين ازاي حسين مايجوليش؟ كل دا يحصلك وماحدش يجولي وأنا جاعدة هنا بعمل بسبوسة؟
رفع حاجبيه معًا بإعجاب، ثم تلاعب بحاجبيه وهو يشاكسها قائلًا:
-إيه دا عملتي بسبوسة بچد؟ طب ما تجومي تچيبيلنا حتتين كدا نحلي بُجنا “فمنا” بيهم يا حلو أنت.
ولكنها لم تستجب لمشاكسته بل نهرته غاضبة:
-أيوب.
تأفف مصطنعًا الملل ثم أردف لاويًا شفتاه بغيظ:
-هي طالبة معاكي نكد أنا عارف، اتفضلي حضرتك الميكروفون معاكي عايزة تبدأي وصلة النكد بإيه؟
سألته بذات النبرة الغاضبة والملامح الصلبة المتجهمة بعد سطو القلق عليها:
-أكيد بلغت البوليس صح؟ عشان يعملوله محضر عدم تعرض.
كانت غايتها التأكد من عدم تكرار هجومه مرة اخرى، تراجع أيوب بظهره للخلف مستندًا على الأريكة، وتخللت الظلال السوداء حدقتيه لتغتال معالم الحياة بها مؤقتًا، ثم خرج صوته أجشًا وهو يخبرها بشرود:
-كنت هبلغ وهتهمه بالسرجة كمان وكان هياخد فيها مش أجل من ٣ سنين عشان الضربة دي مع السرجة، بس هو من أعوان إبليس وإبليس مش بيسيب أعوانه في محنة.