نبع الغرام ج٢

رحمه السيد

وبالخارج جلس “أيوب” بها أرضًا وهي بين أحضانه، يتحسس ملامح وجهها الشاحب كالأموات وهو يناديها بصوت تمكنت منه اللوعة حد النخاع:
-غرام، غرام ردي عليا، جومي ردي عليا يا غرام.

أمسك بالمياه التي قدمها له احد الواقفين، وبدأ يرمي قطرات منها على وجهها، ثم نهض يحملها من جديد متجهًا بخطى راكضة نحو السيارة التي ركبها أحد الرجال ليقودها بينما أيوب يضع غرام فوق قدميه بالخلف، كان يشعر أن دقات قلبه في سباق مُهلك مع الزمن لدرجة أنه شعر كل نبضة جديدة صارت كرصاصة قاتلة تتلقاها روحه..

وسؤال وحيد يضخه قلبه المُروع لنفسه ليُغرقها بالفزع.. هل يُعقل أن تتركه… وتموت؟ تتركه وحيدًا من جديد بعدما دست نفسها عنوة في حياته ليعتاد وجودها دون شعور منه !

هز رأسه نافيًا لِمَ توصلت إليه أفكاره، وظل يهزها مغمغمًا بصوت متحشرج مكتوم:
-لا لا، مش هتسيبيني في الاخر !

ثم صدر عنه هذيان ممزق بالندم :
-أنا السبب، أنا السبب.

وصلوا أخيرًا للمستشفى، وتم نقل غرام لغرفة الاستقبال، كان أيوب يدور بلا هوادة أمام تلك الغرفة، وجد ظافر أمامه وقد أتى مسرعًا فالأخبار في هذه البلدة تتناقل بسرعة، وراح يسأله بنبرة يلفحها القلق:
-إيه حصل ؟ مرتك كويسة؟

هز الآخر كتفاه بقلة حيلة وهو يجيب بـ تيه لم يره ظافر عليه سابقًا ابدًا:
-ماعرفش.

فـ ربت على كتفه بخفة وهو يقول محاولًا شحنه بطاقة ايجابية تعوله على الصمود:
-هتبجى زي الفل بإذن الله ماتجلجش.

ظل أيوب يهز رأسه متمتمًا دون أن ينظر له:
-يا رب، يا رب.

خرج الطبيب أخيرًا ليُطمئنهم على حالتها، حينها أطلق أيوب نفسًا مرتاحًا لم يدرك أنه كان محبوسًا…

ابتسم ظافر مرددًا بنبرة ودودة:
-الحمدلله إنها چات على كد كدا، ادخل أنت اطمن عليها، وأنا هروح أچيبلكم عصير او حاچة تاكلوها.

هز أيوب رأسه موافقًا بابتسامة باهتة وبدا أنه لا زال تحت تأثير صدمة ما حدث.

دلف للغرفة التي تقبـع بها، لم تكن استعادت وعيها بعد، قرب الكرسي من الفراش الذي ترقد عليه وجلس، رؤيتها بهذا السكون والوهن والاوكسچين على أنفها؛ كانت شاقة ومؤلمة جدًا..

كان جزء من ذراعها الأيمن قد احترق وقاموا بلف الضمادة عليه، أمسك بكفها برقة شديدة وكأنها زجاج يخشى كسره، ثم هبط ببطء يلثم باطن كفها بعمق مطلقًا أنين خافت متوجع مرتعب.
ثم همس بصوت ملكوم وكأنه يحدث نفسه:
-ماكنش ينفع تسيبيني بعد ما لاجيتك، ماكنتش هجدر أعيش الوچع دا تاني.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *