نبع الغرام ج٢
رحمه السيد
لم ينطق أيوب بل دفن رأسه في صدرها وأحاطها بذراعيه، مغمضًا عيناه لتنساب دموعه المحبوسة دون شعور منه لأول مرة بعد وفاة والدته، بينما غرام تُقبل رأسه عدة مرات دون توقف وهي تردد بصوت يتدفق حنانًا تحاول ازالة ما وشمه والده في جدرانه الداخلية:
-أنت أحسن وأحن راچل شوفته في حياتي، هفضل كل يوم أحمد ربنا إنه رزجني بيك عشان تبجى سندي وضهري.
مرت دقائق وهدأ أيوب شيئًا فشيء وسط أحضان غرام التي أفرزت كل الطاقة السلبية والحقد الذي كان يموج بجسده ولطفت جروحه التي تقرحت بحنانها، ثم سمعها تقول بهدوء شارد:
-أنا هاخد برشام منع الحمل، لحد ما أنت بنفسك تطلب مني أبطله.
رفع أيوب رأسه نحوها وقد توهجت سوادوتاه، كل مرة تبهره أكثر من التي تسبقها؛ بحنانها وعطاءها غير المحدود، أمسك يدها طابعًا على باطنها قبلة عميقة حملت امتنانه وعشقه.
فيما قالت هي بشغف وحب بينما تداعب خصلات شعره:
-أنت كفاية عليا، أنت أبني وأبويا وأخويا وچوزي وكل عيلتي، ومتأكدة إنك هتكون أحسن وأحن أب في الدنيا، إذا كنت ماسكتش عن ضرب وأذى الغريب، فما بالك بإبنك بجا ؟
نهض أيوب ثم قرب رأسها منه ليلتقط شفتاها بين شفتيه بنهم وعشق ملأ قلبه وروحه لها حد التخمة، ممتنًا لكل ما تفعله وتقدمه له، فقط في عينيها حبيبتيه يرى أنه آخر.. أنه ليش مشوه النفس، بل مكتمل من كافة النواحي، وكأنها ترى فيه كل ما هو جميل فقط وتعكسه عليه.
قطع قبلته أخيرًا، هامسًا بصوت خشن مبحوح:
-أنا بعشجك، بعشجك يا زينة البنات.
****
بعد فترة…
كان أيوب قد خرج من المتجر الخاص به ليقوم بشيءٍ ما، تاركًا فيه الصبي الذي يعمل معه، ولكن حين عاد للمتجر أحس أنه فارغ، تجهمت ملامح وجهه بسخط وتوعد لذلك الصبي المهمل بالعقاب، وما أن دخل حتى رأى عمله الاسود في الدنيا “كامل” وهو في الركن الذي يخصه كصاحب المتجر والذي فيه مكتبه والأموال، ويفتح احد الادراج التي بها الأموال ويأخذ منها واضعًا إياها في جيب جلبابه بسرعة..
صاح فيه أيوب بعدم تصديق وغضب كاسح جرفه فجأة:
-أنت بتعمل إيه هنا يا حرامي؟
تجمد كامل مكانه لبرهة يفكر سريعًا دون أن يستدير نحوه، ونظر للعصا أمامه التي أخذها معه كاحتياط، ثم أمسك بتلك العصا ببطء حتى لا يشعر به أيوب، وبحركة مباغتة غير متوقعة استدار وضرب بها أيوب على رأسه بعنف جعل أيوب يتأوه بألم شديد قبل أن يسقط أرضًا فاقد الوعي وقد بدأت رأسه تنزف من شدة الضربة، وكأن كامل “والده” يحاول قتله حتى لا يقف أمام جشعه !!!!!!