نبع الغرام ج٢
رحمه السيد
للحظات انهزمت أمام رده الذي وضعه بين فكي الحيرة والألم؛ فهو لم يخبرها أنه سيفكر في الأمر او أنه سيُطلقها إن أرادت، بل أخبرها ببساطة أنه الأمر الواقع وليس لها فكاك منه!
ثم عادت تهمس بصوت كالنشيج يُنبئ بهطول الدموع التي تجمعت في بُندقيتيها:
-طب ليه؟ أنا كان نفسي أخلف منك، كان نفسي نكَون أسرة سوا ونعوض الدفا اللي اتحرمنا منه أحنا الاتنين.
اشتدت انقباضة يده وهو يغمض عيناه متنفسًا بعمق وكلماتها تتسلل إليه ببطء لتتصارع مع أشباح ماضيه..
انتبه لها حين سألته بنبرة مبحوحة تقطر ألمًا:
-أنت لسه شايف إني مش من مستواك ومش مناسبة ليك؟
لم يتحمل رؤيتها تتألم هكذا وتحط من قدرها.. ليس بعد الان…
لذا اندفع نحوها ليُحيط وجهها الناعم بين كفيه الكبيرين، وهمس أمام وجهها بخشونة خافتة مُعذبة رغم اللهفة التي توهجت في عينيه لتُحيي أملها:
-أنتي شمسي، شمسي اللي نورت حياتي ومليتها دفا، ويعز عليا إني أحرمك من حاچة أنتي عايزاها، لكن مش هجدر، أنا واخد قراري من زمان عمري ما هخلف.
ثم اتقدت عيناه بالتملك وهو يؤكد بلهجة مهتاجة بالغيرة والشراسة العاطفية:
-ومش هجدر أطلجك وأسيبك تتچوزي وتخلفي من راچل غيري.
ثم تركها وغادر الغرفة تحت أنظارها الشاحبة وهي تتساءل كيف يتبدل الحرفين فيصير الأمل ألم هكذا في غمضة عين؟
بينما أيوب في الخارج يلتقط أنفاسه بصوت مسموع، يعلم أنه أناني.. ولكن ما تطلبه منه فوق استطاعته فعليًا، فهو لا يريد أن ينجب طفل يعيد مأساته في الحياة من جديد!
لا يضمن نفسه، لا يضمن أن يستطع تربية طفل سليم نفسيًا ومتزن وهو شخصيًا نفسه مشوهة ولا زال يعاني منها حتى الان هو والمقربين منه وعلى رأسهم “غرام” .
سمع صوتها العنيد العالي يأتيه من خلفه منفعل مختنق بالبكاء:
-أنا مش هاخد البرشام ومش هعمل حاچة، لو مش عايز تخلف ماتجربليش.
فاستدار نحوها وهو يزفر بقوة محاولًا تمالك أعصابه ومراعاة حالتها، تمتم محذرًا:
-غرام.
ولكنها راحت تتشدق بنفس الانفعال الأهوج:
-الموضوع في يدك أنت، ماتطلبش مني أعمل أو أخد حاچة.
تصدع جدار تماسكه وتأجج غضبه ليقبض على ذراعها بقوة يهزها مزمجرًا بصوت أجش:
-أنا مايتلويش دراعي سامعة؟ جولتلك أنتي ملكي، بس عمومًا ارتاحي مش هاجربلك.
ثم تركها وتحرك يرتدي ملابسه بحركات تروي الغضب والسخط اللذان يزلزلا صدره، وغادر المنزل بأكمله، تاركًا إياها تبكي أمل لم يعش طويلًا حتى أتى الواقع المرير ليغتاله بلحظة.