نبع الغرام ج٢
رحمه السيد
انحنت مقبلة قمة رأسه بحنان وحب عميق، ثم أكدت بخفوت وانتماء هتفت به كل خلية فيها:
-هفضل طول عمري چمبك، أنا أصلًا مليش مكان تاني أروحله إلا حضنك؛ هو دا بيتي ومكاني الوحيد.
لم تكذب، فلم يكن الوطن يومًا مجرد جماد او مكان، بل الوطن؛ شخص، شخص نحتمي بين جدران أحضانه من غدر الدنيا ومصائبها.
****
قبل ذلك الوقت بفترة؛ تحديدًا قبل أربعة أيام.. يوم مقتل “كامل العماري”….
خرج كامل من ذلك المكان الأشبه بـ “كازينو” الذي كان يلعب به “القمار” دومًا مع معارف وأصدقاء السوء، فبعد أن سرق تلك الأموال من أيوب قرر أن أول شيء سيفعله بها أن يلعب القمار ليكسب أضعافها، فإن حدث شيء ما واستعاد أيوب أمواله يكون هو جنى أضعافها..
لوح لأحد اصدقائه الذي خرج هو الآخر، وصاح بمرح:
-يلا اشوفكم يوم تاني وأخسركم تاني.
ثم غادر وهو يضحك متحسسًا جيب جلبابه عند صدره بانتشاء وسعادة بعد أن كسب بالفعل أكثر من جولة وجنى مبلغ لا بأس به من الأموال، اتجه نحو منزله وقد كان الوقت قد تعدى منتصف الليل، كان يسير في شارع مظلم نوعًا ما لا يسير فيه شخص في هذا الوقت، ليجد مَن أوقفه مناديًا بحدة:
-كامل.
استدار ليجده احد معارف السوء الذي لم يجمعه معهم يومًا سوى كل فساد، وقد كان ممَن كان يلعب معهم القمار منذ قليل، عقد ما بين حاجبيه بتعجب وهو يستفسر:
-إيه في يا ثروت؟
اقترب منه “ثروت” حتى وقف أمامه ثم قال آمرًا بصوت أجش وملامح مقتضبة:
-هات فلوسي.
لوى كامل شفتيه متهكمًا وصاح باستنكار جم:
-نعم ياخويا؟ فلوسك دا إيه، أنت خسرتها وأنا كسبتها خلاص بجت فلوسي أنا.
أطلقت عينا ثروت شرًا صريحًا وهو يزجره بصوت غليظ:
-بجولك هات فلوسي أحسنلك.
دفعه كامل بعيدًا عنه بقوة وهو يهدر فيه بغلاظة مماثلة تأصلت في كليهما:
-اوعى كدا بلا فلوسك بلا زفت ملكش عندي فلوس، لما أنت مش كد اللعب برچولة بتلعب ليه يالا؟
مد ثروت يده على جيب جلبابه كعلامة تهديد وهو يحذره بعينين يطل منهما شيطان على أتم الاستعداد لارتكاب كل الجرائم:
-اديني فلوسي أحسنلك وإلا…
قطع كلماته عمدًا ليثير قلق كامل، ولكن الآخر لم يتأثر بل أطلق ضحكة قصيرة ساخرة قبل أن يستدير ليغادر وهو يقول ببرود:
-جولتلك ملكش عندي فلوس وأعلى ما في خيلك اركبه.
لم يكد يبتعد عدة خطوات حتى شعر فجأة بطعنة غادرة قاتلة من “ثروت” التي تحرك خلفه مسرعًا وطعنه بالمطواة بعنف وغل شديد، حتى سقط كامل أرضًا وهو ينزف ناظرًا لثروت الواقف أعلاه بذهول شاعرًا بالألم يمزقه، فمال ثروت عليه وطعنه مرة اخرى بجنون وهو يتشدق بلا وعي وبدا عليه أنه ليس في كامل وعيه:
-جولتلك اديني فلوسي أحسنلك بس أنت طماع و**** وتستاهل.