نبع الغرام ج٢
رحمه السيد
أبعد يداه عن وجهها وهي تردد من بين بكاءها بحنق:
-اوعى يدك كدا، أنت لعبت بيا وبأعصابي وكنت عمال تتسلى عليا أنت والسنيورة بنت خالتك.
فضرب رأسها بأصابعه برفق وراح يستطرد بغيظ:
-طب أعمل إيه في دماغك الناشفة دي هي السبب، حتى البت صعبت عليها من الغلب اللي بشوفه على يدك وقررت تساعدني من غير ما أطلب منها تعمل كدا.
رمقته شزرًا فأمسك يدها وتخلل أصابعها بأصابعها قائلًا برقة حانية:
-طب خلاص حجك عليا، مش هتيچي أعرفك عليها ولا إيه؟
ولكنها أبعدته وهي تتمتم بصوت أجش يلوح به الاستهجان:
-اوعى يدك ماتلمسنيش، جال يعني هتعرفني على الأميرة ديانا.
ضحك ظافر دون صوت ولم يعقب مراعيًا غضبها، فسارت ليلى أمامه متجهة للخارج، وما أن خرجت من مكتبه ورأت تلك الخبيثة المدعوة “منى” وتذكرت ما فعلته، غلت الدماء بعروقها ولم تشعر بنفسها سوى وهي تقترب منها وتضيف بنبرة ذات مغزى، وبابتسامة سمجة خالية من المرح:
-بعد كدا يا أخت چوزي يا حبيبتي ماتبجيش تهزري مع حد ماتعرفيهوش عشان ممكن يمسك الزهرية ويحدفك بيها يشوه وشك الچميل اللي أنتي فرحانة بيه دا.
تثبتت منى مكانها لثوانٍ مبهوتة أمام غضبها قبل أن تضحك معتذرة بصدق:
-معلش ماتزعليش أنا عارفة إننا زودنا العيار شوية.
غمغمت ليلى بصوت مكتوم وقد لان غضبها قليلًا:
-شوية؟ جولي شويتين تلاتة، بس هجول إيه يلا كله عند ربنا.
****
بعد أيام…
جلس “أيوب” أمام الشرفة يقبض على السيجارة بين أصابعه ويدخن بشراهة بينما عيناه شديدة الظلام تحوم فيها أشباح الماضي، مُسلطة على البناية أمامهم والتي يأتي منها صوت طفل يبكي بشدة ويصرخ متوسلًا وتعلو أصوات تألمه بينما ويبدو من الصوت أن والده يضربه، كان يحاول تمالك نفسه وطرد تلك الأشباح، ولكنه لم يفلح، يومض عقله بصور سوداء لنفسه حين كان طفلًا وكان في نفس الموقف باختلاف أنه كان يتعرض لهكذا موقف مرارًا بينما لا يعلم هذا الطفل مثله ام لا.
رمى السيجارة أرضًا ضاغطًا عليها بعنف، ثم هدر من بين أسنانه وقد فقد المتبقي من ذرات تحكمه بعد استمرار صراخ الطفل:
-لا كدا زودها جوي، والله ما هسيبه.
نهض وكاد يتحرك ينوي المغادرة ولكن وجد أمامه “غرام” التي كانت تراقب صراعه الداخلي عن كثب بقلبٍ يتلوى ألمًا على حاله ورغبةً في احتواءه، رغم أنها خلال الأيام السابقة كانت تجافيه، صحيح أنها لا تخاصمه تمامًا ولكن لا تتحدث معه إلا عند وجود سبب.