نبع الغرام ج٢
رحمه السيد
****
الفصل الثالث عشر :
ظل “ظافر” متجمد مكانه، عاجز عن إعطاء رد فعل يفكك كتلة الجمود التي أحاطت عقله، إلى أن تحرك عنوة حين دفعته احدى الممرضات التي دلفت مسرعة للغرفة يتبعها الطبيب في استجابة قد تكون متأخرة قليلًا لصرخة ليلى، أبعدت ليلى عن فراش “سالم” وهي تشير لكليهما بنبرة عملية:
-لو سمحتوا اتفضلوا استنوا برا.
تحركت ليلى تنوي الخروج ولكن ظافر ظل كما هو، عينيه متموضعة على جده الراقد مكانه، ينتابه شعور موحش أنها ربما لحظاته الأخيرة في الحياة !
همس بشفاهٍ ثقيلة وحروف شريدة:
-چدي.
تجرأت ليلى وسحبته من ذراعه برفق وهي تهتف محاولة تنبيهه:
-ظافر لازم نخرچ عشان يشوفوا شغلهم.
استجاب أخيرًا وتحركا ليخرجا من الغرفة ثم اُغلقت الأبواب خلفهما، نظر ظافر لـ ليلى بصمتٍ لدقيقتين تقريبًا، ثم سألها بصوت باهت خالي من المشاعر:
-إيه اللي حصل ؟
ابتلعت ريقها وهي تهتف في نفسها؛ لم يتهمك.. يسأل سؤال أكثر من عادي.
ولكن رغم ذلك كان لسانها المصبوغ بردود الدفاع عن نفسها يردد:
-أنا ماعملتش حاچة، أنا چيت أزوره وآآ….
قاطعها ظافر بصلابة:
-أنا ماجولتش إنك عملتي حاچة.
فراحت تسرد له ما حدث بملامح افترشها الارتياح:
-أنا چيت أزوره عادي زي كل مرة، اتفاچأت إن في حد في الاوضة بيعمل حاچة ولابس كمامة ومدينا ضهره وباين عليه التوتر، دخلت زجيته وصرخت بس كتم صرختي وزجني وطلع يچري، وكنت بحاول أشوف عمل إيه وأظبطه لما أنت دخلت.
دار “ظافر” حول نفسه بكمدٍ دفين مكبوت، يشعر أن داخله يغلي ويغلي حتى يكاد ينفجر، مسح على وجهه وخصلات شعره وهو يلتقط نفسًا عميقًا، ثم أطلق تأوه عميق يغلب عليه وجعه وغضبه:
-أعمل إيه.. أعمل إييييه، أوصلهم ازاي.
عض على كف يده بعنف يُخرج الطاقة السلبية المشحونة بين خلاياه ويُنفس قليلًا عن غضبه المستعر، فاقتربت ليلى منه حتى وقفت أمامه، ووجدت نفسه ترفع يديها مُحيطة وجهه بكفيها الناعمين، هامسة برقة:
-هتلاجيهم وهياخدوا العقاب اللي يستحجوه، سواء في الدنيا او في الاخرة، وچدي سالم هيبجى كويس صدجني، أهم حاچة خليك واثق في ربنا بس.
أحاط يدها بيده يتحسسها بعفوية حانية، ممتنًا للدعم والدفء الذي يتلقاه منه في أسوء أوقاته، وارتسم على شفتيه ابتسامة صغيرة متعبة ولكنها صافية وهو يهز رأسه مؤكدًا على كلامها.