استغنى عنه ج٢ منال علي
الجزء الثاني 👇🏼
بصي يا بنتي… الراجل ساعات بيبقى شايل هم الدنيا كلها، فيطلع ضغطه في أقرب الناس ليه. بس ده مش معناه إنه صح.
ريم قالت وهي بتمسح دموعها: ـ يعني أعمل إيه؟
ابتسمت أبلة نادية وقالت:
ـ المشكلة إننا إحنا الستات بننسى نفسنا. كل مرة نقول: البيت أولى… الولد أولى… جوزي أولى… لحد ما نبص للمراية وما نعرفش إحنا مين.
وسكتت لحظة، وكملت:
ـ افتكري دايمًا… اللي ما يقدرش نفسه، صعب يطلب من غيره يقدره.
الكلام فضل يلف في دماغ ريم طول اليوم…
وفي نفس الوقت، كان أحمد في الورشة… لكن ضميره بدأ يصحي، وهو كل شوية يفتكر نظرة ريم وهي بترجع الفستان مكانه قدام الناس…
في نفس الوقت…
كان أحمد واقف في الورشة، ماسك مفتاح إنجليزي وبيفك موتور عربية، لكن دماغه ما كانتش مع الشغل.
كل شوية يفتكر وش ريم وهي بتخلع الفستان وترجعه مكانه، ونظرتها وهي خارجة من المحل من غير ما تقول كلمة.
حاول يقنع نفسه:
“أنا ما غلطتش… الفلوس بالعافية، وهي عارفة ظروفنا.”
لكن مهما حاول، ضميره كان بيقوله إنه غلط…
مش لأنه ما اشترالهاش الفستان…
لأ…
لأنه كسر خاطرها قدام الناس.
في اللحظة دي، قرب منه عم سيد، أقدم صنايعي في الورشة، راجل عدى الستين، ووشه كله حكايات من الزمن.
بصله وقال:
ـ مالك يا أحمد؟ بقالي ساعة بكلمك وإنت مش سامعني.
تنهد أحمد، ورمى المفتاح على الترابيزة، وحكى له كل اللي حصل… من أول ما دخلوا المحل، لحد الكلمة اللي خرجت منه بعصبية.
عم سيد فضل ساكت شوية…
وبعدين قال بصوت هادي:
ـ تعرف يا أحمد… أنا ومراتي عشنا مع بعض أكتر من أربعين سنة.
أحمد بصله باستغراب.
كمل عم سيد وهو بيبتسم ابتسامة كلها وجع:
ـ كل مرة كانت تقول نفسها في حاجة، أقولها: “اصبري… لما الحال يتحسن.”
وتصبر.
ولما تطلب خروجة، أقولها: “بعد الشغل.”
وتسكت.
ولما تقول عايزة أغير العفش، أقولها: “مش وقته.”
وسكت لحظة، وعينه لمعت.
ـ لحد ما جه اليوم اللي الدكتور قاللي إنها عندها سرطان… وبعد شهور قليلة راحت مني.
نزل أحمد بعينه في الأرض.
قال عم سيد:
ـ بعد وفاتها كنت برتب هدومها… ولقيت علبة كرتون مستخبية في الدولاب.
فتحتها…
لقيت جزمة حمرا جديدة، عمرها ما لبستها.
كانت محتفظة بيها بقالها سنين، ومستنية مناسبة تفرح فيها.
والمناسبة دي… ما جتش أبدًا.
الكلام نزل على قلب أحمد كأنه حجر.
عم سيد حط إيده على كتفه وقال:
ـ العربية لو باظت، هتصلحها.
إنما قلب مراتك… لو اتكسر منك، يمكن يضحك قدامك بعد كده، لكن الشرخ اللي جواه هيفضل فاكره.
وسابه ومشي.
…
أحمد فضل واقف مكانه.
فتح تطبيق البنك على موبايله.
كان محوش مبلغ يجيب بيه شنطة عدة جديدة، لأنه محتاجها في الشغل.
بص للرصيد…
وبص لإيده اللي مليانة شقوق من الشغل.
وافتكر إيد ريم…
الإيد اللي كل يوم بتصحى قبله، وتحضرله الفطار، وتكوي هدومه، وتستناه راجع مهما اتأخر.
همس لنفسه وهو بيقفل الموبايل:
ـ أنا فعلاً غبي…
هي عمرها ما طلبت حاجة.
وأول مرة تطلب…
كسرت قلبها.
…
وفي نفس اليوم…
ريم خلصت شغلها.
كانت ناوية تروح البيت على طول.
لكن رجلها خدت بعضها، وراحت نفس المول.
وقفت قدام واجهة المحل.
الفستان الأخضر كان لسه معروض.
وقفت تبصله دقيقة كاملة.
وبعدين افتكرت الفلوس اللي والدتها كانت ادتهالها في عيد ميلادها.
كانت مخبياهم للطوارئ.
طلعت الظرف من شنطتها.
وقالت لنفسها:
ـ هو أنا مستنية حد يديني إحساس إني أستحق؟… لأ… أنا أستحق أفرح نفسي.
دخلت المحل.
والبياعة أول ما شافتها ابتسمت وقالت:
ـ الحمد لله رجعتي… كنت حاسة إنك هتيجي.
ريم ابتسمت ابتسامة خفيفة.
جربت الفستان مرة تانية.
ودفعت تمنه.
ولما خرجت بالكيس…
افتكرت إنها كانت متخيلة إنها أول ما تشتريه هتبقى أسعد واحدة في الدنيا.
لكن الحقيقة…
كانت حاسة بفراغ.
وقتها فهمت إن المشكلة عمرها ما كانت في الفستان.
المشكلة كانت إنها كانت محتاجة تحس إنها غالية في عين جوزها.
… حكايات منــال عـلـي
وصلت البيت.
أول ما فتحت الباب…
وقفت مكانها.
ريحة أكل طالعة من المطبخ.
والنور هادي.
وفي الصالة ترابيزة صغيرة عليها مفرش نضيف، وبوكيه ورد أبيض، ونصه ملفوف بشريط أزرق… اللون اللي بتحبه.
وفي النص تورتة صغيرة مكتوب عليها:
“حقك عليا يا ريم.”
دموعها نزلت لوحدها.
دخلت المطبخ…
لقيت أحمد واقف قدام البوتاجاز، بيحاول يقلب اللحمة، وكل شوية الزيت ينط وهو بيتوتر.
أول ما شافها…
سكت. حصريا على روايات واقتباسات
وهي كمان سكتت.
بعدين لمح كيس المحل في إيديها.
ابتسم بحزن وقال:
ـ اشتريتيه؟
هزت راسها.
ـ آه… اشتريته من فلوسي.
قرب منها بهدوء.
وأخد الكيس من إيديها.
وقال:
ـ والله كنت رايح بعد الشغل أشتريهولك.
بس لما وصلت، البنت قالتلي لسه واحدة واخداه من شوية.
ابتسمت وسط دموعها.
ـ يعني… كنت هتشتريه فعلًا؟
ضحك بخجل وقال:
ـ كنت محوش فلوس لعدة جديدة…
بس قلت تولع العدة… أهم عندي إنك تضحكي.
وسكت لحظة…
وبعدين قال بصوت كله ندم:
ـ سامحيني يا ريم.
أنا ما وجعتكيش عشان الفستان…
أنا وجعتك بالكلمة.
وأقسم بالله من ساعة ما خرجنا من المحل وأنا مش قادر أبص لنفسي.
أنا نسيت إن الست اللي قدامي دي، هي اللي شايلاه البيت كله على كتفها.
نسيت أشكرك…
ونسيت أخليكي تحسي إنك غالية.
ريم دموعها نزلت أكتر.
وقالت بصوت مخنوق:
ـ وأنا كمان غلطت… سبت الوجع يكبر جوايا وما اتكلمتش.
حضنها أحمد بقوة.
وقال:
ـ من النهارده… أي حاجة مضايقاكي هتقوليها.
وأي هم عندي… هحكيهولك.
إحنا مش فريقين ضد بعض…
إحنا فريق واحد.
…
بعد شوية، قالها وهو بيبتسم:
ـ يلا… روحي البسي الفستان.
دخلت الأوضة.
ولما خرجت… حكايات منــال عـلـي
فضل أحمد يبصلها كام ثانية من غير ما ينطق.
ابتسم وقال:
ـ هو أنا كنت ناسي إن مراتي بالجمال ده كله؟
ضحكت وهي بتحاول تداري كسوفها.
وقعدوا ياكلوا سوا.
أكل بسيط…
وشوية تورتة…
لكن الضحكة اللي رجعت بينهم كانت أغلى من أي أكلة وأغلى من أي هدية.
وفي آخر الليلة، أحمد حضنها من ضهرها وهو واقف معاها في البلكونة، وقال:
ـ السبت هنروح السينما…
وبعدها نتعشى بره.
وأول خروجة بالفستان الجديد.
بس عندي شرط.
بصتله وهي بتضحك.
ـ شرط إيه؟
قال وهو بيغمزلها:
ـ أوعي تقولي بعد كده “استغنى.”
ابتسمت، وحطت إيديها فوق إيده، وقالت وهي باصة في عينه:
ـ لأ يا أحمد…
الدنيا ممكن تخلينا نستغنى عن حاجات كتير…
لكن طول ما بينا احترام وحب…
عمرنا ما هنستغنى عن بعض.