تيتا خدت اجازه حكايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
الجزء الأول: المكالمة اللي مكنش المفروض أسمعها
​قبل الكريسماس بأسبوع، كنت بفرغ فنجان القهوة في المطبخ لما سمعت بنتي بتبنّي وتخطط للإجازة اللي شايفاها من وجهة نظرها “مثالية”.
​كان اسمها ندى، وكانت بتتكلم في التليفون من صالة شقتي في مصر الجديدة.
​قالت بكل بساطة وخفة: «إحنا هنسيب الثمان عيال كلهم عند ماما.. هي اصلاً فاضية وما عندهاش حاجة تعملها، ونطلع إحنا الفندق ونروق على حالنا في عيد هادي ورسي».
​وقفت مكاني ومتحركتش.
​فنجان القهوة فضِل معلّق في إيدي وصوتها داخل عليا بكل وضوح من باب المطبخ.
​ندى ضحكت وكملت: «جوزي شريف خلاص حجز فندق على البحر، وأخويا تامر ومراته شيماء حجزوا في القرية اللي كان نفسهم يروحوها من زمان.. والعيال الثمانية كلهم هيفضلوا مع ماما. ماما اصلاً جابت الهدايا ودفعت حق العزومة، إحنا بس نرجع يوم العيد على الجاهز، ناكل ونفتح الهدايا ونمشي.. خطة مثالية!».
​مثالية.. ليهم هما!
​أنا اسمي سهير، عندي سبعة وستين سنة، أرملة، وعايشة على مرتب المعاش اللي بمشي بيه أموري بالعافية. بحب أحفادي من كل قلبي؛ ندى عندها ثلاثة، وتامر عنده خمسة. بحب أقعد أقرالهم، وأروح معاهم حفلات المدرسة، وأسمع حكاياتهم اللي ما بتخلصش.
​بس حُبي ليهم مش معناه إن اتفقنا أكون الشغالة اللي شغالة عندهم ببلاش في الأعياد!
​رجعت لقطت نفسي وطلعت بالراحة على أوضتي، وقعدت على طرف السرير.
​صور العيلة كانت مالية الحيطان حواليا؛ في كل صورة تقريباً، طالعة شايلة عيل، أو ماسكة تورتة، أو برتب الزينة، أو بغرف الأكل، أو واقفة ورا الكل وابتسامة التعب على وشي. كنت دايماً موجودة.. بس نادراً لما حد يفكر فيا أو يعملي حساب.
​في دولابي، كان فيه ثمان هدايا متغلفة بضماير ومختارة بعناية. صرفت عليهم أكتر من خمسين ألف جنيه على مدار 3 شهور، بين ألعاب تعليمية، وكتب، وهدوم شتوي، وأي حاجة تفرحهم.
​وعلى التسريحة، وصل عزومة العيد؛ كنت دافعة مقدم أكتر من أربعين ألف جنيه طلبيات أكل لـ 18 فرد: بط، ومحاشي، وصواني، وحلويات، ومشروبات. محدش طلب مني أعمل كده.. بس كنت فاكرة إن عطاء الأم هو الطريقة الوحيدة اللي بتبين بيها حبها.
​في اللحظة دي، بدأت الذكريات ترجع في دماغي بوجع ووضوح؛ العيد اللي فات، وقفت أطبخ يومين كاملين. ندى وشريف جوم متأخرين، أكلوا قوام ومشيوا عشان عندهم سهرة مع أصحابهم. تامر وشيماء قعدوا أكتر شوية ومشيوا برضه.
​والأحفاد فضلو معايا لفرق الفجر؛ فرشت أغطية، وغسلتلهم، وحليت خناقاتهم، وقريتلهم قصص، وفضلت صاحية أخدمهم وأراعي راحاتهم بينما أهاليهم بيحتفلوا في حتة تانية!
​والسنة اللي قبلها كانت نفس السيناريو، وعيد ميلادي أنا بقى؟ محدش افتكره أصلاً! ندى كلمتني بعدها بثلاث أيام، وتامر بعت رسالة قصيرة بعد أسبوعين.. لا عزومة، ولا ورد، ولا زيارة، شوية حِجج وخلاص.
​وأنا قاعدة في أوضتي، استوعبت المشهد أخيرًا: عيلتي مبقتش تشوف عطائي ده كرم.. بقوا يشوفوه “خدمة أوتوماتيكية” حاقينها ليهم.
​فيه حاجة جوايا اتغيرت في هدوء. مسكت تليفوني وكلمت صاحبتي الأنتيم ماجدة.
​كانت عزماني أقضي العيد معاها في بيتهم الهادي في دهب، وبستها وقتها لأني كنت فاكرة إن واجبي أفضل مع عيلتي.
​لما ردت، سألتها: «عزومتك لسه قائمة يا ماجدة؟»
​سكتت ثانية، وبعدين قالت بحب: «طبعاً يا سهير! إيه اللي حصل؟»
​رديت: «قررت إن السنة دي عايزة أستمتع بالعيد بدل ما أطحن نفسي فيه شغل».
​قالتلي: «إحنا مسافرين صباح يوم 23؛ لا شيل ولا حط ولا مسؤولية.. بحر، وأكل هادي، ولمة حلوة».
​ولأول مرة من سنين، حسيت إن خطة العيد دي حاجة أنا فعلاً عايزاها ونفسي فيها.
​تاني يوم الصبح، كلمت السوبرماركت ومحل الأكل: «عايزة ألغي أوردر العزومة».
​الموظف راجع البيانات وقال: «يا فندم ده أوردر كبير لـ 18 فرد، متأكدة؟»
​«متأكدة جداً».
​والفلوس رجعتلي على الكارت خلال أيام.
​بعدها جه دور الهدايا؛ حملت شنط الهدايا في عربيتي ورجعت المحلات، ورجعت معظم الفلوس. وفيه هديتين مكنش ينفع يرجعوا، بدل ما أزعل، نزلت دار أيتام قريبة مني وتبرعت بيهم.. فيه أطفال تانية تفرح بيهم، أطفال عيلاتهم يمكن تكون عارفة يعنى إيه امتنان.
​رجعت البيت وتعبانة جسدياً، بس حاسة براحة نفسية عجيبة.. راحة غريبة عليا، كأني نزلت حمْل تقيل كنت شايلاه لدرجة إن نسيت إني أقدر أقف مفروضة الضهر!
​خلال الأيام اللي بعدها، ندى كلمتني مرتين: «كل حاجة جاهزة للعيد يا ماما؟»
​أرد: «أيوة، كل حاجة تحت السيطرة».
​وكانت دي الحقيقة.. لأول مرة، كل حاجة تحت “سيطرتي أنا”.
​بعدها تامر بعتلي رسالة:
«ماما، هنجيب العيال يوم 24 الساعة 10 الصبح، ونرجع يوم 26 بالليل. تسلمي يا حبيبتي، العيال متحمسين جداً».
​مش بيستأذن.. مش بيسأل لو فاضية.. هو ببساطة بيقرر أنا هقضي ثلاث أيام من حياتي إزاي. سبت الرسالة من غير رد.
​يوم 22 ديسمبر، وأنا بأجهز شنطتي، جرس الباب رن. كانت ندى واقفة ومجمعة كم علبة عصير وبسكويت: «جبت شوية حاجات للعيال، شريف مستنيني تحت في العربية مش هقدر أطول».
​«ندى، محتاجة أقولك حاجة».
​بصت في ساعتها: «سريعة كده يا ماما؟»
​«أنا مش هكون موجودة في العيد».
​برقتلي: «يعني إيه؟»
​«أنا مسافرة بكرة مع ماجدة، ورجعة بعد رأس السنة».
​وشها اتغير وشد: «بس إحنا مرتبين كل حاجة خلاص!»
​«أنتم رتبتم.. أنا متفقتش معاكم على حاجة».
​وبعدين قلتلها إني سمعت المكالمة اللي كانت بتعملها.
​وش ندى اتغير من اندهاش لغضب: «إنتِ بتتصنتي عليا وعلى مكالماتي؟»
​«إنتِ كنتِ بتتكلمي عن حياتي في صالة بيتي كأني مش بني آدمة وموجودة!».
​قالت بعصبية: «دول كم يوم يا ماما! العيال بيحبوكِ!»
​«المشكلة مش في العيال.. المشكلة إنك قررتي إن وقتي وحياتي ملكك إنتِ».
​ولأول مرة في حياتها، بنتي استوعبت إن ممكن أقول “لأ”.
​الجزء الثاني: عيد من غير استئذان
​ندى حاولت تهوّن من الموضوع: «إنتِ بتكبري الموضوع ليه؟ العيال اصلاً بيحبوا يقعدوا معاكِ!».
​«مش موضوع صغير إنك تستخدميني كـ “دادة ببلاش” من غير حتى ما تستأذني».
​«إحنا دايماً بندخلكِ في خطط العيلة يا ماما!»
​«أنتم مش بتدخلوني في خططكم غير لما بتكونوا محتاجين مني حاجة.. أخر مرة جيتي زرتيني عشان تقعدي معايا أنا كانت إمتى؟ أخر مرة سألتيني عن صحتي إمتى؟ إمتى حد افتكر عيد ميلادي من غير ما أفكره؟»
​ملقتش رد. وبدلاً من كده، سألت السؤال اللي بين إيه اللي فارق معاها بجد: «طب إحنا هنعمل إيه في الثمان عيال دلوقتي؟!»
​رديت: «دول عيالك وعيال تامر.. دي مشكلتكم إنتو وتحلوها سوا».
​مسكت تليفونها: «أنا هكلم تامر، هو اللي هيعرف يعقّلك».
​«قراري مش هيتغير».
​تاني يوم الصبح، ماجدة جتالي الساعة 8. شنطة عربيتها كانت مليانة كراسي بحر وتسالي وحاجات السفر. حطيت شنطتي في شنطة العربية، وبصيت لبيتي وهو بيبعد في المراية الجانبية.
​تليفوني مكنش بيقعد من كثر الرن في أول ساعة. بعد المكالمة العاشرة، قفلته خالص.
​ماجدة بصتلي: «إنتِ كويسة يا سهير؟»
​«هكون كويسة.. وبخير جداً كمان».
​وصلنا دهب بعد الضهر؛ المكان كان هادي وجميل، بيوت ملونة، شوارع بسيطة، وريحة البحر في كل حتة. الشاليه اللي حجزناه كان بطل على الميه مباشرة، ولما دخلت أوضتي وشوفت المنظر، حسيت بغصة التعب اللي جوايا بتبدأ تفك.
​فتحت التليفون لدقيقة.. لقيت 53 مكالمة فائتة و 27 رسالة!
​ندى كاتبة: «العيال زعلانين عشان تيتة اختفت! هو ده اللي إنتِ عايزاه؟»
​تامر كاتب: «كلمت السوبرماركت ولقيتك لغيتي كل حاجة! عمرى ما تخيلت إنك أنانية كده!»
​شريف جوز ندى كاتب: «ندى منهارة، ارجعي البيت وصليحي اللي عملتيه!»
​كل رسالة كانت بتطالبني أصلح نتائج قرارات هما أخدوها من غير ما يرجعولي. ولأول مرة في حياتي، متحسستش بالذنب! قفلت التليفون تاني.
​في ليلة العيد، نزلت أنا وماجدة الممشى في دهب، كنا بنتمشى براحتنا من غير جدول ولا أوردرات أكل ولا طلبات. اشتريت حظاظة بسيطة ألوانها أزرق وأخضر.. كانت رخيصة بس اخترتها لنفسي لمجرد إنها عجبتني.
​قعدنا على البحر، ماجدة بتقرأ كتاب وأنا ببتفرج على الموج؛ لا عيال بيتخانقوا، ولا حد بيسأل عن المعالق، ولا حد بيشتكي من الأكل أو الهدايا.
​في السهرة، عملنا أكل خفيف وشربنا عصير قعدنا ناكله في التراس مع غروب الشمس: «كل سنة وإنتِ طيبة يا سهير»، رفعت ماجدة كاس العصير.
​«وإنتِ طيبة يا ماجدة».. ولأول مرة من سنين، كنت بأقولها وأنا حساها بجد.
​يوم العيد مشي بنفس الهدوء، أكلنا فطارنا براحتنا، اتدفينا بالشمس، وأكلنا سمك في مطعم على البحر. وتليفوني فضِل مقفول في الشنطة. الأزمة اللي في البيت دي ملك الناس اللي خلقوها؛ هما اللي يشيلوا عيالهم، هما اللي يعملوا أكلهم، وهما اللي يكتشفوا إن أعياد العيلة مكنتش بتمشي بـ “السحر”.. كان فيه بني آدمة بتطحن نفسها عشان ده يحصل، والبني آدمة دي كانت أنا.
​باقي الأيام عدت في سلام تام.
​يوم 2 يناير، ماجدة روحتني. نزلت معايا الشنطة لحد باب البيت: «هتكوني كويسة؟»
​«أنا بقيت أحسن بكتير».
​بالليل، جرس الباب رن.. كانت ندى وتامر واقفين مع بعض، وشهم مكنش فيه الثقة بتاعة زمان.
​ندى قالت: «محتاجين نتكلم».
​رديت: «نتكلم بصراحة، من غير لوي ذراع ولا محسوبيات».
​تامر بصل لجوة: «مش هتدخلينا؟»
​«على حسب جايين ليه».
​ندى ربعت إيدها: «إنتِ بوظتي العيد على الكل!»
​«أنا مبوظتش حاجة؛ أنتم عملتم خطط قائمة على استغلالي، وأنا قررت مأشاركش فيها».
​تامر قال: «إحنا خسرنا ألوفات في الحجوزات اللي اتلغت، وقضينا الإجازة كلها بنسلك مع ثمان عيال زعلانين!»
​«وأنا قضيت العيد في هدوء وراحة بال لأول مرة من سنين طويلة».
​بصولي باستغراب، فقلت اللي كان المفروض أقوله من زمان: «أنتم بطلتم تتعاملوا معايا كـ “أم”.. تعاملتم معايا كـ “خدمة”؛ ينفع أكون موجودة لما تعوزوا دادة، أكل، فلوس، أو مساعدة.. ولما تخلص مصلحتكم مبقاش مهمة».
​وش تامر شِد: «دي أنانية منك!»
​«سميها زي ما تسميها.. أنا بسميها احترام لنفسي».
​وحطيت القواعد الجديدة: مش هقبل رعاية عيال فجأة في أخر لحظة، مش هدفع مصاريف عزومات العيلة لوحدي، ومش هغلي خططي عشان خططكم أهم. لو عايزين أكون في حياتكم، يبقى تحترموا وقتي وجودي.
​ندى صوتها وطي: «ولو مفيش حد فينا قدر يتقبل الشروط دي؟»
​«يبقى مفيش حاجة نطول الكلام فيها».
​وقلت بهدوء: «بابي مفتوح لما تكونوا جاهزين تشوفوني كبني آدمة كاملة الحقوق، بس مش هترجى حد عشان يديني احترامي البسيط».
​ندى لفّت وراحت لعربيتها، وتامر فضِل واقف ثانية: «عمرى ما تخيلت إنك ممكن تعملي كده يا ماما».
​«ولا أنا بصراحة.. بس باين إني طلعت أقوى مما كلنا كنا فاكرين». وقفت وقفلت الباب.
​الجزء الثالث: الحياة اللي نسيت أعيشها
​الأسبوعين اللي بعد الكلام ده كانوا هاديين بشكل غريب. أولادي بطلوا يكلموني، مفيش طلبات دادة، مفيش طوارئ فجأة، ولا طلبات أطبخ أو أحل أزمات.
​في الأول الهدوء ده كان غريب، بس بعد كده حسيت إنه مساحة حرة.
​اشتركت في كورس رسم ألوان مائية في مركز الخدمة المجتمعية في مصر الجديدة، وهناك اتعرفت على ستات في نفسي السن بيتعلموا إزاي يبدؤوا يبنوا حياتهم تاني بعد ما قضوا عقود بيحطوا الكل قبل نفسهم.
​وانضميت لنادي كتاب كل يوم خميس في المكتبة، وبقيت أنزل أتمشى في حديقة الميريلاند من غير ما أبص في التليفون كل دقيقتين. بقيت أطبخ لنفسي أكلات بسيطة على مزاجي أنا بس.
​عدى فبراير، وبعده مارس. عيلتي فضلت بعيدة، بس حياتي أنا بقت مليانة ومشغولة. بطلت أستنى من أولادي يدوني الإذن عشان أكون مبسوطة.
​في يوم في أول أبريل، كنت بزرع ورد في بلكونتي لما الباب خبط.
​كان تامر واصل لوحده: «أهلاً يا ماما».
​«أهلاً يا تامر».
​«ممكن نتكلم؟»
​بصيت في وشه.. كنت متعودة منه على الدفاع والهجوم والتذمر، بس المرة دي كان شكله مختلف؛ كان متردد، وحتى شكله فيه هدوء أو تواضع.
​«ادخل يا تامر».
​قعدنا في الصالة، وبعد سكون طويل قال: «أنا فكرت كتير في الكلام اللي قلتيه».
​سكت واستنيت.
​«كان عندك حق في كل كلمة عن طريقتي أنا وشيماء معاكِ.. كنا بنعتبركِ الحل السريع لكل خنقة أو مشوار بالنسبة لنا».
​صوته كان بتهز شوية: «عمرنا ما سألنا إنتِ تعبانة ولا عندك خطط، افترضنا إنك دايماً فاضية لمجرد إنك دايماً كنتِ موجودة».
​دي كانت الاعتذار اللي كنت في يوم من الأيام مستنياه بلهفة، بس الغريب إني مبقتش محتاجة الاعتذار ده عشان أحس بقيمتي.
​«شكراً إنك استوعبت ده يا تامر».
​«ينفع نبدأ من جديد؟ بطريقة مختلفة المرة دي؟»
​«ده يعتمد على أفعالك».
​فكرته بإن حدودي مش هتتغير؛ الزيارات لازم تكون بالتوافق، رعاية العيال بالطلب والاستئذان مش بالأمر، ووقتي مش أقل أهمية من وقت أي حد.
​تامر هز رأسه: «أنا وشيماء عايزين نكون أحسن».
​اتكلمنا ييجي ساعة، كان كلام صريح وصعب ساعات بس كان صادق. لما مشي، حسيت بأمل.. مش لأني محتاجة وجوده عشان أكمل حياتي، بس لأن بناء العلاقة على الاحترام المتبادل ممكن لو الطرفين عندهم النية يشتغلوا على ده.
​مكنتش عارفة هل ندى هترجع هي كمان ولا لأ، ولا هل عيلتنا هترجع زي زمان أو لأ.. بس بقيت فاهمة حاجة أهم بكثير:
​راحة بالي مش معتمدة على إن أولادي يتغيروا.. معتمدة على إرادتي أنا في إني أحمي الراحة دي.
​في السهرة دي، قعدت في البلكونة مع كوباية شاي بحبق وبصيت على الشارع. افتكرت الصبحية اللي سمعت فيها ضحكة ندى في صالة بيتي؛ وقتها كلامها كان يقسّي العضم، بس في الحقيقة الكلام ده هو اللي صحاني.
​لسنين طويلة، كنت فاكرة إن الأمومة الصالحة هي إنك تدي لحد ما ميفضلش منك حاجة.. كنت فاكرة إن الحب معناه إتاحة كاملة طول الوقت، وكنت بخلط بين التضحية وبين قيمتي كبني آدمة.
​عند سبعة وستين سنة، اتعلمت أخيراً إن حبي لعيلتي مش معناه إن أربط نفسي وألغي وجودي.
​من حقي يكون عندي خطط.
​من حقي أرتاح.
​من حقي أصرف فلوسي على الحاجات اللي تفرحني أنا.
​من حقي أقول “لأ” من غير ما أقدم مبررات لحد ما الكل يوافق.
​والأهم من ده كله.. من حقي أستنى الاحترام من الناس اللي بيتقال إنهم بيحبوني.
​في العيد ده، لغيت العزومة، ورجعت الهدايا، وسافرت.. بس الحاجة الحقيقية اللي سيبتها ورايا هي اعتقادي القديم بأن قيمتي مستمدة من مدى نفعي واستغلال الآخرين ليا.
​لأول مرة في حياتي، اختارت نفسي.. والأختيار ده كان بداية لحاجة أعظم بكتير من مجرد “عيد مثالي واحد”.
​كان بداية لحياتي أنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *