طليقي طلب

بعد سبع شهور من يوم ما قصّيت شعري، وربطت صدري عشان أخفي ملامحي الأنثوية، واختفيت قبل فرحي اللي اتفرض عليّا بالعافية، دانتي موريتي، أخطر زعيم عصابة في شيكاغو، بصّلي في عيني أخيرًا وشافني بجد.
لحد اللحظة دي، دانتي ما كانش يعرفني غير باسم آدم رشاد؛ الميكانيكي الشاب الهادي اللي شغال عنده، اللي عمره ما عمل مشكلة، ولا اتأخر بعد مواعيد الشغل، ولا ادّى لأي حد سبب يخليه يسأل عنه أو يشك في حكايته.
الليلة اللي اختفيت فيها، كان فيه خمسين ضيف نايمين جوه قصر أبويا في التجمع الخامس، مستنيين يحتفلوا بمستقبلي اللي الكل قرر يختاره نيابة عني.
وقبل الضهر، كان المفروض أقعد جنب كريم البدري، أبتسم للكاميرات، وأسمع أبوه وأبويا وهما بيخلصوا اتفاق الجوازة اللي أنا رفضتها تلات مرات قبل كده.
كريم كان عنده ستة وأربعين سنة، وأنا كنت لسه عندي خمسة وعشرين.
الناس كانت بتقول إنه راجل تقيل، عشان عنده شركات نقل ومخازن ومطاعم، وعلاقاته ونفوذه واصلين لدرجة إن ناس كبيرة كانت بتوطي صوتها أول ما اسمه يتجاب.
لكن بالنسبة لي، هو كان مجرد الراجل اللي مسك إيدي مرة تحت ترابيزة السفرة وعصر على رسغي، وهمسلي
هتتعلمي إن كلمة لأ منك مش معناها إنك رافضاني… دي معناها بس إنك محتاجة وقت عشان تتعلمي تسمعي الكلام.
أبويا سمعه.
وسكت.
ما اتحركش، وما دافعش عني، ولا حتى بصلي بنظرة تطمّني إنه لسه شايفني بنته.
الساعة 1243 بعد نص الليل، قفلت باب أوضتي بالمفتاح، ووقفت قدام المراية وفي إيدي مقص.
الشعر الأسود الطويل كان محاوط وشي، وبيفكرني بكل حاجة كنتها إيلينا رشاد، البنت المطيعة، بنت العيلة الكبيرة، والصفقة اللي أبوها قرر يقدّمها هدية لعيلة تانية عشان يضمن مصالحه.
أول خصلة شعر وقعت على الرخامة.
ومع الخصلة الرابعة، إيديا بطلت ترجف.
الهروب باسمي الحقيقي ما كانش هينفع. أبويا كان هيقلب المطارات والفنادق ومحطات القطر، وهيفتش عند كل صاحبة ليا، وكل مكان حكيت عنه في يوم من الأيام.
كريم عنده رجالة بتراقب وتفتش، وأبويا عنده علاقات ونفوذ يقدر بيهم يوصل لأي مكان.
ولو الاتنين اتحدوا عشان يرجعوني، كانوا هيقدروا يرجعوني قبل حتى ما أخرج بره القاهرة.
عشان كده، إيلينا رشاد كان لازم تختفي تمامًا.
لبست بنطلون شغل واسع وقميص كاروهات قديم كانوا بتوع أخويا الراحل، يوسف. لفّيت صدري برباط محكم، غمّقت حواجبي، وخبيت شعري القصير اللي اتشوّه تحت كاب قديم.
وبعدين وقفت قدام المراية، وحاولت أوطّي صوتي.
اسمي آدم رشاد.
صوتي كان ناعم زيادة عن اللزوم.
جربت تاني.
آدم رشاد.
المرة دي، صوتي كان مقنع.
الساعة 317 الفجر، طلعت من شباك أوضة الغسيل، وأنا شايلة 684 دولار، وشنطة العِدّة القديمة بتاعة يوسف، وشنطة هدوم صغيرة.
ومع أول ضوء للنهار، إيلينا رشاد كانت اختفت من الدنيا.
وبعد سبع شهور، كان آدم رشاد شغال ميكانيكي في ورشة موريتي موتورز في منطقة شعبية على أطراف شيكاغو.
التنكر بقى جزء من حياتي اليومية.
أفرول واسع، صوت واطي، مفيش تغيير هدوم قدام حد، مفيش خروجات مع زمايلي بعد الشغل، مفيش ارتباط، مفيش صداقات قريبة، ومفيش أي غلطة ممكن تفضحني.
كل يوم كنت بصحى وأنا عارف إن حركة واحدة غلط، أو كلمة في غير مكانها، ممكن تدمّر كل اللي بنيته في سبع شهور.
ورشة موريتي موتورز كانت في الظاهر مجرد ورشة متخصصة في ترميم العربيات القديمة.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
من ورا بواباتها الحديد، كانت بتدخل عربيات فيراري نادرة، وعربيات دفع رباعي مصفحة، وعربيات كلاسيك بملايين، وعربيات أصحابها محدش بيسأل عنهم ولا عن شغلهم.
صاحب المكان كان دانتي موريتي.
نص شيكاغو كان بيخاف منه، والنص التاني كان بيحسب كل كلمة قبل ما يقولها قدامه، عشان ما يزعلوش.
وكان فيه قانون واحد كل اللي شغالين في الجراج حافظينه كويس
ممنوع الكذب على دانتي موريتي.
وأنا؟
كنت بكدب عليه مع كل نفس باخده تحت سقف ورشته.
سبع شهور كاملة عدّوا من غير ما يلاحظني تقريبًا.
لحد ما حصلت مشكلة في عربية الموستنج السودا موديل 1967 بتاعته.
الموتور كان بيقطع، وصوته مش مظبوط.
تلاتة من أمهر الميكانيكية في الورشة حاولوا يصلحوه وفشلوا، ومن ضمنهم توني مراد، مدير الورشة نفسه.
كنت شغال على بُعد حوالي تلاتة متر منهم، ولما سمعت صوت الموتور وهو بيدور، كل حواسي اتشدّت مرة واحدة.
كان فيه حاجة غلط.
حاجة صغيرة جدًا، لدرجة إن أي حد تاني كان ممكن يسمعها ويعتبرها صوت عادي.
لكن أنا سمعتها.
ومن غير ما أفكر، قلت
دوّرها تاني.
توني لفّ ناحيتي باستغراب.
إنت بتقول إيه يا آدم؟
رديت وأنا مركز مع العربية
بقولك دوّرها تاني.
بصلي لحظة، وبعدها أشار للميكانيكي اللي جوه العربية إنه يشغّل الموتور.
صوت المحرك العالي ملأ الجراج، وأنا وقفت مغمّض عيني نص غمضة، بسمع كل نَفَس بيطلعه الموتور.
وهناك… سمعتها.
تقطيعة صغيرة جدًا، مستخبية وسط صوت المحرك، لكنها كانت كفاية تقول لي إن العيب مش في الجزء اللي الكل بيدوّر عليه.
قربت من العربية، وبدأت أفك أجزاء من الموتور واحدة واحدة.
بعد حداشر دقيقة بالظبط، لقيت المشكلة.
شرخ رفيع جدًا في خرطوم فاكيوم قديم، مستخبي تحت مجموعة السحب، في مكان محدش فكّر يبص فيه.
أشرت عليه وقلت
أهو العيب. الخرطوم ده فيه شرخ، والهواء بيدخل من مكان مش المفروض يدخل منه.
توني قرب، وبص للخرطوم، وبعدها بصلي كأنه مش مصدّق.
يا نهار أبيض… إنت لقيت ده إزاي؟ إحنا بقينا يومين بنلف حوالين العربية!
ابتسمت غصب عني.
ابتسامة صغيرة، طلعت من قلبي قبل ما ألحق أمنعها.
لكن في نفس اللحظة…
الجراج كله سكت.
ولا صوت مفتاح، ولا صوت موتور، ولا حتى همسة بين اتنين من الصنايعية.
سمعت وقع خطوات تقيلة جاية من ورايا، بطيئة ومنتظمة، وكل خطوة كانت بتقرّبني من الكابوس اللي هربت منه طول الشهور اللي فاتت.
توني كان أول واحد اتغيرت ملامحه.
وشه اصفر، وعينيه اتحركت من ناحيتي للي واقف ورايا.
والدم انسحب من وشي قبل حتى ما ألف.
لأني كنت عارف مين اللي دخل.
دانتي موريتي بنفسه كان واقف ورايا مباشرة.
ولأول مرة من سبع شهور، أخطر راجل في شيكاغو ما كانش بيبص للميكانيكي الهادي اللي اسمه آدم رشاد…
كان بيبصلي أنا، وكأنه أخيرًا بدأ يشوف الشخص الحقيقي اللي مستخبي ورا الاسم ده.
والمصيبة؟
إن نظراته ما كانتش نظرات إعجاب بميكانيكي شاطر وبس.
كان فيه حاجة تانية في عينيه.
حاجة خلت قلبي يدق بعنف، وإيديا تتجمد فوق موتور العربية.
لأن دانتي موريتي كان معروف عنه إنه ما بيسيبش تفصيلة تفوته…
وأنا كنت أكبر تفصيلة غامضة دخلت حياته من غير ما يعرف.
اكتشف دانتي موريتي السر اللي خبّته إيلينا سبع شهور… لكن السر اللي كان مستخبي في ماضيه هو اللي قلب حياة الاتنين!
دانتي موريتي ما ردّش على كلامي، وما سألنيش إزاي عرفت العيب في العربية.
فضل واقف ورايا، وعينيه بتتنقل بين إيديا وبين وشي، كأنه بيحاول يركّب صورتين مش عارف يجمعهم مع بعض.
وبعدين قال بصوت هادي بشكل يخوّف
إنت اسمك آدم رشاد؟
بلعت ريقي ورديت
أيوه يا باشا.
عندك كام سنة؟
خمسة وعشرين.
اتعلمت الميكانيكا فين؟
من أخويا الله يرحمه.
هز راسه ببطء، وبعدين بص لتوني.
سيبنا لوحدنا.
توني ما احتاجش يسمع الكلام مرتين. أشار لباقي الصنايعية يخرجوا، وفي أقل من دقيقة، الجراج اللي كان مليان ناس بقى فاضي إلا مننا إحنا الاتنين.
دانتي لف حوالين العربية، وسند إيده على الرفرف الأسود.
عارف إيه أكتر حاجة بتضايقني في الناس يا آدم؟
لأ يا باشا.
إنهم يفتكروا إن الهدوء معناه الغباء، وإن قلة الكلام معناها إن اللي قدامهم مش شايف حاجة.
سكت لحظة، وبعدين كمل
إنت بقالك سبع شهور هنا. ما بتتكلمش عن نفسك، ما عندكش أصحاب، ما بتخرجش مع حد، وكل يوم بتمشي في نفس المعاد. عمرك ما طلبت سلفة، ولا اشتكيت من المرتب، ولا حتى حاولت تعرف مين الزباين اللي بيدخلوا الورشة.
قلبي كان بيدق لدرجة إني كنت خايف يسمعه.
أنا جاي أشتغل يا باشا، مش جاي أتعرف على الناس.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
إجابة حلوة. بس مش إجابة مقنعة.
قرب مني خطوة.
بصلي يا آدم.
رفعت عيني بالعافية.
فضل باصصلي ثواني طويلة، وبعدين قال
عينيك مش عيون راجل اسمه آدم.
اتجمدت مكاني.
لكنه ما ادّانيش فرصة أرد.
رن موبايله، بص للشاشة، واتغيرت ملامحه في ثانية.
أيوه يا توني؟
صوت توني جه من الطرف التاني متوتر
باشا، في عربية سودا واقفة بره الورشة بقالها نص ساعة. اتنين جواها، وكل ما حد يخرج يصوروه.
دانتي بصلي من غير ما يبعد الموبايل عن ودنه.
محدش يقرب منهم. وأنا نازل حالًا.
قفل المكالمة، وبعدين رجع بصلي.
واضح إنك مش الوحيد اللي عنده أسرار يا آدم.
ومشي.
فضلت واقف مكاني لحد ما سمعت باب عربيته بيتقفل.
كنت فاكر إن دي كانت أصعب لحظة في حياتي.
ما كنتش أعرف إن اللي جاي هيخليني أتمنى لو دانتي كان اكتشف حقيقتي من أول يوم.
1. الراجل اللي جه يدور على إيلينا
تاني يوم، وصلت الورشة بدري كعادتي.
لكن أول ما دخلت، لقيت توني مستنيني عند باب المكتب.
دانتي عايزك فوق.
معدتي اتقبضت.
طلعت السلم، ووقفت قدام مكتبه. الباب كان مفتوح، ودانتي قاعد وراه، وقدامه ملف بني كبير.
أشار للكرسي اللي قصاده.
اقعد.
قعدت، وهو فتح الملف وطلع صورة.
أول ما شفتها، حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
كانت صورتي القديمة.
إيلينا رشاد، بفستان أزرق، وشعري الطويل نازل على كتافي، واقفة جنب أبويا في حفل خيري قبل هروبي بشهرين.
دانتي حط الصورة قدامي.
تعرف البنت دي؟
حاولت أتماسك.
لأ.
قفل الملف بهدوء.
غريبة. عشان

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *