وجلا الليل ج٢ ذكيه محمد
بالأعلى مددها برفق على الفراش، وبدأ في فحص مؤشراتها، جلس محازاتها يسمح لنفسه باكتشافها، لتمشط عينيه قسمات وجهها الشاحب، والذي على الرغم من ذلك لم يفقد بريقه، قام بتحرير وشاحها ليعطيها حرية التنفس وبدون وعي قربه من أنفه واستنشقه، ليجد نفس تلك الرائحة التي اخترقت صدره حينذاك، ولم تبرح محلها تغلف أضلعه وكأنها تنذره بأن القادم ليس بهين، وأن ليس فقط رائحتها هي من ستسكن جنباتك بل هي ستسير في أوردتك كما الدماء، غرز أصابعه في خصلاتها السوداء كالليل، ومن ثم أخذت يده مسارًا آخر، حينما مشت برفق على ملامحها شعر بعاصفة هوجاء تقتحم ثناياه، وهنا رنت أجراس الخطر وأنها تمثل تهديدًا تمارس سحرها عليه، وها هو يستجيب كالثمل الذي غرق في بحر الخمور المسكرة، فألقت تعويذتها عليه لتسيطر عليه، ويبدو أنها نجحت وبجدارة في ذلك، نهض مبتعدًا عنها، وهو يتذكر الأخرى التي تعاتبه نظراتها كلما رأته، حالة تيه يتواجد بها لا يعلم له مرسى لينجيه من بحر الظلمات، فاق من شروده على صوت انينها الخافت، جلست نصف جلسة وهي تضع يدها على رأسها تطلع حولها بغرابة، لاحظت أنها تلامس شعرها، لينتابها القلق فتنتفض بفزع وصرخت بصوتها كله، حينما وجدته ماثلًا أمامها يحدق فيها بنظرات لم تستشف معناها، حاوطت نفسها بذراعيها وهي تتفقد ملابسها، فهتفت بهلع :- أنا، أنا بعمل إيه اهنة؟ أنت عملت فيا إيه ؟
رفع حاجبه باستنكار قائلًا بسخرية :- هكون عملت إيه يعني ؟ الحق عليا إني كشفت عليكِ !
ازدادت عدستيها اتساعا لتنهض وهي تضع حجابها على رأسها بإحكام وأخذت تردد بوجل :- يا مصيبتي السودة، يا فضيحتك يا وچد هيقولوا عليا إيه بعد ما يعرفوا إني في فرشتك ؟ منك لله يا بعيد حسبي الله ونعم الوكيل .
كبلها مجددًا لتقع تحت أسر ذراعيه، ليردد بصرامة وغضب :- بطلي هبل، ما اللي يشوف يشوف واللي يقعد يقعد هو ….
قاطعته وهي تهاجمه بظفورها الحادة قائلة بصراخ :- ما أنت مش خسران حاچة، بعد ما حطيت سمعتي في الطين، مخبراش كيف كنت مغشوشة فيك ! هملني وبعد خليني أمشي كفاية چِرس .
هزها بعنف صائحًا باحتداد :- أوعاكِ تنسي نفسك وأنتِ بتتحدتي وياي، فاهمة ؟
أردفت بوجع خفي وهي تلعن ذاك الغبي الذي يستوطن أضلعها، أنه فكر يومًا واحدًا به فها هو يذكرها بمركزها الاجتماعي، والذي لا يجب أن تغفل عنه :- منسياش نفسي يا دكتور، عارفة قيمتي زين .