انت مكافاتي ج١ دفنا عمر

بهاء دون أن يعي عقله حرف مما قالت، أو يتأثر به :
_يعني مش هتديني اللي أنا عايزه؟

_ لأ…مش هتاخد غير اللي أخدته امبارح ، مالكش غير مبلغ كل اسبوع!

_تملكه السخط الشديد، فتركها لوقت قصير، مختفيا بغرفتها، ثم عاد ،رافعا قبضة يده المضمومة بوجهها، وتتراقص بعيناه نظرة ظافرة ..ثم أنفرجت أصابعه أمامها فالتمعت أعلى كفه قطعة ذهبية من حُلي والدته التي تدخره منذ وفاة أبيه ..

نقلت بصرها بينه وبين ما تحوي راحة يده المبسوطةِ، وغمغمت بشفاه ترتعش حزنا لفعلته ، وبعين دامعة، كسحابة تمهد لسيلٍ جارف :

_عارف اللي في أيدك ده أيه؟

ده هدية أبوك ليا يوم ما ولدتك .. بص كدة جوة الخاتم وشوف مكتوب فيه أيه .. أبوك حفر أسمك وأسمي فيه .. قالي أننا بقينا أغلى ما عنده .. وأنه هيصلي ويشكر ربنا طول عمره عشان رزقنا بيك ..

ثم دنت منه ، وعيناها ترسل عتابها وحزنها لعمق عينيه بقوة أرجفت داخله دون مبالغة ، واكتمل هجومها بنبرة صوت باكية هزت قلبه بفطرة لا يملك مقاومتها مهما قسى وأظهر عكس ذلك:

بيعه يابهاء .. بيع فرحة أبوك بيك!

ثم التقطت من جيب عباءتها مفتاح صغير :

ده مفتاح الدرج اللي فيه الفلوس وبقيت دهبي ،
خد اللي يكفيك يا ابني ومش هسألك أخدته ليه .. بيع قد ما تقدر!
وصمتت ترمقه بنظرة كساها الوجع، ثم هتفت:

ماهو اللي يببع أمه يا ابني، ويهون عليه رضاها، ويشتري رضا اصحابه!.. سهل يبيع شوية دهب، حتى لو كانوا ذكرى غالية من أبوه..!

وتركته وحيدًا، ومازالت كفه مبسوطة أسفل خاتمها ، فرفع يده وأدار الخاتم بين أصابعه ، فبصر لأول مرة اسمه المنقوش داخله بجوار أسمها..!

وكأن صاعقة انطلقت من قلب خاتمها وأصابت عمق قلبه فاهتزت ذاته وتزلزلت روحه.. فقبض عليه وعاد مصوبا نظره لباب غرفتها المغلق ، واستعاد بمرآة عيناه نظرتها المقهورة قبل أن تغادره متواريه عنه بغرفتها!

ضم أجفان عيناه بقوة، محتبسا انفاسه بصدره، گمحاولة للتحكم بانفعالاته ،وقبضته تضيق على خاتمها وكأنه يخشى انفلاته من بين أصابعه .. وكأن سقوطه من بين أصابعه سيعني حتما سقوطه هو الأخر أمام نفسه اللائمةِ له بقسوة تلك اللحظة..!

أخيرًا تحركت قدماه تجاه باب منزله وأدار مقبضه المعدني ليعبر خارجه ، هروبا من صراع ذاته الذي يكاد يهلكه! وأخر ما وقعت عليه عيناه قبل ذهابه ، هو بابها المغلق..!!
……………………
حين يولد الإنسان لا يوجد بجوفه سوى فطرة الخير فقط ، ويكون گ قطعة قطن بيضاء نقية .. يتلطخ بياضها بالتدريج حين تلتقط سواد نفوس الآخرين ، ويتأثر الإنسان بنزعة شرورهم داخله، هذا يكذب، وذاك يفتن،وأخر يقتل .. وهكذا تنال سلوكيات الأخرين السيئة من فطرتنا السليمة النقية .. فتفسد!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *