انت مكافاتي ج١ دفنا عمر

************************

ولليوم الثاني على التوالى لم يراها بلال ، وهاهى صديقتها رغد، تعود دونها ، وقد تعود أن ينتظرها كل يومٍ أمام مدرستها بمكان خفى كى لا تلاحظه!
حيث يراها ويكحل مقلتيه برؤيتها ، التي هي سلواه الوحيدة منذ أن صادفها بذلك اليوم البعيد..!!

أرجع رأسه إلى الوراء مستند على حائطٍ خلفه..
وتفاصيل تلك الذكرى تجول بعقله، وكيف كان شعوره بيومها! .

كان لا يزال طفلا بالصف الثاني الإعدادى ، وفي هذا اليوم تحديدا ، كان في شدة حزنه!

لم يخطيء بهذا اليوم ليضربه والده بتلك القسوة ،
كل ما حدث انه رغب بالذهاب مع أصدقائه لرحلة مدرسية ، فجميع رفاقه سيذهبون، حتى معتصم صديقه، فرفض والده بعد أن اقنعته زوجته أن لا ضرورة لذلك ، فاعترض بلال ولأول مره يسيء الأدب مع زوجة أبيه، فكان رد فعل الأب أن ضربه بقسوة بعصاه غليظة جعلت كتفه الأيمن يتآذى بشده.. كما أصيب بكدمة زرقاء بذراعه الذي تلقى عليه كل ضربات ابيه..
فذهب اليوم التالى بتوقيت رحيله المعتاد لمدرسته، شعر لأول مرة بالضجر، ماذا سيحدث للعالم إن تغيب يوما! يكفيه مثالية والتزام، فليجرب ويكون طالبا مستهترًا..! ترجل تاركا لقدمه الحريه لأي مكان ترسوا فيه، فوجد بمكان لا يعد قريبا من بيته على اي حال.. بعض الصبيا يلعبون كرة القدم ، فيبدو أنهم تغيبوا مثله .. وقف ينظر إليهم شاردا بحاله! .. كم يشتاق والدته الآن، والشعور بحنانها الذي لم يحظى به لحظة واحدة بكل عمره!
كم يتمني لمسة حانية منها حتى ولو ربتت على تلك الكتف المصابة، كم يحتاج ربتة تدلل طفولته الحزينة! .. لما لا يحبه والده؟! لما لا يهتم لأمره أحد!

وأثناء وقوفه الشارد.. فإذا باحدٍ ما يصطدم بكتفه المصابة ، ثم بيدٍ رقيقة تربت بحنان على نفس الكتف ، ويصاحب تلك الربتة الناعمة، صوت طفولي أنثوي رقيق يقول:

أسفة حبيبي.. مش قصدي اخبطك!

ثم ابتعدت صاحبة الصوت الرقيق اللاهث مهرولة بخطوات سريعة تلتهم الطريق بقدميها الصغيرة.. وضفيرتها الطويلة تلتوي يمينًا وشمالًا بفعل ركضها السريع.. مخلفة خلفها طفلاً خدعها قصر قامته فظنته أصغر منها ..فحدثته وكأنه طفلا بعمرها أو أصغر!!

وهو في الحقيقة يكبرها بخمسة اعوامٍ كاملة ..
فهذا ما علمه بلال فيما بعد حين تتبعها سرًا..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *