تيتا حبست
تيتا حبست أختي الصغيرة جوّه الديب فريزر! ابني اللي عنده 7 سنين صرخ بالكلام ده، بعد ما ركب عجلته وقطع بيها حوالي 11 كيلو تحت شمس حرارتها 35 درجة، عشان يوصلّي في الشغل. جريت على البيت، ولقيت الديب فريزر مقفول بقفل حديد! وحماتي كانت خارجة تتغدى مع صاحباتها بكل هدوء، ولا كأنها عملت حاجة! بس اللي اكتشفته بعد كده في تليفونها خلّى الدم ينشف في عروقي…
الجزء الأول
بابا، تيتا حبست لوسي جوّه الديب فريزر وقفلت عليها بقفل! والنبي تعالى بسرعة قبل ما تموت!
عمري ما هنسى الكلمات دي، ولا هنسى منظر ابني آدم، اللي عنده سبع سنين بس، وهو بيقع قدامي من التعب بعد ما قطع بعجلته الصغيرة حوالي عشرة كيلو تحت الشمس الحارقة، عشان يلحقني في الشغل.
أنا اسمي أحمد عبدالسلام، عندي 38 سنة، وبشتغل في تشطيبات الأرضيات الصناعية. اليوم ده كان يوم خميس من شهر يونيو، والجو في مصر كان نار، والشمس مش سايبة حد في حاله. من الساعة ستة الصبح، وأنا والرجالة اللي شغالين معايا بنشتغل في موقع بناء صيدلية جديدة، والحر كان بيخلّي الواحد حاسس إنه بيتشوي وهو واقف مكانه.
كنت واقف براجع شغل الأرضيات، وفجأة زميلي محمود بص ناحية الطريق وقال باستغراب
أحمد، هو الواد اللي جاي ده مش ابنك؟
رفعت راسي، وبصيت ناحية الطريق…
حسيت إن قلبي اتقبض.
آدم كان ماشي بالعجلة الحمرا بتاعته بالعافية، بيجرّها جنبه بدل ما يركبها. هدومه كانت غرقانة عرق، وشفايفه ناشفة ومشققة، وركبته مجروحة، ووشه أحمر من الشمس. كان باين عليه إنه خلاص مش قادر ياخد خطوة واحدة كمان.
جريت عليه وشيلته بين إيديا.
مالك يا حبيبي؟! إيه اللي حصل؟! إنت جيت هنا لوحدك إزاي؟ فين ماما؟
حاول يتكلم، بس كان بيعيط بطريقة قطّعت قلبي.
بابا، لوسي! تيتا حطّتها جوّه الديب فريزر الكبير اللي في الجراج!
حسيت إن الدنيا وقفت بيا.
لوسي، بنتي الصغيرة، كانت لسه عندها سنتين وتلات شهور. طفلة لسه بتتعلم تنطق الكلام، ولسه محتاجة حضن أمها وأبوها عشان تحس بالأمان.
مسكت آدم من كتافه، وحاولت أتكلم بهدوء رغم إن قلبي كان بيخبط في صدري بعنف.
بصلي يا آدم، يا حبيبي. احكيلي واحدة واحدة. إيه اللي حصل بالظبط؟
مسح دموعه بإيده الصغيرة وقال وهو بيشهق من العياط
لوسي كانت بتعيط ومش عايزة تفطر. تيتا اتعصبت وقالت إنها لازم تتعلم تسكت وما تزنّش. شالتها وحطّتها جوّه الديب فريزر، وقفلت الغطا بالمفتاح!
وبعدين مسك إيدي بقوة وكمل
أنا سمعتها وهي بتصرخ يا بابا! والله العظيم سمعتها! حاولت أفتح الغطا، بس معرفتش. تيتا قالتلي لو اتكلمت معاك هتعاقبني أنا كمان!
حسيت إن الدم بيغلي في عروقي.
وأمك فين؟ كانت فين لما الكلام ده حصل؟
رد عليّا وهو بيترعش
ماما كانت نايمة. هي رجعت من المستشفى الصبح بدري بعد ما خلصت شيفت الليل، وكانت تعبانة أوي. تيتا قالت إنها هتخلّيها ترتاح وإنها هتهتم بينا.
مراتي منى كانت ممرضة، وبتشتغل ساعات طويلة في المستشفى، وخصوصًا في النبطشيات الليلية. أما حماتي، أم منى، فاسمها الحاجة سعاد، مدرسة حضانة على المعاش، وكانت بقالها خمس شهور عايشة معانا بحجة إنها تساعدنا في تربية العيال، خصوصًا إن شغل منى كان بياخد معظم وقتها.
في الأول، وجودها في البيت كان باين إنه نعمة. كانت بتطبخ وتنضف، وتتكلم طول الوقت عن خبرتها في تربية الأطفال، وإنها عارفة إزاي تخلي أي طفل يسمع الكلام من غير ما يرفع صوته.
لكن مع الوقت، بدأت ألاحظ إنها عندها أسلوب غريب في التعامل مع عيالنا.
كانت بتسميه ساعة السكوت.
كل ما لوسي تعيط، أو آدم يطلب حاجة بصوت عالي، كانت تقول إن الأطفال لازم يتعلموا يتحكموا في مشاعرهم، وإن مفيش داعي إننا نجري عليهم كل ما يعيطوا.
ولو لوسي فضلت تعيط، كانت تاخدها وتحطّها في أوضة صغيرة وتقفل عليها الباب، وتقول إنها محتاجة تتعلم تهدى لوحدها.
آدم كان اشتكى لي أكتر من مرة، وقال لي إن تيتا بتخوفه وبتعمل حاجات وحشة في أخته.
لكن أنا، بغبائي، كنت بقلل من كلامه.
كنت بقوله
يا حبيبي، تيتا بس شديدة شوية، إنما أكيد مش عايزة تأذيكم. دي جدتكم وبتحبكم.
دلوقتي، وأنا شايف ابني واقف قدامي منهار من الخوف، فهمت قد إيه كنت غلطان.
بصلي آدم بعيون مليانة دموع، وقال جملة هتفضل محفورة في قلبي طول عمري
أنا قلتلك يا بابا إن تيتا بتعمل حاجات وحشة! إنت ليه ما صدقتنيش؟
ما عرفتش أرد عليه.
إزاي أبرر لنفسي إني ما خدتش كلام طفل عنده سبع سنين على محمل الجد؟ إزاي سمحت لحد يخلّي ابني يحس إنه لو اتكلم، محدش هيصدقه؟
محمود، زميلي في الشغل، كان واقف جنبنا وسمع كل حاجة. من غير ما يضيّع ثانية، طلع مفاتيح عربيته ومدّهالي.
خد يا أحمد، امشي حالًا! وأنا هخلّص شغل الموقع وأكلمك. يلا، ربنا يستر!
شيلت آدم، وركبته العربية، وانطلقت ناحية البيت وأنا بدوس على البنزين بكل قوتي.
طول الطريق، كنت بحاول أتصل بمنى، لكن تليفونها كان بيرن من غير رد.
وفي كل ثانية كانت بتعدّي، كنت بحس إن قلبي بيتعصر أكتر.
آدم كان قاعد جنبي، بيحاول ياخد نفسه، وفجأة قال
بابا، تيتا قالت إن لوسي لازم تفضل جوّه ساعة كاملة.
بصيت له بسرعة.
ساعة كاملة؟!
هز راسه وهو بيعيط.
أيوه. وقالت إن دي عقوبة عشان بتعيط كتير. وبعدين شغّلت الأغاني بصوت عالي جدًا، عشان ما تسمعش صوت لوسي، ولبست شنطتها وخرجت.
خرجت راحت فين؟!
قالت إنها رايحة تتغدى مع صاحباتها، وإننا ما نفتحش الديب فريزر مهما حصل.
في اللحظة دي، حسيت إني ممكن أفقد عقلي.
واحدة كبيرة، عاشت عمرها كله بتربي أطفال، تعمل جريمة بالشكل ده في طفلة عندها سنتين، وبعدها تخرج تتغدى كأنها رايحة مشوار عادي!
وأنا اللي كنت مسلمها عيالي ومطمن إنها هتحافظ عليهم!
بعد دقائق، وصلنا البيت.
أول حاجة لاحظتها إن عربية حماتي مش موجودة قدام البيت.
باب الجراج كان مفتوح فتحة صغيرة، وأول ما دخلت، ضربتني موجة حر خانقة. المكان كان مكتوم، والهوا واقف، وكل حاجة فيه كانت ساكتة بشكل يخوّف.
وفي آخر الجراج، شفت الديب فريزر الأفقي القديم اللي عندنا.
كان بقاله شهور مفصول عن الكهرباء، وكنا سايبينه هناك لحد ما نقرر نبيعه أو نتخلص منه.
لكن اللي خلّى قلبي يقع في رجلي، هو القفل الحديد اللي كان راكب في الغطا.
نفس القفل اللي أنا بنفسي كنت مركّبه من فترة، عشان أمنع العيال من اللعب في الديب فريزر أو محاولة فتحه.
قربت منه بخطوات متلخبطة، وإيدي كانت بتترعش.
لوسي! يا حبيبتي! لوسي، بابا هنا! سامعاني يا روحي؟!
مافيش أي رد.
ناديّت تاني، المرة دي بصوت أعلى
لوسي! يا بنتي، ردي على بابا!
ولا صوت.
آدم مسك في بنطلوني، وضغط عليه بإيده الصغيرة.
بابا، هي كانت بتخبط على الغطا قبل ما نمشي.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
قربت من الديب فريزر، وحطيت ودني على الغطا المعدني، وأنا بحاول أسمع أي صوت من جوّه.
ثواني عدّت…
ثواني طويلة، كأنها ساعات.
ما سمعتش أي حاجة.
لا عياط، ولا حركة، ولا حتى صوت نفس.
وبعدين، فجأة…
خبطتين صغيرتين جدًا جُم من جوّه الديب فريزر.
اتجمدت مكاني.
رفعت