وصلت للمحطه
وصلت المحطة بدري أوي، فدخلت محل ورد عشان أضيّع شوية وقت وهناك شفت جوزي بيشتري بوكيه ضخم من الورد الأبيض.
الصبح كان قايلي
النهارده عندي شغل برّه، ومش هقدر أروح معاكي.
ما عملتش خناقة، ولا حتى واجهته.
اشتريت ست وردات، ومشيت وراه من بعيد.
لكن لما عرفت هو رايح بالورد ده لمين
فهمت إن جوزي كان مخبي عني سر بقاله شهور، وسر أسوأ بكتير من مجرد ست تانية في حياته.
الجزء الأول
النهارده مش هقدر أروح معاكي العزا. عندي شغل في موقع برّه البلد، ولو ما روحتش ممكن أخسر الشغل.
دي كانت الجملة اللي قالها حسام لمراته نادية وهما قاعدين بيتعشوا في صمت، بعد كام ساعة بس من اللحظة اللي عرفت فيها إن خالتها سعاد ماتت.
نادية ما جادلتوش.
كانت متجوزاه بقالها سبعة وعشرين سنة، واتعودت على شغله ومواعيده اللي عمرها ما كانت ثابتة.
حسام كان مهندس تشطيبات ومشرف على مواقع، وساعات كان يروح من القاهرة للعاشر من رمضان، ومن أكتوبر للشيخ زايد، وممكن يبات برّه البيت لو حصلت مشكلة في موقع.
العزا كان تاني يوم في قرية صغيرة جنب طنطا، المكان اللي كانت لسه عايشة فيه عيلة نادية الكبيرة.
ما تقلقش، أنا هروح لوحدي.
قالتها بهدوء، وكملت أكلها كأن الموضوع خلص.
لكن في نص الليل، نادية صحيت على صوت الدولاب بيتفتح.
فتحت عينيها لقت حسام واقف قدام الدولاب، وبيطلع أحسن بدلة عنده.
مش الجاكيت التقيل اللي بينزل بيه المواقع.
ومش الجزمة اللي دايمًا بيكون عليها تراب وأسمنت.
كان بيطلع البدلة السودا اللي ما بيلبسهاش غير في الأفراح والمناسبات المهمة.
بصت له باستغراب وقالت
إنت هتروح موقع شغل بالبدلة دي؟
حسام اتجمد مكانه لحظة.
وبعدين قال بسرعة
عندي مقابلة مع كام عميل قبل ما أروح الموقع. يعني مش هينفع أروح لهم وأنا شكلي كده.
نادية هزت راسها.
التبرير كان منطقي
على الأقل وقتها.
لحد تاني يوم الصبح.
نادية وصلت محطة رمسيس بدري أوي.
كان فاضل تقريبًا ساعة على القطر، والجو كان ساقعة، فقررت تدخل محل ورد صغير قدام المحطة تستنى جواه بدل ما تفضل واقفة في الشارع.
دخلت
وبعد ثواني، جسمها كله اتشد مكانه.
حسام.
جوزها.
واقف قدامها، بنفس البدلة السودا اللي شافته بيطلعها بالليل.
وفي إيده بوكيه ضخم من الورد الأبيض.
مش وردتين تلاتة.
ده كان حوالي تلاتين وردة، متغلفين بطريقة شيك، ومعاهم شوية خضرة وزينة.
نادية بسرعة استخبت ورا رف كبير عليه نباتات زينة.
وسمعت صوت البائعة وهي بتسأله بابتسامة
تحب أغير لك التغليف ولا كده كويس؟
حسام بص للورد وقال
لا، خليه كده أنا هسافر بيه ومش عايزه يبوظ في الطريق.
البنت ابتسمت وقالت
واضح إنه لحد غالي عليك أوي.
حسام سكت لحظة، وبعدين بص للورد وقال بصوت هادي
غالي أوي.
نادية حسّت إن نفسها اتقطع.
غالي أوي؟
بعد سبعة وعشرين سنة جواز؟
مين اللي مستاهلة كل الورد ده؟
وقبل ما تستوعب اللي حصل، شافته بيطلع محفظته.
طلع فلوس كتير.
نادية عرفت الفلوس دي فورًا.
دي كانت الفلوس اللي هما الاتنين حاطينها في ظرف من شهور، عشان يغيروا السخان القديم اللي في البيت.
نفس الفلوس.
حسام دفع تمن الورد، ولما البائعة رجعت له الباقي قال لها
خليه عندك.
نادية اضطرت تمسك في الرف عشان رجليها ما تخونهاش.
وفجأة، كل الحاجات الغريبة اللي حصلت خلال الشهور اللي فاتت بدأت ترجع في دماغها واحدة ورا التانية.
مكالماته الكتير وهو واقف في البلكونة.
السفرات المفاجئة اللي مكنتش بتفهم سببها.
اليومين اللي أخد فيهم إجازة من الشغل ومقالهاش رايح فين.
وتذكرة قطر لقتها بالصدفة في جيب جاكيته من كام أسبوع.
وقتها قال لها
دي قديمة، ومش فاكر جت هنا إزاي.
هي صدقته.
أو أقنعت نفسها إنها صدقته.
لكن دلوقتي
كل حاجة بدأت تاخد شكل تاني.
حسام خرج من محل الورد، ونادية خرجت وراه.
كانت المفروض تواجهه.
توقفه.
تسأله مين الست اللي رايح لها بالورد.
لكنها ما عملتش حاجة من دي.
كل اللي عملته إنها اشترت ست وردات بيضا من نفس المحل، وخرجت وراه من بعيد.
حسام مشي لحد موقف ميكروباصات.
نادية كانت متوقعة إنه يركب ناحية منطقة معينة، أو يروح لعنوان مش عارفاه.
لكن قبل ما يركب، وقفت قدام الميكروباص وشافت اللافتة المكتوبة عليه
طنطا البلد القديمة المدافن.
قلب نادية دق بعنف.
المدافن؟!
ده نفس المكان اللي هي رايحة له.
المقابر اللي هتتدفن فيها خالتها سعاد.
نفس القرية.
نفس اليوم.
نادية حسّت ببرودة في جسمها.
مين الست اللي جوزها رايح لها عند المقابر ومعاه بوكيه بالمنظر ده؟
هل دي واحدة تانية؟
هل كان متجوز عليها؟
هل بقاله شهور بيقابلها من وراها؟
ولا الموضوع أكبر من كده؟
من غير ما تفكر، سابت تذكرة القطر في إيدها وركبت نفس الميكروباص.
قعدت في آخر كرسي، ولفت الطرحة حوالين وشها بحيث تخبي ملامحها.
حسام ما خدش باله منها.
طول الطريق كان قاعد قدام، حاضن بوكيه الورد بإيديه، وكأنه شايل حاجة أغلى من الدنيا كلها.
ونادية كانت بتبص على ضهره من بعيد، ودموعها واقفة في عينيها.
كل اللي كانت بتفكر فيه
سبعة وعشرين سنة وفي الآخر هعرف الحقيقة بالطريقة دي؟
لكن أول ما وصلوا البلد، ونادية نزلت وراه عند المدافن
شافت حاجة خلتها تتسمّر مكانها.
عند باب جانبي بعيد عن مدخل المقابر الرئيسي، كان في حد واقف مستني حسام.
حد نادية تعرفه كويس.
وحد مستحيل كانت تتوقع تشوفه هناك.
ولا قصة ست تانية.
ولا حتى علاقة مستخبية بقالها كام شهر.
حسام كان مخبي عنها سر بقاله سنين
والأخطر من كده إن عيلتها نفسها كانت عارفة السر ده من أكتر من عشرين سنة.
لكن اللي حصل قدام تابوت خالتها سعاد في اليوم ده
كان كفيل يقلب حياة