في فرح طليقي بنتي سمعت مراته الجديدة وهي بتقول لحفيدتي الصغيرة اللي عندها خمس سنين: “إنتي لازم تفهمي حاجة… إنتي مبقتيش أهم بنت في حياة باباكي خلاص… وكمان متدخليش في صور العيلة.” ساعتها ما قلتش ولا كلمة. لكن أول ما الفرح بدأ والناس قعدت على الترابيزات وبدأت الكلمات والتهاني، قومت بالراحة ورفعت كوباية العصير في إيدي وقلت كلمتين خلّوا القاعة كلها تسكت. ولحد ما وصلت لسن الـ68 كنت فقدت أهم اتنين ستات في حياتي. مراتي ماتت بعد 37 سنة جواز. وبعدها بثلاث سنين بس فقدت بنتي الوحيدة “نورا” في حادثة عربية. نورا سابت وراها جوزها “حسام” وبنتهم الصغيرة “ليلى” اللي كان عندها وقتها سنتين بس. حسام في البداية كان مجرد جوز بنتي. لكن مع مرور السنين بقى أقرب ما يكون لابن عمري ما كان عندي. وبعد وفاة نورا علاقتنا ببعض بقت أقوى. وليلى بقت محور حياتنا إحنا الاتنين. كنا بنعمل كل اللي نقدر عليه عشان البنت الصغيرة دي عمرها ما تحس إنها لوحدها أو إن حب أمها ليها اختفى بموتها. لما حسام كان بيحتاج مساعدة كنت باخد ليلى عندي. كنت بروح أجيبها من الحضانة. وكانت بتبات عندي الويك إند. وكنت دايمًا حريص إنها تكبر وهي عارفة أمها كويس. كنت بطلع لها صور نورا. وأحكيلها عنها. وأفتكر معاها ضحكتها وطيبتها وكل التفاصيل الصغيرة اللي كانت بتخلي نورا مختلفة. وكنت دايمًا أقول لها إن أمها كانت بتحبها أكتر من أي حاجة في الدنيا. وعشان كده لما حسام قالي في يوم إنه اتعرف على واحدة جديدة، أنا ما زعلتش. ما اعتبرتش إنه لما يحب واحدة تانية يبقى نسي نورا. حسام كان لسه صغير. وكان من حقه يعيش حياته. ومن حقه يلاقي حد يشاركه باقي عمره. اسمها كان “رانيا”. وفي البداية كانت باينة ست محترمة وهادية. والأهم من ده كله إن ليلى كانت مرتاحة معاها. وده كان أهم حاجة بالنسبالي. وبعد سنتين حسام اتقدم لها رسمي. ويوم الفرح، ليلى كانت طايرة من الفرحة. كانت لابسة فستان وردي كانت بتتكلم عنه من أسابيع. وكل ما حد يشوفها ويقول لها إن شكلها حلو كانت تلف حوالين نفسها من الفرحة. وكانت تقريبًا بتقول لكل واحد يقابلها: “أنا هطلع في صور فرح بابا!” لما كنت بشوف فرحتها بالشكل ده كنت ببتسم غصب عني. لكن قبل الفرح بشوية اكتشفت إني ما شفتهاش من كام دقيقة. فطلعت أدور عليها. وأنا معدي ناحية الأوضة اللي رانيا وصاحباتها كانوا بيجهزوا فيها، سمعت أصوات من جوه. الباب كان مفتوح سنة صغيرة. وقبل ما أخبط سمعت صوت رانيا. الكلام اللي قالته خلاني أتجمد مكاني. “لازم تفهمي حاجة يا ليلى… إنتي مبقتيش أهم بنت في حياة باباكي خلاص.” اتسمرت في مكاني. ثواني وأنا مش مصدق اللي سمعته. يمكن أذني خانتني. يمكن فهمت غلط. لكن رانيا كملت. “وكمان خليكي بعيدة عن صور العيلة.” ما قدرتش أتحرك. وبعد لحظات الباب اتفتح. خرجت ليلى. كانت عينيها مليانة دموع. كتافها الصغيرة كانت نازلة لتحت. والفرحة اللي كانت مالية وشها طول الصبح اختفت كأن حد طفاها في لحظة. ماخدتش بالها مني في الأول. مشت كام خطوة وهي ساكتة، وبعدين راحت قعدت على كرسي قريب وبصت في الأرض. وقتها فهمت كل حاجة. روحت لها وقعدت على ركبتي قدامها. وقلت لها بهدوء: “مالك يا حبيبتي؟” بصتلي. النظرة اللي في عينيها وجعتني أكتر من أي كلام. حضنتها. ودفنت وشها في صدري. أنا ما طلبتش منها تحكيلي رانيا قالت لها إيه. ما كنتش محتاج. فضلت حضنها لحد ما نفسها هدي ودموعها نشفت. جوايا كان في صوت بيصرخ. كنت عايز أدخل على رانيا وأواجهها. كنت عايز أسألها إزاي ست كبيرة تقول لطفلة عندها خمس سنين إنها مبقتش مهمة في حياة أبوها. لكن الموضوع ما كانش عن غضبي أنا. ليلى كانت اتوجعت كفاية. وآخر حاجة كانت محتاجاها إني أعمل خناقة قدام الناس قبل فرح أبوها بدقايق. فاخدت قرار. هستنى. الفرح بدأ. قعدت مكاني بهدوء. كل ما ليلى تبصلي كنت أبتسم لها. ولما حسام وقف جنب رانيا واتكتب كتابهم، فضلت ساكت. ولا حد كان ممكن يعرف إن في حاجة حصلت. ورانيا نفسها كانت بتبتسم كأن الدنيا كلها تمام. بعد كده جه وقت الصور. وقفت أراقب من بعيد. ليلى كانت واقفة على جنب ولسه جواها أمل إن يمكن رانيا ما كانتش تقصد اللي قالته. لكن أول ما المصور بدأ يرتب الناس عشان صور العيلة، شفت رانيا بتقرب منها وبتبعدها بهدوء. ليلى رجعت ووقفت جنبي. حطيت إيدي على كتفها. وما قلتش حاجة. لسه. بعدها بدأ الفرح الحقيقي. الأكل اتقدم. والناس بدأت تضحك. والتهاني بقت من كل ناحية. ورانيا كانت قاعدة جنب حسام بفستانها وبتستقبل التهاني وهي مبتسمة. ولا حد من الموجودين كان يعرف هي قالت إيه لابنة جوزها قبل الفرح بساعتين. وبعد شوية بدأت الكلمات. واحد من قرايب حسام قام قال كلمتين. وصاحبه حكى موقف مضحك. والناس ضحكت ورفعت الكوبايات. وبعدين حصل هدوء بسيط. وساعتها أنا قومت. مسكت الكوباية في إيدي. حسام أول ما شافني ابتسم. ورانيا ابتسمت هي كمان. واضح إنها كانت متوقعة إني هقول كلام حلو عن بداية حياتهم الجديدة. كلام عن الحب والعيلة. لكن أنا بصيت على كل الموجودين. وبعدين بصيت ناحية ليلى. كانت قاعدة ساكتة على الكرسي، وفستانها الوردي ظاهر من تحت الترابيزة. وبعدها بصيت ناحية رانيا. ورفعت الكوباية وقلت: “للعيلة…” ابتسامتها كبرت. لكن كملت: “للعيلة اللي بنختار نحميها… خصوصًا لما يكون اللي قدامنا طفل صغير ومش قادر يحمي نفسه.” الضحك اختفى. والكلام انقطع. والقاعة بدأت تسكت واحدة واحدة. رانيا بصتلي باستغراب. وأنا كملت: “ولكل طفل موجود هنا… أتمنى عمره ما يفتكر إن لما أبوه أو أمه يلاقي حد جديد يحبه، ده معناه إن مكانه في القلب اتاخد.” ابتسامة رانيا اختفت تمامًا. حسام بدأ يبص لها. وأنا رفعت الكوباية أكتر وقلت: “لأن الحب مش بيتقسم بالشكل اللي يخلي طفل يحس إنه اتبدل.” الصمت بقى تقيل. وبعدين قلت الجملة اللي خلت وش رانيا يتغير بالكامل: “وأتمنى إن مفيش طفلة عندها خمس سنين تسمع في يوم فرح أبوها إنها مبقتش مهمة كفاية عشان تظهر في صورة العيلة.” القاعة كلها سكتت. #حكايات_صافي_هاني #حصرياً حتى صوت الملاعق اختفى. حسام فضل باصصلي ثواني. وبعدين بص على ليلى. وبعدين لف ببطء ناحية رانيا. رانيا كان وشها شاحب. لكن أنا لسه ما خلصتش. لأن اللي حصل بعدها هو اللي خلّى حسام يقوم من مكانه فجأة… باقي القصه موجو علي الصفحة دي👈🏻 عالم السطور 👉🏽 اضغط وهاتلاقي القصه كامله هناك. وماتنساش تعملي متابعه عشان يوصلك كل جديد ♥♥♥♥♥ @أبرز المعجبين #حكايات_صافي_هاني #حصرياً حسام قام من مكانه فجأة. الكرسي اتحرك ورا ضهره بصوت واضح خلى كل اللي قاعدين يبصوا عليه. ما اتكلمش في الأول. فضل واقف وهو باصص لرانيا كأنه مستني منها تقول أي حاجة تنفي اللي سمعه. رانيا حاولت تبتسم. قالت بسرعة: “هو إنت فاهم إيه؟” حسام ما ردش عليها. بص لليلى. ليلى كانت قاعدة مكانها ومش رافعة عينها من الأرض. راح ناحيتها بخطوات بطيئة. قعد على ركبته قدامها. وقال: “ليلى… بصيلي يا حبيبتي.” البنت رفعت عينيها. حسام شاف الدموع اللي كانت محبوسة فيها. سألها: “رانيا قالتلك إيه؟” ليلى هزت راسها بسرعة. “مفيش.” “متخبيش عني.” سكتت. وبعدين بصت ناحيتي. أنا ما اتكلمتش. ما كنتش عايز أضغط عليها. حسام فهم. مسك إيديها الصغيرة وقال: “أنا أبوكي… ومهما حصل تقدري تقوليلي كل حاجة.” ليلى بلعت ريقها. وقالت بصوت ضعيف: “هي قالتلي إني مبقتش أهم بنت في حياتك.” وش حسام اتغير. ليلى كملت: “وقالتلي إني ما أقفش في صور العيلة.” رانيا قامت بسرعة. “حسام أنا كنت بس بحاول أفهمها إن الأمور هتتغير بعد الجواز.” لف لها. وقال بهدوء مخيف: “تتغير إزاي؟” رانيا قالت: “يعني طبيعي يبقى ليا مكان في حياتك.” “ومين قال إن مكانك لازم يتبني على حساب بنتي؟” ما ردتش. حسام رجع يبص لليلى. ومسح دمعة نزلت على خدها. “إنتي أهم بنت في حياتي من أول يوم جيتي فيه الدنيا.” رانيا حاولت تقاطعه: “أنا ما قصدتش كده.” حسام رفع إيده. “استني.” أول مرة أشوفه بيتكلم معاها بالطريقة دي. قال: “إنتي كنتي عارفة إن ليلى جزء من حياتي من أول يوم عرفتك فيه.” رانيا سكتت. “وكنت عارفة إنها مش ضيفة عندي.” سكت لحظة. “دي بنتي.” القاعة كلها كانت ساكتة. أنا قعدت مكاني. ما كانش عندي رغبة أشوف رانيا مكسورة ولا أفرح بإحراجها. كل اللي كنت عايزه إن حفيدتي تعرف إن الكلام اللي سمعته مش حقيقة. حسام قرب من ليلى. وقال: “وبعدين إنتي مش بس بنتي.” ابتسم لها رغم إن عينه كانت مليانة دموع. “إنتي آخر حاجة فاضلة لي من ماماكي.” ليلى رمت نفسها في حضنه. وحسام حضنها جامد. المشهد كله قلب في لحظة. الناس اللي كانوا جايين يفرحوا بقوا ساكتين. بعضهم نزل عينه. وبعضهم كان بيبص على رانيا باستغراب. لكن رانيا فجأة قالت: “أنا مش غلطانة لو حسيت إني مش واخدة حقي.” حسام بعد ليلى عنه وبصلها. “حقك في إيه؟” “حق إني أبقى زوجتك.” “وإنتي بقيتي زوجتي.” “لا… إنت طول الوقت عايش لنورا وليلى.” الجملة دي وقعت على القاعة كأنها حجر. حسام اتجمد. وأنا لأول مرة حسيت إن الموضوع مش مجرد كلمة قالتها لطفلة. كان في حاجة أعمق. رانيا كملت: “كل مكان في البيت فيه صور نورا.” “كل مناسبة بتتكلم عنها.” “كل شوية تروح لأبوها.” “وكل ما نخرج مع بعض لازم ليلى تكون موجودة.” حسام فضل ساكت. رانيا قالت: “أنا حاسة إني داخلة حياة متقفلة أصلًا.” ساعتها قلت: “يا رانيا…” كل الناس بصتلي. قلت بهدوء: “إنتي ما دخلتيش حياة فاضية عشان تمليها.” “إنتي دخلتي حياة فيها بنت فقدت أمها وهي صغيرة.” “وفي أب فقد مراته ولسه بيحاول يربي بنتهم.” “وفي جد فقد بنته الوحيدة.” سكت لحظة. “إحنا مش منافسين ليكي.” رانيا بصتلي. قلت: “نورا مش واحدة موجودة عشان تاخد مكانك.” “نورا ماتت.” صوتي اتهز رغم إني حاولت أتماسك. “بس بنتها لسه عايشة.” ليلى كانت بتبصلي. “ولو بتحبي حسام بجد… لازم تحبي الجزء اللي لسه عايش من حياته.” رانيا ما ردتش. لكن واحدة من قرايبها قالت: “بس يا جماعة يمكن الكلام اتفهم غلط.” حسام بص لها. “أنا كنت هعديها لو الموضوع بيني وبينها.” وبعدين أشار ناحية ليلى. “لكن لما الموضوع يوصل لبنتي… لأ.” سكت. ثم قال: “أنا مستحيل أتجوز على حساب أمان بنتي.” رانيا اتوترت. “يعني إيه؟” حسام ما ردش فورًا. بص لي. وبعدين بص لليلى. وقال: “يعني الفرح النهارده انتهى.” صوت شهقة طلع من كذا حد. رانيا قالت: “إنت مجنون؟” “لا.” “قدام كل الناس؟” “أيوه.” “إنت هتعمل فيا كده بعد كل اللي حصل؟” حسام قال: “أنا اللي غلطت.” رانيا سكتت. “غلطت لما افتكرت إن الحب لوحده كفاية.” وبص لليلى. “أنا كان لازم أتأكد إن الشخص اللي هيدخل حياتنا يقدر يحافظ على قلب بنتي.” رانيا بدأت تبكي. “بس أنا بحبك.” حسام قال: “ممكن.” “وأنا بحبك.” “لكن الحب مش معناه إننا نكسر طفل عشان نثبت لبعض إننا بنحب بعض.” الصمت كان كامل. وبعدين حسام قال: “أنا آسف.” رانيا بصتله. “آسف على إيه؟” “على إني كملت في العلاقة قبل ما أتأكد إنك فاهمة إن ليلى مش مرحلة وهتعدي.” رانيا قعدت على الكرسي. إيديها كانت بتترعش. وأنا كنت حاسس إن اللي بيحصل أكبر من مجرد فرح اتلغى. ده كان مستقبل بيت كامل بيتحدد قدامنا. بعد دقائق بدأت الناس تمشي. بعضهم سلم على حسام. بعضهم حاول يواسي رانيا. لكن حسام ما كانش بيرد غير بكلمة واحدة: “حقكم عليا.” أما أنا فأخدت ليلى ومشيت بيها بعيد عن الزحمة. خرجنا لحد الجنينة اللي جنب القاعة. قعدنا على كرسي خشب. ليلى كانت ساكتة. فضلت أبص لها. وبعدين سألتها: “زعلانة؟” هزت راسها. “أنا كنت عايزة بابا يفرح.” قلت: “وهو هيفرح.” “بس الفرح باظ.” “الفرح حفلة يا ليلى.” بصتلي. قلت: “العيلة هي اللي بتكمل.” سكتت شوية. وبعدين قالت: “جدو… هي مش بتحبني؟” السؤال ده وجعني. قربتها مني. وقلت: “مش مهم هي بتحبك ولا لأ.” “المهم إنك تعرفي إنك محبوبة.” “بابا بيحبك.” “وأنا بحبك.” “وماما نورا لو كانت موجودة كانت هتحضنك لحد ما تنامي.” ليلى ابتسمت ابتسامة صغيرة. وقالت: “أنا فاكرة صورتها.” قلت: “أكيد.” “هي كانت جميلة.” ضحكت. “أيوه كانت جميلة.” “وأنا شبهها؟” مسكت وشها. “إنتي نسخة صغيرة منها.” ضحكت. وبعدين سألتني: “جدو… بابا هيزعل مني؟” “بابا عمره ما هيزعل منك عشان اللي حصل.” “هو هيتجوز تاني؟” السؤال كان أكبر من سنها. قلت: “لما تكبري هتفهمي إن الكبار ساعات بيحتاجوا وقت عشان يعرفوا يعملوا الصح.” “يعني ممكن يحب واحدة تانية؟” “ممكن.” “بس هفضل أنا بنته؟” “طبعًا.” قالتها وهي بتتنفس براحة: “خلاص.” في اللحظة دي حسام خرج من القاعة. كان شكله مرهق. قعد جنبنا. فضل ساكت شوية. وبعدين قال: “أنا آسف يا بنتي.” ليلى بصتله. “إنت زعلان؟” “من نفسي آه.” “بسببي؟” حسام هز راسه. “لأ.” وبعدين حضنها. “أنا زعلان إني ما خدتش بالي من بدري.” ليلى حطت إيديها حوالين رقبته. “أنا كنت خايفة أقولك.” “ليه؟” “عشان كنت عايزاك تفرح.” حسام غمض عينه. وقال: “أنا ممكن أعمل ألف فرح وألف حفلة.” “لكن لو إنتي مش مبسوطة… مفيش حاجة تستاهل.” بصيت له. كان جوايا إحساس غريب. من يوم وفاة نورا وأنا دايمًا خايف إن حسام في يوم يتغير. إن الحياة تاخده بعيد. إن ليلى تكبر وتنسى. لكن اللي حصل النهارده خلاني أفهم حاجة. أحيانًا الإنسان بيتأخر في اكتشاف الناس. لكن ده مش معناه إن الوقت فات. حسام قام. وقال: “يلا نرجع.” سألته: “هنروح فين؟” قال: “على البيت.” رانيا كانت لسه جوه. لكن إحنا مشينا. في العربية كانت ليلى قاعدة في النص بيني وبين أبوها. وهي ماسكة إيد حسام بإيد. وإيدي بالإيد التانية. ولا واحد فينا اتكلم. بعد حوالي عشر دقايق قالت: “بابا؟” “نعم؟” “أنا ممكن أطلب طلب؟” “اطلبي اللي إنتي عايزاه.” “عايزة نروح عند جدو.” ضحكت. “إحنا أصلًا رايحين.” قالت: “وعايزة أنام هناك.” حسام بصلي في المراية. قلت له: “خليها عندي.” قال: “أكيد.” وصلنا بيتي. طلعت ليلى تجري على أوضتها القديمة. الأوضة اللي كانت فيها كل مرة تيجي عندي. فتحت الدولاب. طلعت بيجامتها. وبعدين رجعت وهي شايلة صورة لنورا. حطتها على الترابيزة. وقالت: “ماما كانت هتزعل من اللي حصل.” بصيت للصورة. وقلت: “مامتك كانت هتحاول تصلح الدنيا.” ليلى قالت: “إزاي؟” قلت: “كانت هتقول إن البيت ما ينفعش يبقى فيه حرب.” ضحكت. “ماما كانت طيبة.” قلت: “أوي.” في الليلة دي ليلى نامت جنبي. فضلت أبص لها وهي نايمة. وشها رجع هادي. كأن الساعات اللي فاتت ما حصلتش. لكن أنا ما قدرتش أنام. فضلت أفكر في حسام. وفي رانيا. وفي نورا. وفي اليوم اللي فقدنا فيه بنتي. فاكر اليوم ده كأنه امبارح. فاكر صوت التليفون. فاكر المستشفى. فاكر حسام وهو واقف في الممر ومش قادر يستوعب. فاكر أول مرة شال ليلى بعد وفاة أمها. البنت كانت عندها سنتين. وما كانتش فاهمة ليه ماما مش هترجع. حسام وقتها كان محطم. وأنا كنت محطم. لكن كنا بنضحك قدامها عشان ما تخافش. مرت السنين. ليلى كبرت. وبقت تعرف إن ماما مش موجودة. لكن عمرها ما كانت محرومة من ذكراها. وده كان الشيء الوحيد اللي كنت حريص عليه. في الصبح صحيت على صوت ليلى. كانت واقفة عند الباب. “جدو.” “صباح الخير.” “أنا جعانة.” ضحكت. “دي أهم مشكلة عندك دلوقتي؟” قالت: “أيوه.” عملتلها الفطار. وبعد شوية حسام وصل. دخل المطبخ. وقال: “صباح الخير.” ليلى جريت عليه. “بابا.” حضنها. وبعدين قعد. كان ساكت. قلت: “إنت عامل إيه؟” قال: “اتكلمت مع رانيا.” سكت. “وقالت إيه؟” “اعترفت.” “بإيه؟” “إنها قالت الكلام ده فعلًا.” ليلى كانت بتاكل. حسام كمل: “وقالت إنها كانت غاضبة.” سألته: “وهتعمل إيه؟” قال: “مش عارف.” سكت لحظة. وبعدين قال: “هي طلبت فرصة.” بصيت له. “والقرار قرارك.” قال: “أنا مش عايز أظلمها.” قلت: “ولا تظلم بنتك.” “عارف.” “ولا تظلم نفسك.” هز راسه. “عارف.” ثم قال: “بس أنا خايف.” “من إيه؟” “إن ليلى تكبر وتفتكر إني اخترت زوجتي عليها.” بصيت له. “يبقى ما تعملش حاجة تخليها تفتكر كده.” سكت. بعد يومين حسام أخد قرار إنه يبعد عن رانيا فترة. مش طلاق. ومش رجوع. فترة يفكر فيها. رانيا وافقت. لكنها طلبت تقابل ليلى. حسام رفض في الأول. لكن ليلى نفسها قالت إنها عايزة تشوفها. اتفقوا إن المقابلة تكون عندي. رانيا وصلت العصر. كانت لابسة بسيط. من غير مكياج تقريبًا. دخلت وقعدت. ليلى كانت واقفة ورايا. رانيا بصت لها. وقالت: “أنا عايزة أقولك حاجة.” ليلى ما ردتش. رانيا قربت منها. لكنها وقفت على مسافة. وقالت: “أنا غلطت.” ليلى بصت لها. “غلطتي ليه؟” رانيا دمعت. “عشان كنت خايفة.” “من إيه؟” “كنت خايفة إن باباكي يحبني أقل.” ليلى قالت: “بس بابا بيحبني أنا.” رانيا ابتسمت بحزن. “عارفة.” “وماما ماتت.” “عارفة.” “ومش هتكوني مكانها.” رانيا نزلت عينيها. “عارفة.” ليلى سألت: “طيب ليه قولتيلي إني مش مهمة؟” رانيا ما عرفت ترد. فضلت ساكتة. وبعدين قالت: “عشان أنا كنت أنانية.” ليلى قالت: “يعني إنتي مش بتحبيني؟” رانيا دمعت أكتر. “أنا ما عرفتش أحبك بالطريقة الصح.” ليلى بصتلي. أنا ما تدخلتش. رانيا قالت: “بس لو رجعت لحياة باباكي… هحاول.” ليلى سألت: “هتحاولِي إيه؟” “أكون ست كويسة ليكي.” ليلى سكتت. وبعدين قالت: “بس أنا مش عايزاكي تاخدي مكان ماما.” رانيا هزت راسها. “ولا أنا عايزة أخد مكانها.” “ولا مكان جدو.” ضحكت رانيا وسط دموعها. “ولا مكان جدو.” بصيت لليلى. قالت: “هو مهم جدًا.” ضحكت. قلت: “أهو اتعلمتي.” بعدها خرجت رانيا. حسام كان مستنيها بره. ما عرفتش اتكلموا في إيه. لكن بعدها بأسبوع حسام قال لي: “أنا هديها فرصة.” قلت: “بس بشرط.” “إيه؟” “الفرصة مش معناها إن ليلى هتتحط على الرف.” قال: “عارف.” “ولو كررت نفس الكلام؟” قال: “مش هسمح.” الأيام عدت. رجع حسام ورانيا يتكلموا. لكن المرة دي الأمور كانت مختلفة. رانيا بدأت تيجي بيتنا. في البداية كانت متوترة. وليلى كانت متحفظة. لكن الأطفال عندهم قدرة غريبة على فتح الأبواب اللي الكبار بيقفوا قدامها سنين. في يوم كانت ليلى بتعمل رسمة. رانيا سألتها: “دي مين؟” قالت: “دي ماما.” رانيا بصت للرسمة. كانت نورا مرسومة بفستان أزرق. رانيا قالت: “جميلة.” ليلى قالت: “ماما كانت بتحب الأزرق.” رانيا قالت: “وأنا بحب الأصفر.” ليلى ضحكت. “أنا بحب الوردي.” ومن هنا بدأ الكلام. ألوان. أكل. مدرسة. ألعاب. حاجات بسيطة. لكنها كانت بتبني حاجة جديدة. بعد شهور حسام ورانيا قرروا يتجوزوا من جديد. المرة دي ما كانش في قاعة ضخمة. كان احتفال صغير. وأول حاجة عملها حسام إنه اشترى فستان لليلى. قال لها: “إنتي هتكوني معايا.” ليلى سألته: “في الصور؟” حسام حضنها. “في كل الصور.” يوم الفرح الصغير ده، رانيا بنفسها نادت المصور. وقالت: “ممكن صورة لينا كلنا؟” وقفت جنب حسام. وحسام حط إيده على كتف ليلى. وأنا وقفت جنبهم. المصور قال: “ابتسموا.” ليلى ضحكت. وفي اللحظة دي حسيت بحاجة غريبة. الصورة دي كان فيها أربعة أشخاص. لكن في القلب كان فيه مكان خامس. مكان لنورا. مش ظاهر في الصورة. لكن موجود. بعد الفرح بفترة، رانيا بدأت تسألني عن نورا. عن طفولتها. عن أكلها المفضل. عن حاجات كانت بتحبها. في الأول استغربت. وبعدين فهمت. هي كانت بتحاول تعرف المرأة اللي سبقتها في حياة حسام. مش عشان تنافسها. لكن عشان تفهم ليه ذكراها مهمة. وفي يوم سألتني: “ممكن أشوف صور نورا؟” طلعت لها الألبوم. قعدت تتفرج. كل شوية تسألني: “دي كانت فين؟” “دي كانت كام سنة؟” “كانت بتحب إيه؟” “كانت بتضحك كده دايمًا؟” ضحكت. “آه.” رانيا قالت: “أنا فهمت دلوقتي.” “إيه؟” “ليه ليلى بتحبها بالشكل ده.” قلت: “نورا كانت بنتي.” قالت: “وعارفة.” وبعدين بصت للصورة. “بس كانت كمان أم كويسة.” قلت: “كانت أحسن أم.” رانيا ابتسمت. “يبقى أنا عندي مسؤولية كبيرة.” قلت: “مش إنك تبقي زيها.” بصتلي. “إنتي تبقي رانيا.” “وتحبي ليلى بطريقتك.” هزت راسها. ومن يومها العلاقة اتغيرت. رانيا ما حاولتش تبقى أم ليلى. ولا حاولت تمسح نورا. بالعكس. بقت أحيانًا تشتري لليلى حاجة وتقول: “ماماكي كانت بتحب اللون ده؟” ولو ليلى قالت لأ، تضحك. وفي عيد ميلاد ليلى السادس، حصل موقف عمري ما هنساها. رانيا كانت مجهزة مفاجأة. جابت صورة كبيرة لنورا وهي صغيرة. وحطتها في مكان واضح. ليلى أول ما شافتها جريت عليها. وقالت: “ماما!” وبعدين بصت لرانيا. “إنتي اللي عملتي ده؟” رانيا قالت: “أيوه.” ليلى حضنتها. وقالت: “شكرًا.” رانيا عيطت. وأنا وقفت بعيد. ما حبيتش أقطع اللحظة. بعدها ليلى جتلي. وقالت: “جدو.” “نعم؟” “رانيا بتحب ماما.” قلت: “أيوه.” قالت: “وبتحبني.” قلت: “أيوه.” سكتت شوية. وبعدين قالت: “يبقى خلاص.” “خلاص إيه؟” “نبقى عيلة.” الجملة دي فضلت في دماغي سنين. لأنها كانت أبسط تعريف للعيلة سمعته في حياتي. العيلة مش دايمًا ناس مولودين لبعض. العيلة أحيانًا ناس بيختاروا يحافظوا على بعض. مرت السنين. ليلى كبرت. بقت عندها عشر سنين. وبعدين خمستاشر. وبعدين بقت في الجامعة. ورانيا فضلت موجودة. حسام كان أب. وأنا كنت الجد اللي بيروح المناسبات كلها حتى لو ما حدش دعاه. وفي يوم تخرج ليلى من الجامعة، وقفت على المسرح. وأول ما نادوا اسمها، بصت لنا. كان حسام واقف. ورانيا جنبه. وأنا في الصف الأول. رفعت إيدي لها. ابتسمت. بعد الحفل رجعت علينا. حضنتني. وقالت: “جدو.” “نعم؟” “فاكر يوم فرح بابا؟” ضحكت. “أنساه إزاي؟” قالت: “أنا فاكرة كل حاجة.” قلبي اتقبض. “فاكرة؟” “آه.” “بس إنتي كنتي صغيرة.” “مش فاكرة كل الكلام.” وبعدين قالت: “بس فاكرة إني كنت خايفة.” سكت. قالت: “وفاكرة إنك كنت ماسك إيدي.” ابتسمت. “وإنتي ما سبتينيش.” قلت: “ولا هسيبك.” قالت: “حتى لو كبرت؟” ضحكت. “خصوصًا لو كبرتي.” وبعدين حضنتني. رانيا كانت واقفة بعيد. قربت. وقالت: “وأنا؟” ليلى ضحكت. “إنتي كمان.” حضنتهم هما الاتنين. وحسام وقف قدامنا وهو بيضحك. وقال: “أنا بقيت برا العيلة ولا إيه؟” ليلى جريت عليه. “إنت كبير العيلة.” ضحك. لكن الحياة مش دايمًا بتسيب الناس على حالهم. بعد تخرج ليلى بسنتين، حسام تعب. في البداية كانت مجرد أزمة بسيطة. وبعدين اكتشفنا إنه محتاج عملية. الأيام دي رجعتني لأيام نورا. المستشفى. الانتظار. الخوف. لكن المرة دي كنا كلنا مع بعض. رانيا ما سابتش حسام. وليلى كانت بتروح المستشفى كل يوم. وأنا كنت بقعد في الممر. في ليلة طويلة، حسام كان داخل غرفة العمليات. ليلى كانت قاعدة جنبي. قالت: “جدو.” “نعم؟” “أنا خايفة.” مسكت إيدها. “وأنا كمان.” “بس إنت دايمًا بتقول لي ما أخافش.” “عشان الشجاعة مش معناها إنك ما تخافيش.” بصتلي. “أمال معناها إيه؟” قلت: “إنك تفضلي واقفة حتى وإنتي خايفة.” هزت راسها. بعد ساعات خرج الدكتور. قال إن العملية نجحت. رانيا وقعت من شدة الارتياح. ليلى بكت. وأنا قعدت على الكرسي. لأول مرة من سنين حسيت إني تعبت. تعب العمر كله. بعد ما حسام فاق، أول شخص طلب يشوفه كان ليلى. قال: “فين بنتي؟” دخلت له. وبعدين قال: “فين أبو نورا؟” دخلت. مسك إيدي. وقال: “أنا مدين لك.” قلت: “على إيه؟” “على إنك ما سيبتنيش.” ضحكت. “إحنا عيلة.” بصلي. “فاكر يوم الفرح؟” قلت: “أيوه.” قال: “أنا لحد دلوقتي لما أفتكر الكلمة اللي قلتها بحس إني كنت غبي.” ضحكت. قال: “لو ما كنتش وقفت وقتها… كان ممكن أخسر ليلى.” قلت: “إنت اللي اخترت الصح.” هز راسه. “إنت اللي فكرتني.” قلت: “أنا كنت خايف عليها.” قال: “وأنا كمان.” وبعدين دخلت رانيا. وقفت عند الباب. حسام ابتسم لها. “تعالي.” قربت. مسك إيدها. وقال: “شكرًا.” رانيا عيطت. “على إيه؟” قال: “على إنك اتعلمتي.” ضحكت وهي بتعيط. “وأنت كمان.” بعد ما خرجنا من المستشفى، رجعنا البيت. وفي أول ليلة حسام نام بدري. رانيا قعدت معايا. قالت: “أنا أوقات بفكر في أول يوم.” قلت: “أي يوم؟” “يوم الفرح الأول.” سكت. قالت: “لو كنت أعرف إن جملة صغيرة هتوجع طفلة بالشكل ده، ما كنتش قلتها.” قلت: “المهم إنك ما فضلتيش عند الغلط.” بصتلي. “إنت عمرك ما كرهتني؟” فكرت شوية. “زعلت منك.” “بس ما كرهتنيش؟” “لأ.” “ليه؟” قلت: “عشان أنا شوفتك بتتغيري.” سكتت. “وأي حد يقدر يغلط.” وبعدين قلت: “الفرق إن في ناس بتدافع عن غلطها.” “وناس بتصلحه.” ابتسمت. قالت: “ليلى محظوظة بيك.” قلت: “وأنا محظوظ بيها.” بعد سنوات، ليلى اتجوزت. وكان يوم مختلف تمامًا عن كل حاجة. ليلى اختارت فستانها بنفسها. وكانت عايزة رانيا تساعدها. أما أنا فكنت واقف عند الباب. بصيت لها وهي بتجهز. كانت كبيرة. مش البنت الصغيرة اللي كانت لابسة فستان وردي في فرح أبوها. وقتها قربت مني. قالت: “جدو.” قلت: “نعم؟” “أنا خايفة.” ضحكت. “من إيه؟” “من الجواز.” قلت: “الخوف طبيعي.” قالت: “بس أنا فرحانة.” قلت: “يبقى خلي فرحتك أكبر من خوفك.” وبعدين مسكت إيدي. وقالت: “عايزاك توعدني بحاجة.” “إيه؟” “إنك تيجي معايا.” قلت: “فين؟” “في كل خطوة.” ضحكت. “أنا بقيت كبير يا بنتي.” قالت: “إنت جدو.” “ودي وظيفة مدى الحياة.” ضحكت. يوم الفرح، قبل ما تدخل القاعة، بصيت حواليا. افتكرت أول فرح. افتكرت رانيا وهي بتبعد ليلى عن الصور. افتكرت الكوباية. افتكرت الصمت. لكن المرة دي كان في صورة كبيرة لنورا عند مدخل القاعة. ليلى هي اللي طلبت تحطها. قالت: “ماما لازم تكون موجودة.” رانيا وافقت. حسام وقف جنب الصورة. حط إيده عليها. وباسها على راسها. وبعدين رجع لنا. قبل بداية الحفل، ليلى قالت: “أنا عايزة صورة.” وقفت. حسام وقف. رانيا وقفت. ليلى وقفت في النص. وقالت للمصور: “استنى.” راحت وجابت صورة نورا. وحطتها جنبنا. وقالت: “دلوقتي.” المصور التقط الصورة. وأنا بصيت للصورة. أربع أشخاص واقفين. وشخص خامس موجود في قلوبهم. بعد الحفل، ليلى قعدت جنبي. قالت: “جدو.” “نعم؟” “إنت فاكر لما رانيا قالتلي ما أدخلش صور العيلة؟” سكت. قالت: “أنا دخلت الصور النهارده.” ضحكت. قلت: “مش بس دخلتيها.” “إنتي بقيتي أهم صورة فيها.” حضنتني. وقالت: “أنا عارفة.” وبعدين همست: “عشان أنا بنت نورا.” قلت: “وعشان إنتي ليلى.” قالت: “وإنت جدو.” قلت: “وأنا جدو.” بعدها بشهور، جه عيد ميلادي. كنت قربت من السبعين. البيت كان مليان. أولادي أحفادي وأقاربنا. ليلى جابتلي هدية. فتحتها. لقيت ألبوم صور. في أول صفحة صورة نورا. وفي الصفحة اللي بعدها صورة ليلى وهي صغيرة. وبعدين صور كتير. صور من طفولتها. من الجامعة. من فرحها. وفي آخر صفحة كانت صورة فرح حسام الأول. الصورة اللي اتصورت قبل ما كل حاجة تحصل. ليلى كانت واقفة على جنب. ورانيا واقفة بعيد. أنا مسكت الصورة. وقلت: “إنتي محتفظة بالصورة دي؟” قالت: “أيوه.” “ليه؟” قالت: “عشان دي اللحظة اللي اتعلمت فيها إن العيلة مش لازم تكون كاملة عشان تفضل عيلة.” بصيت لها. سألتها: “إنتي فاكرة الكلام ده؟” قالت: “أنا فاكرة إحساسه.” وبعدين أضافت: “وفيه حاجة تانية.” “إيه؟” “أنا من يومها فهمت إنك لما تحب حد… ما تسمحش للخوف إنه يخليك تخسره.” سكت. الكلام كان أكبر من سنها. يمكن لأنها كبرت. ويمكن لأن بعض الجروح بتعلم الإنسان بدري. بعدها بسنين، ليلى خلفت بنت. سمتها نورا. يوم ما جابوها لي، مسكتها بين إيديا. كانت صغيرة جدًا. ناعمة. بصيت لليلى. قلت: “سميتيها نورا.” قالت: “طبعًا.” رانيا كانت واقفة جنبها. وشايلة هدية صغيرة. قربت وقالت: “أنا جبتلها حاجة.” فتحت الهدية. كان فيها فستان وردي صغير. بصيت لها. ضحكت. قلت: “وردي؟” قالت: “أصل جدتها كانت بتحب الوردي.” ليلى ضحكت. وقالت: “أنا اللي كنت بحبه.” رانيا ردت: “يبقى بنتك هتلبسه.” حسام دخل في اللحظة دي. وقال: “وأنا؟” ضحكنا. حسام قرب وشال حفيدته. وبص لها. وقال: “أهلًا يا نورا.” سكت لحظة. وعينه لمعت. “أخيرًا رجع اسمك للبيت.” أنا ما قدرتش أتكلم. بصيت للصورة القديمة لنورا. وبعدين بصيت للحفيدة الجديدة. حسيت إن الحياة غريبة. تاخد مننا ناس. وتسيب لنا ناس. توجعنا. وبعدين تدينا فرصة نكمل. بعدها بسنوات، بقيت أضعف. الحركة بقت أصعب. لكن كل جمعة كانت ليلى بتيجي. ومعها بنتها. كانت البنت الصغيرة تجري عليا. وتقول: “جدو الكبير!” أضحك. وأقول: “أنا مش كبير.” فترد: “ماما بتقول إنك كبير.” أقول: “مامتك بتكدب.” فتضحك. وفي مرة قعدت جنب ليلى. كانت بنتها بتلعب قدامنا. قلت لها: “ليلى.” “نعم؟” “فاكرة أول مرة سألتي إذا كنتي لسه مهمة عند باباكي؟” وشها تغير. قالت: “أيوه.” قلت: “إنتي عارفة الإجابة دلوقتي؟” ابتسمت. “أيوه.” “إيه؟” قالت: “إن مكاننا الحقيقي في قلب اللي بيحبنا ما بيتاخدش.” هزيت راسي. قالت: “وإن الإنسان ممكن يدخل حياتنا جديد.” “بس مش لازم يخرج حد منها عشان يدخل.” ابتسمت. قلت: “تعلمتي.” قالت: “منك.” قلت: “ومن مامتك.” سكتنا. وبعدين بصينا ناحية بنتها. قالت: “أنا ساعات بتمنى ماما كانت موجودة.” قلت: “وأنا كمان.” “بس أنا حاسة إنها شايفانا.” قلت: “وأنا كمان.” مرت لحظة هدوء. وبعدين قالت: “جدو.” “نعم؟” “لو في حاجة حصلتلك…” قاطعتها: “ما تفكريش في الكلام ده.” ضحكت. “أنا بس عايزة أقولك حاجة.” “قولي.” “أنا عمري ما نسيت إنك وقفت جنبي.” مسكت إيدي. “في اليوم اللي كنت فيه حاسة إني مش مهمة.” سكت. قالت: “إنت خلتني أعرف إن قيمتي مش بتحددها كلمة حد.” ابتسمت. “دي أهم حاجة.” قالت: “وعدني إنك هتفضل فاكرني.” ضحكت. “أنا اللي محتاج حد يفتكرني.” قالت: “مستحيل.” وبعدين حضنتني. في الليلة دي رجعت أوضتي. فتحت الدرج. طلعت صورة نورا. حطيتها جنب صورة ليلى وهي صغيرة. وبعدين حطيت صورة ليلى وهي كبيرة. وبعدين صورة حفيدتي الصغيرة. ثلاث صور. ثلاث أجيال. وقعدت أبص لهم. وفهمت إن الحياة مش بتقيس عدد السنين اللي عشناها. بتقيس عدد القلوب اللي سيبنا فيها أثر. وفي يوم كنت في بيت حسام. ليلى كانت بتحضر الغدا. ورانيا دخلت المطبخ. قالت لها: “سيبيلي الحاجة دي.” ليلى قالت: “لا.” رانيا ضحكت. “إنتي اتعلمتي الطبخ إمتى؟” “منك.” “أمال ماماكي؟” ليلى سكتت لحظة. وبعدين قالت: “ماما علمتني حاجات تانية.” رانيا ابتسمت. “زي إيه؟” “إن الواحد يفضل طيب.” رانيا بصت لها. “دي أهم حاجة.” أنا كنت واقف عند باب المطبخ. قلت: “وأنا؟” الاتنين بصوا لي. ليلى قالت: “إنت علمتني إن الطيبة مش معناها الضعف.” رانيا قالت: “وإن العيلة محتاجة حد يحارب عشانها.” ضحكت. “أنا بقيت بطل يعني؟” ليلى قالت: “أنت جدو.” قلت: “وده أحسن.” وفي آخر اليوم، قعدنا كلنا على السفرة. حسام. رانيا. ليلى. أنا. والطفلة الصغيرة. كانت بتاكل وبتضحك. وفجأة قالت: “جدو.” “نعم؟” “أنا أهم بنت؟” ضحكت. ليلى بصت لي. رانيا كمان. سألتها: “أهم بنت في إيه؟” قالت: “في العيلة.” سكت لحظة. وبعدين قلت: “إنتي مش محتاجة تكوني أهم واحدة.” بصتلي باستغراب. قلت: “إنتي محتاجة تعرفي إن ليكي مكان محدش يقدر ياخده.” قالت: “حتى لو جه حد جديد؟” بصيت لحسام. وبعدين لرانيا. وبعدين لليلى. وقلت: “حتى لو الدنيا كلها اتغيرت.” ابتسمت. “مكانك يفضل مكانك.” البنت الصغيرة ضحكت. ورجعت تكمل أكل. أما أنا فبصيت حواليّ. افتكرت زوجتي. افتكرت نورا. افتكرت أول فرح. افتكرت الطفلة اللي كانت واقفة لوحدها بفستان وردي. وافتكرت نفسي وأنا برفع كوباية العصير. في اللحظة دي فهمت إن الكلمتين اللي قلتهم في الفرح ما كانوش عشان أحرج رانيا. ولا عشان أفسد فرحة حسام. ولا عشان أنتصر على حد. كنت بس بحاول أقول حاجة تمنيت كل طفل في الدنيا يسمعها مرة واحدة: إن وجود شخص جديد في العيلة مش معناه إن مكانك القديم اختفى. وإن الحب الحقيقي مش كرسي واحد لازم حد يقوم منه عشان حد تاني يقعد. الحب الحقيقي بيتوسع. بيستوعب. وبيكبر. لكن بشرط واحد. إن اللي يدخل حياة الناس يحترم القلوب اللي كانت موجودة قبل ما يوصل. أما ليلى… فكبرت. وبقت أم. وبقى عندها بيت. وعيلة. وصور كتير. وفي كل صورة كانت واقفة في النص. مش لأنها أهم واحدة. لكن لأنها واحدة من الناس اللي مكانهم محفوظ. وفي كل مرة كانت تشوف صورة أمها، كانت تبتسم. وفي كل مرة كانت تحكي لبنتها عن جدتها نورا، كانت تقول: “ماما كانت بتحبني أوي.” وبنتها كانت تسأل: “وإنتي بتحبيني؟” فترد: “أكتر مما تتخيلي.” وأنا كنت أسمع الكلام من بعيد. وأبتسم. لأنني أخيرًا عرفت إن اللي فقدناه ما بيرجعش. لكن أثره ممكن يفضل عايش. في صورة. في اسم. في حكاية. في بنت. وفي حفيدة. وفي قلب جد عجوز قضى سنين طويلة يحاول يحمي آخر حاجة باقية له من بنته. وفي يوم من الأيام، قبل ما أنام، لقيت ليلى قاعدة جنبي. قالت: “جدو.” قلت: “نعم.” “عايزة أقولك حاجة.” “قولي.” “لو ماما كانت موجودة كانت هتبقى فخورة بيك.” بصيت لها. عيني دمعت. قلت: “وأنا فخور بيكي.” قالت: “أنا بحبك.” قلت: “وأنا بحبك.” وبعدين قامت. قبل ما تخرج، رجعت. وقالت: “تصبح على خير يا جدو.” قلت: “وإنتي من أهله.” قفلت الباب. وبقيت لوحدي. بصيت لصورة نورا. وقلت لها بهدوء: “اطمني يا بنتي.” “ليلى بخير.” “ومكانها محفوظ.” “ومحدش قدر ياخد مكانك.” وبعدين ابتسمت. لأني عرفت إن ده كان الوعد الوحيد اللي كنت محتاج أوفيه. وإن أحيانًا كلمة بسيطة بتتقال في لحظة غضب ممكن تجرح قلب طفل سنين. لكن كلمة تانية في اللحظة المناسبة ممكن تنقذ عمر كامل. وعشان كده لما حد يسألني بعد كل السنين دي عن أكتر موقف غير حياتنا كلنا، ما بقولش يوم وفاة نورا. ولا يوم زواج حسام. ولا يوم تخرج ليلى. بقول: “يوم فرح حسام.” اليوم اللي طفلة صغيرة افتكرت إنها فقدت مكانها. واللي أبوها اكتشف فيه إن أهم مسؤولية عليه مش إنه يتجوز. لكن إنه يحافظ على قلب بنته. واللي ست كانت فاكرة إن الحب لازم يبقى حكر على شخص واحد اتعلمت إن العيلة مش منافسة. واللي جد عجوز رفع كوباية عصير وقال كلمتين. الكلمتين دول ما غيروش الدنيا. لكنهم غيروا حياة بنت صغيرة. ومن يومها وأنا مؤمن بحاجة واحدة: الطفل مش محتاج يسمع إنه أهم شخص في الدنيا. هو محتاج يسمع إنه محبوب. ومش محتاج حد يقوله إن مكانه أكبر من مكان غيره. هو محتاج يعرف إن مكانه محدش يقدر ياخده. وده كان كل اللي ليلى احتاجته في اليوم ده. ويمكن ده كان كل اللي أنا كنت محتاجه أنا كمان. لأن بعد ما خسرت مراتي وبنتي، كنت فاكر إن اللي راحوا خدوا نص قلبي معاهم. لكن ليلى أثبتت لي إن القلب مش بيتقسم. القلب بيخلق مكان جديد كل مرة يحب حد. وعشان كده… فضلت نورا في قلبي. وفضلت ليلى في قلبي. ودخلت رانيا حياتنا. وجت حفيدتي. وكبرت العيلة. من غير ما حد يطلع منها. ومن غير ما حد يتقال له يومًا: “إنت مبقتش مهم.” لأن أهم درس اتعلمناه كلنا كان: الحب مش باب بيتقفل على شخص ويفتح لشخص تاني… الحب بيتفتح أكتر كل ما زاد عدد اللي بنحبهم. وده كان سر إن عيلتنا كملت. مش لأنها ما غلطتش. لكن لأنها كل مرة كانت بتغلط… كانت بتختار تصلح. عدت الأيام بعد فرح حسام ورانيا، لكن رغم إن الناس افتكرت إن الموضوع خلص بمجرد إن الفرح اتلغى، إلا إن الحقيقة إن الحكاية كانت لسه في أولها. حسام ورانيا أخدوا فترة بعيد عن بعض. ليلى رجعت لحياتها الطبيعية، لكن حاجة واحدة اتغيرت جواها. بقت كل ما تشوف رانيا تسكت. ما بقتش بتجري عليها زي الأول. وما بقتش بتسأل عنها. كانت بتتعامل معاها بأدب، لكن من بعيد. وحسام كان شايف ده كله. كان عايز يقرب بينهم، لكنه كان خايف يضغط على بنته. وفي يوم بعد المدرسة، ليلى دخلت البيت وهي شايلة شنطتها ووشها متغير. أول ما شافتني، جريت عليا. وقالت: “جدو… أنا عايزة أسألك سؤال.” قلت لها: “اسألي.” قعدت جنبي. وقالت: “هو بابا ممكن يتجوز رانيا تاني؟” قلت: “ممكن.” سكتت. وبعدين قالت: “وأنا مش عايزة.” ما استغربتش. قلت: “ليه؟” قالت: “عشان أنا مش مرتاحة.” “من رانيا؟” هزت راسها. “مش عارفة.” قلت: “إنتي مش لازم تحبيها.” بصتلي باستغراب. “بس لازم تحترميها.” قالت: “أنا بحترمها.” “طيب المشكلة فين؟” سكتت. وبعدين قالت: “أنا خايفة.” “من إيه؟” بدأت تلعب في طرف فستانها. وقالت: “خايفة لما تتجوز بابا… يبقى كلامها اللي قالته في الفرح حقيقة.” قلبي وجعني. “يعني إيه؟” قالت: “يعني إني أبقى مش مهمة.” قربتها مني. “اسمعيني يا ليلى.” رفعت عينها. “اللي حصل في الفرح مش هيحدد قيمتك.” “ولا جواز بابا هيحددها.” “ولا وجود رانيا.” “ولا أي حد.” سكتت. وبعدين قالت: “بس لو بابا حبها أكتر مني؟” قلت: “الحب مش مسابقة.” “يعني إيه؟” “يعني ممكن يحبك جدًا ويحبها جدًا.” “من غير ما واحدة تاخد من التانية.” ليلى سكتت. لكن واضح إنها ما اقتنعتش بالكامل. في نفس الليلة حسام جه. كان جاي ياخدها. لكن أول ما شاف وشها عرف إن في حاجة. سألني: “في إيه؟” بصيت له. قلت: “اتكلم معاها.” قعد قدامها. وقال: “مالك؟” ليلى قالت: “بابا… لو اتجوزت رانيا، هتفضل بتحبني؟” حسام اتصدم. “إنتي بتسألي السؤال ده ليه؟” “عشان هي قالتلي قبل كده إني مش أهم بنت في حياتك.” حسام قرب منها. وقال: “وأنا قلتلك إيه؟” “إنك بتحبني.” “وأنا هفضل أقولها لك طول عمري.” ليلى قالت: “طيب لو خلفت منها أطفال؟” السؤال كان أصعب. حسام سكت لحظة. ثم قال: “حتى لو بقي عندي عشرة أولاد، إنتي هتفضلي بنتي.” “بس ممكن تحبهم أكتر.” “لأ.” قالها من غير تفكير. “كل طفل له مكانه.” ليلى بصتله. “يعني أنا مش هخسر مكانتي؟” حسام حضنها. “مستحيل.” وبعدين قال: “أنا خسرت مامتك يا ليلى.” صوته اتهز. “ومش هسمح إني أخسرك إنتي كمان.” ليلى حضنته. وأنا بصيت بعيد. كنت عارف إن حسام نفسه محتاج يسمع الكلام ده. بعد أسبوع، رانيا اتصلت بيا. قالت: “ممكن أجيلك؟” قلت: “تعالي.” جت في المساء. قعدت قدامي. وكان شكلها متردد. قالت: “أنا عايزة أطلب منك طلب.” “قولي.” “عايزة أعرف إزاي أصلح علاقتي بليلى.” سكت. قالت: “أنا مش عايزة أفرض نفسي عليها.” “ومش عايزة حسام يختار بيني وبينها.” “ومش عايزة أكون سبب في خوفها.” بصيت لها. قلت: “يبقى ابدئي بحاجة بسيطة.” “إيه؟” “ما تحاوليش تاخدي مكان حد.” “خليها تشوفك زي ما إنتي.” “ولو حبتك، تحبك عشان إنتي.” رانيا هزت راسها. “بس أعمل إيه؟” قلت: “اسمعيها.” “من غير نصايح.” “ومن غير ما تدافعي عن نفسك.” “لو قالتلك إنها زعلانة، سيبيها تقول.” رانيا دمعت. “أنا مستعدة.” وفي اليوم اللي بعده، رانيا قابلت ليلى. كانوا قاعدين في الجنينة. أنا كنت بعيد. رانيا قالت: “ليلى.” البنت بصتلها. “نعم؟” “ممكن أقولك حاجة؟” “قولي.” رانيا أخدت نفس طويل. “أنا مش هطلب منك تحبيني.” ليلى فضلت ساكتة. “ومش هطلب منك تعتبريني زي مامتك.” ليلى بصت لها. “ولا هطلب منك تنسي اللي حصل.” رانيا سكتت. “أنا غلطت.” “وغلطتي كانت كبيرة.” “وأنا عارفة إن كلمة واحدة ممكن تفضل في قلب الإنسان سنين.” ليلى قالت: “أنا كنت زعلانة.” رانيا هزت راسها. “عارفة.” “كنت فاكرة إني مش مهمة.” “أنا السبب.” ليلى قالت: “بس بابا قال إنك ندمانة.” “أنا ندمانة فعلًا.” سكتت ليلى. رانيا قالت: “ومهما حصل بيني وبين باباكي، إنتي مش هتتأذي بسببي تاني.” ليلى سألت: “يعني لو اتجوزتوا؟” رانيا ردت: “لو اتجوزنا، ده هيكون بعد ما نتأكد إنك مرتاحة.” ليلى قالت: “ولو أنا مش مرتاحة؟” رانيا سكتت. وبعدين قالت: “هنستنى.” الجملة دي خلت ليلى ترفع عينها لأول مرة. “هتستني؟” “آه.” “عشاني؟” “عشانكم.” ليلى فضلت ساكتة. وبعدين قامت. راحت جابت لعبة كانت في الجنينة. وقعدت جنب رانيا. وقالت: “طيب نلعب؟” رانيا ابتسمت. “يلا.” وأنا من بعيد حسيت إن حاجة صغيرة جدًا بدأت تتصلح. مش كل حاجة. لكن أول خطوة. بعد فترة، حسام قرر يعمل عيد ميلاد لليلى. كان عيد ميلادها السادس. وهي طلبت حاجة واحدة. قالت: “عايزة رانيا تيجي.” حسام بص لها. “متأكدة؟” قالت: “آه.” رانيا جت. وجابت لها هدية. ليلى فتحتها. كانت عروسة صغيرة. ليلى ضحكت. وقالت: “حلوة.” رانيا قالت: “افتكرت إنك بتحبي العرايس.” ليلى قالت: “كنت بحبها وأنا صغيرة.” رانيا ابتسمت. “لسه صغيرة.” ليلى ضحكت. وبعدين حضنتها. حسام كان واقف بعيد. بصلي. وقال: “شايف؟” قلت: “شايف.” “أنا مش مصدق.” قلت: “إنت اللي كنت فاكر إن الدنيا انتهت.” ضحك. “أنا كنت غبي.” قلت: “كنت خايف.” قال: “الخوف خلاني أغلط.” في آخر اليوم، ليلى قعدت جنبي. وقالت: “جدو.” “نعم؟” “أنا خلاص مش زعلانة من رانيا.” قلت: “ليه؟” “عشان اعتذرت.” “بس الاعتذار لوحده مش كفاية.” قالت: “هي بتتصرف كويس.” ابتسمت. “يبقى كويس.” وبعدين قالت: “بس عندي شرط.” “إيه؟” “لو اتجوزت بابا، لازم تفضل تيجي عندنا.” ضحكت. “ده شرط؟” “أيوه.” “موافق.” بعدها بأيام، حسام ورانيا اتكلموا معايا. حسام قال: “إحنا عايزين نبدأ من جديد.” قلت: “إنت متأكد؟” قال: “أيوه.” رانيا قالت: “بس المرة دي مفيش فرح كبير.” ضحكت. “ليه؟” قالت: “عشان أنا عايزة اليوم يبقى هادي.” وبالفعل اتفقوا على احتفال صغير. وفي يوم كتب الكتاب، كانت ليلى واقفة جنب أبوها. ولما الشيخ سأل حسام، قال موافق. رانيا كانت بتعيط. وبعد ما انتهى كل شيء، حسام قرب من ليلى. وقال: “إنتي مبسوطة؟” ليلى هزت راسها. “آه.” “متأكدة؟” “آه.” وبعدين بصت لرانيا. وقالت: “مبروك.” رانيا حضنتها. وقالت: “الله يبارك فيكي.” أنا وقفت بعيد. وفجأة ليلى جريت عليا. “جدو!” “نعم؟” “تعالى الصورة.” قلت: “الصورة إيه؟” “صور العيلة.” ابتسمت. ومشيت معاها. وقفنا كلنا. حسام. رانيا. ليلى. وأنا. المصور قال: “واحد اتنين تلاتة.” وفي اللحظة الأخيرة، ليلى قالت: “استنى.” راحت جابت صورة نورا من على الترابيزة. وحطتها في النص. وقالت: “كده الصورة كاملة.” رانيا مسحت دموعها. وحسام بص للصورة. وأنا حسيت إن قلبي اتملأ. المصور التقط الصورة. الصورة اللي بدأت بكلمة قاسية. انتهت بابتسامة. لكن ما كناش نعرف إن الأيام اللي جاية هتحطنا قدام اختبار أصعب بكتير. لأن بعد الفرح بأيام قليلة، وأنا قاعد في بيت حسام، دخلت ليلى عليا وهي شايلة ظرف أبيض. وشها كان غريب. قلت لها: “مالك؟” قالت: “لقيت ده.” “فين؟” “في دولاب بابا.” “ولمين؟” ناولتهولي. فتحت الظرف. ولقيت جواه ورقة قديمة. أول ما شفت الاسم المكتوب عليها، قلبي وقف. كان اسم نورا. لكن الورقة ما كانتش مجرد ورقة قديمة. كانت مكتوبة بخط إيد بنتي. وفي آخر سطر منها جملة واحدة: “لو حصل لي حاجة… لازم بابا يعرف الحقيقة.” رفعت عيني ناحية ليلى. وقلت: “إنتي لقيتي الورقة دي فين بالظبط؟” قالت: “في حاجات ماما القديمة.” وقتها حسيت إن كل اللي عرفناه عن وفاة نورا وحياتها يمكن ما كانش الحكاية كاملة. لأن بنتي قبل ما تموت كانت مخبية سر. وسرها كان موجه ليا أنا. مسكت الورقة بإيدي وأنا مش قادر أرفع عيني من عليها. اسم نورا كان مكتوب بخطها. نفس الخط اللي كنت أعرفه من عشرات السنين. خط بنتي. إيدي بدأت تترعش. ليلى كانت واقفة قدامي ومستنية. قالت: “جدو… افتحها.” بصيت لها. “إنتي قريتيها؟” هزت راسها. “لأ.” “ليه؟” “عشان دي لماما… ومكتوب عليها اسمك.” سكت. وقعدت على الكرسي. فتحت الورقة ببطء. وكان أول سطر: “بابا… لو إنت بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا ما قدرتش أقولك اللي جوايا وأنا عايشة.” نفسي اتقطع. كملت. “أنا عارفة إنك طول عمرك بتحاول تحميني وتحمي كل اللي بحبهم. وعارفة إنك لو عرفت اللي حصل هتلوم نفسك.” وقفت لحظة. دموعي نزلت. لكن كملت. “عشان كده لازم تعرف إن موتي مش ذنبك.” حطيت إيدي على وشي. نورا كانت عارفة. كانت عارفة إني ممكن ألوم نفسي. كملت القراءة. “أنا كنت عارفة إن حياتي قصيرة بسبب المرض اللي اكتشفته قبل الحادث.” اتجمدت. ليلى بصتلي. قلت بصوت متقطع: “نورا كانت عارفة إنها مريضة؟” كملت. “ما كنتش عايزة أقول لحسام ولا لبابا. الدكتور قال إن العلاج ممكن يطول، وممكن أتحسن، وممكن الدنيا تتعقد. وأنا كنت خايفة.” الدموع نزلت من عيني. “كنت خايفة إن الناس اللي بحبهم يعيشوا كل يوم وهم مستنيين خبر وحش.” وفي آخر الورقة: “لو حصل لي حاجة، أوصيكم بحاجة واحدة. ما تخلوش ليلى تكبر وهي شايلة حزن أمي وأبويا وأبوها. خلوها تعرف إن أمها كانت بتحبها. وخلوها تعرف إن العيلة مش بتخلص بموت شخص.” وقفت. ما قدرتش أكمل. ليلى كانت بتعيط. قربت منها. حضنتها. وقالت: “ماما كانت عارفة إنها ممكن تموت؟” هزيت راسي. “واضح إنها كانت خايفة.” “بس ليه ما قالتليش؟” “إنتي كنتي صغيرة.” ليلى عيطت. “أنا نفسي كنت أعرفها أكتر.” مسحت دموعها. “وإنتي عرفتيها.” “إزاي؟” “من كل حاجة عملتيها.” “من ضحكتك.” “من طيبتك.” “من حبك للناس.” “ومن كل مرة بتسألي عنها.” ليلى حطت رأسها على كتفي. دخل حسام في اللحظة دي. أول ما شاف الورقة، وقف مكانه. قال: “إيه ده؟” بصيت له. قلت: “رسالة من نورا.” قرب. قرأها. وشه اتغير. قعد. وفضل ساكت وقت طويل. وبعدين قال: “أنا ما كنتش أعرف.” قلت: “ولا أنا.” رانيا دخلت بعده. ولما فهمت اللي حصل، قعدت جنبنا. ما حاولتش تتكلم. بس مدت إيدها لليلى. ليلى مسكتها. وفي اللحظة دي فهمت إن نورا كانت بتتكلم عننا كلنا. كانت عايزانا نكمل. مش نعيش أسرى لفقدانها. الورقة فضلت معايا. حطيتها في نفس الألبوم اللي فيه صور نورا. ومن يومها كل ما ليلى كانت تسألني عن أمها، كنت أحكيلها. مش عن موتها. عن حياتها. عن ضحكتها. عن أحلامها. عن أول مرة شالت ليلى. عن أول كلمة قالتها. عن اليوم اللي عرفت فيه إنها حامل. وعن كل مرة كانت تقول فيها إنها نفسها بنتها تكبر وتبقى قوية. مرت السنين. ليلى كبرت. ورانيا بقت جزء حقيقي من العيلة. مش بديلة عن نورا. ولا حاولت يومًا تكون. بقت رانيا. بحضورها. بأخلاقها. وبالحاجات الحلوة اللي أضافتها. وحسام فضل أبًا قبل أي شيء. أما أنا… فكبرت أكتر. وبقيت أقعد ساعات طويلة قدام صور بنتي. لكن الحزن بقى أهدى. مش اختفى. بس بقى فيه امتنان. امتنان إني عشت مع نورا سنوات كفاية. وامتنان إنها سابت لي ليلى. وامتنان إن ليلى ما كبرتش لوحدها. وفي يوم، وأنا قاعد في البيت، دخلت ليلى ومعاها بنت صغيرة. كانت بنتها. وقفت قدامي وقالت: “جدو… عندي مفاجأة.” قلت: “إيه؟” البنت الصغيرة جريت عليا. “جدو!” ضحكت. “تعالي هنا.” طلعت على رجلي. وقالت: “ماما قالتلي إن اسم جدتي نورا.” قلت: “أيوه.” “هي كانت حلوة؟” ابتسمت. “كانت أجمل واحدة.” “كانت بتحبني؟” ضحكت. “كانت هتحبك جدًا.” “إزاي؟” بصيت لليلى. وقلت: “عشان إنتي شبهها في حاجات كتير.” البنت ضحكت. وقالت: “أنا عايزة أشوف صورتها.” فتحت الألبوم. وقعدت جنبها. بدأت أحكيلها. ليلى كانت واقفة وبتسمع. رانيا دخلت بعد شوية. وحسام جه وراها. وقعدنا كلنا. الصورة القديمة كانت في النص. نورا. وبعدها ليلى. وبعدها حفيدتها. ثلاث أجيال. وحكاية واحدة. الحكاية ما انتهتش بموت نورا. ولا انتهت بفرح حسام الأول. ولا بالكلام القاسي اللي اتقال لليلى. الحكاية كملت. لأن العيلة الحقيقية مش اللي ما بتغلطش. العيلة الحقيقية هي اللي لما تغلط… ترجع لبعض. ولما حد يقع… تسنده. ولما طفل يخاف… تطمنه. ولما شخص جديد يدخل… ما تطلبش من اللي قبله يخرج. قبل ما أنام في ليلة هادية، فتحت الألبوم للمرة الأخيرة. طلعت رسالة نورا. قريتها من جديد. وعند آخر سطر، ابتسمت. “خلوها تعرف إن العيلة مش بتخلص بموت شخص.” قلت بصوت مسموع: “سمعتك يا بنتي.” “ووعدتك.” قفلت الرسالة. وحطيتها جنب صورتها. وبعدين بصيت للصور كلها. مراتي. نورا. ليلى. أحفادي. حسام. رانيا. كل الناس اللي دخلوا حياتي وتركوا فيها أثر. وساعتها فهمت إن الإنسان ممكن يخسر ناس غاليين جدًا. لكن الحب اللي سابوه جواه مش لازم يموت. ممكن يتحول لحكاية. والحكاية تتحول لذكرى. والذكرى تتحول لتربية. والتربية تتحول لأجيال. وده اللي حصل معانا. نورا ماتت… لكن حبها فضل عايش في ليلى. وليلى كبرت… وخلت حبها يعيش في بنتها. وأنا عشت بما يكفي عشان أشوف ده كله. وفي آخر مرة سمعت فيها ليلى بتنادي: “جدو!” ابتسمت. لأن الصوت ده كان بالنسبة لي دليل إن كل اللي خفت عليه يومًا… لسه موجود. ولسه بيكبر. ولسه بيحب. ولسه فاكر. وعرفت وقتها إن أهم حاجة ممكن يسيبها الإنسان بعده مش فلوس ولا بيت ولا ممتلكات. أهم حاجة يسيبها هي أثر طيب في قلب حد. وأنا كنت محظوظ. لأن بنتي تركت أثرها في قلبي. وأنا تركت أثري في حفيدتي. وهي هتسيب أثرها في بنتها. وهكذا… العيلة هتفضل تكمل الحكاية. حتى بعد ما أصحاب الحكاية نفسهم يمشوا. لأن الحب الحقيقي… مش بيختفي. بيتنقل من قلب لقلب.