اوصلت طفلا تائها حكايات ميرا

ندى بصت له بعدم تصديق.

— مستشفى؟

— أحسن مكان تخبي فيه حد… محدش هيفتش عن مخطوف في أوضة مريض.

في اللحظة دي…

رن هاتف ندى.

المرة دي الرقم معروف.

مدير قسم الطوارئ.

ردت بسرعة.

— ألو يا دكتور.

لكن اللي رد…

ماكانش المدير.

كان نفس الصوت المشوش.

— صباح الخير يا ندى.

جسمها كله اتجمد.

قال الصوت:

— روحي شغلك النهارده عادي.

متقوليش لحد إنك شفتيني.

ندى صرخت:

— إنت عايز إيه؟

ضحك.

— لأن أول مريض هيوصل بعد نص ساعة…

هيكون والدك.

وانقطع الخط.

ساد صمت ثقيل.

ندى بصت لعمر بعينين مليانين خوف.

— لو كلامه صح…

يبقى بابا هيكون في المستشفى.

عمر قال من غير تردد:

— يبقى هنروح قبله.

خرج الجميع من النفق بسرعة.

ركبوا العربيات.

ولأول مرة…

عمر السيوفي، الرجل الذي كانت كل المدينة تخشاه…

ضغط بنفسه على دواسة البنزين.

السيارة انطلقت بأقصى سرعتها نحو المستشفى.

لكنهم لم يكونوا يعرفون…

أن الشخص الذي ينتظرهم في غرفة الطوارئ…

لم يكن مريضًا.

كان يحمل في جيبه جهازًا صغيرًا…

وضغطة زر واحدة منه…

كانت كفيلة بتحويل المستشفى كلها إلى ساحة رعب.

يتبع…وصلت سيارات عمر السيوفي إلى المستشفى في أقل من عشر دقائق.
ندى نزلت من العربية قبل ما تقف بالكامل.
جريت على باب الطوارئ وهي لابسة نفس اليونيفورم اللي خرجت بيه من الشغل الليلة اللي قبلها.
أول ما دخلت…
حست إن في حاجة مش طبيعية.
الدور هادي بشكل غريب.
الممرضات بيتحركوا عادي.
الأطباء بيكشفوا على المرضى.
لكن…
كل واحد فيهم كان باصص عليها.
كأنهم مستنيينها.
خرج مدير القسم من مكتبه بسرعة.
— ندى! إنتِ فين من امبارح؟ إحنا قلبنا الدنيا عليكي.
ندى بصت في عينيه.
— يا دكتور… وصل أي مريض جديد؟
هز رأسه.
— لسه من خمس دقايق.
— راجل كبير؟
— أيوه… حادث عربية.
قلبها دق بعنف.
— فين؟
أشار إلى أوضة الإنعاش رقم (3).
ندى جرت.
وعمر وسامح واثنين من الحراس خلفها.
لكن قبل ما تفتح الباب…
خرج طبيب شاب من الأوضة.
أول ما شاف عمر…
اتوتر.
ندى لاحظت.
قالت بسرعة:
— في إيه؟
الطبيب ابتسم ابتسامة مصطنعة.
— مفيش… المريض تحت الفحص.
عمر اقترب منه خطوة.
— اسمه إيه؟
تردد الطبيب.
ثانية…
ثم قال:
— مش… مش معايا البيانات لسه.
سامح همس:
— بيكدب.
وفي لحظة واحدة…
دفع عمر الباب.
دخلوا جميعًا.
لكن السرير…
كان فاضي.
ندى اتلفتت حولها.
— فين المريض؟
في اللحظة نفسها…
انفتح باب الحمام ببطء.
خرج رجل مسن.
شعره أبيض.
لحيته طويلة.
وكان لابس هدوم مريض.
أول ما شافته ندى…
حست إن قلبها وقف.
ملامحه…
هي نفس ملامح الصورة.
الرجل رفع عينيه إليها.
وعيناه امتلأتا بالدموع.
وقال بصوت مبحوح:
— ندى…
يا بنتي.
دموعها نزلت في نفس اللحظة.
خطت خطوة نحوه.
— بابا…؟
الرجل مد إيده.
— سامحيني…
عشرين سنة وأنا بعيد عنك.
ندى جريت ناحيته.
حضنته وهي بتبكي.
حتى عمر كان واقف في صمت.
لكن…
سامح كان مركز على حاجة تانية.
قال فجأة بصوت مرتفع:
— يا باشا… إيده!
الجميع بصوا على يد الرجل.
كان ماسك جهازًا صغيرًا أسود.
نفس الجهاز اللي وصفه يوسف.
عمر صرخ:
— ابعدي عنه!
لكن كان فات الأوان.
الرجل ضغط الزر.
ندى شهقت.
انتظرت الانفجار.
مرت ثانية…
اثنتان…
ولم يحدث شيء.
الرجل ابتسم بحزن.
وقال:
— الجهاز ده مش قنبلة.
ثم نظر إلى عمر.
— ده جهاز بيقفل شبكة الاتصالات كلها في المستشفى.
في اللحظة نفسها…
كل الهواتف فصلت.
أجهزة الإنترنت توقفت.
حتى أجهزة المراقبة انطفأت.
ثم رفع الرجل رأسه وقال:
— لأن اللي داخل دلوقتي…
مش عايز أي كاميرا تشوفه.
وفي نهاية الممر…
دوى صوت خطوات بطيئة.
ظهر يوسف.
لكن هذه المرة…
لم يكن وحده.
كان يمسك بيد آدم.
وفوق رأس آدم…
كان مصوبًا مس\دس.
ابتسم يوسف وقال:
— صباح الخير…
أعتقد إن العيلة كلها بقت مجتمعة أخيرًا.
يتبع…تجمدت ندى مكانها.
آدم كان واقف قدام يوسف، وشه شاحب، لكن عينيه كانوا ثابتين.
المس\دس كان ملاصقًا لرأسه.
يوسف ابتسم وقال بهدوء:
— أي حركة غلط… والولد يموت.
سامح شد سلاحه.
لكن عمر رفع إيده فورًا.
— نزل السلاح.
سامح بصله باستغراب.
— يا باشا…
— قلت نزل السلاح.
أنزله ببطء.
يوسف ضحك.
— لسه عندك نفس العيب يا عمر… بتفضل حياة الناس على مصلحتك.
عمر رد ببرود:
— قول عايز إيه.
يوسف دفع آدم لقدامه خطوة.
ثم قال:
— الملف.
ندى صاحت:
— قلتلك معرفش أي ملف!
يوسف أخرج ساعة جيب قديمة من معطفه.
ورماها عند قدميها.
ندى انحنت وأخذتها.
بمجرد ما فتحت الغطاء…
شهقت.
كانت فيه صورة صغيرة جدًا.
لها وهي طفلة عمرها حوالي خمس سنين.
وخلف الصورة…
جملة مكتوبة بخط يد.
“إذا وصلت الساعة لندى… يبقى وقت الحقيقة جه.”
تحت الجملة…
كان فيه عنوان.
ندى همست:
— ده… بيت جدتي.
الرجل المسن الذي قال إنه والدها أغمض عينيه وقال:
— أيوه… تحت شجرة الليمون اللي في الجنينة.
ندى بصت له.
— إيه اللي تحتها؟
رد بصعوبة:
— صندوق حديد.
يوسف ابتسم بانتصار.
— أخيرًا.
لكن عمر قال فجأة:
— متروحيش.
ندى التفتت إليه.
— ليه؟
قال بثقة:
— لأن يوسف عارف مكان الصندوق من زمان.
يوسف سكت.
وده كان أول مرة ملامحه تتغير.
عمر أكمل:
— لو كان الملف هناك فعلًا… كنت خدته من سنين.
ندى بدأت تستوعب.
بصت للرجل المسن.
— يعني… العنوان ده كذب؟
الرجل هز رأسه.
— لا…
ثم ابتسم لأول مرة.
— لكنه مش كامل.
يوسف صرخ بغضب:
— اسكت!
لكن الرجل أكمل:
— أبوكي الحقيقي… عمره ما كان بيكتب مكان كامل في ورقة.
ندى قربت من الساعة مرة تانية.
قلبتها بين إيديها.
لاحظت إن عقاربها واقفة عند الساعة ٣:٤٧.
اتسعت عيناها.
— تلاتة سبعة وأربعين…
عمر همس:
— نفس توقيت هروب آدم.
ندى ضغطت على العقرب الصغير دون قصد.
فسمعت صوت تك خفيف.
غطاء داخلي فتح.
خرجت منه ورقة مطوية بحجم الإصبع.
يوسف صرخ:
— هاتها!
لكن ندى فتحتها بسرعة.
كان مكتوبًا فيها سطر واحد فقط:
“الملف ليس تحت شجرة الليمون… الملف داخل غرفة رقم 347 بمستشفى الشفاء.”
الجميع صمت.
ندى رفعت رأسها ببطء.
ثم بصت حولها.
قالت وهي تكاد لا تصدق:
— إحنا…
إحنا أصلًا في مستشفى الشفاء.
وقبل أن يتحرك أي شخص…
سمعوا صوت قفل إلكتروني يُفتح في نهاية الممر.
ثم خرجت ممرضة مسنة لم يرها أحد من قبل.
كانت تحمل صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
نظرت مباشرة إلى ندى وقالت:
— أبوكي طلب مني أسلمهولك… لكن لما تتمي تلاتين سنة.
توقفت لحظة.
ثم ابتسمت بحزن.
— واضح إننا اضطرينا نسلّمه بدري.
أما يوسف…
فابتسم ابتسامة باردة، ورفع سلاحه نحو الصندوق مباشرة.
وقال:
— أخيرًا… انتهت لعبة العشرين سنة.
يتبع…في أقل من ثانية…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *