حصاله ازاز ج١ منى السيد

الجزء الأول
— ده تمنك يا مريم. لمي كل جنيه واقع على الأرض، وقّعي على الطلاق، واطلعي من البيت ده.
حماتي سعاد قلبت حصالة إزاز فوق راسي، فالفكة وقعت على شعري وكتافي والأرض حواليّ.
أخت جوزي داليا انفجرت في الضحك، أما جوزي أحمد فكان قاعد على الكنبة، ماسك موبايله، ولا حتى رفع عينه يبصلي.
أنا كنت عايشة معاهم في القاهرة بقالى عشر سنين.
عشر سنين وأنا بطبخ، وبشيل مصاريف، وبدفع فواتير تخص العيلة، وبحل مشاكل شغلهم، وفي الآخر أسمع نفس الجملة:
“احمدي ربنا إن عيلة عبدالسلام قبلتك وسطهم.”
من تلات أيام بس، أحمد اتعيّن المدير العام لشركة كبيرة لتوريد قطع غيار السيارات في القاهرة والعاشر من رمضان.
ومن ساعتها، حماتي بقت ماشية في البيت كأن الترقية دي بتاعتها هي.
كانت كل شوية تقول:
— خلاص يا حبايبي، إحنا بقينا عيلة كبيرة. ابني بقى مدير عام، ومش أي حد ينفع يبقى مراته.
أما داليا فكانت أوقح منها.
— يا ماما، أحمد دلوقتي قدامه بنات كتير أحسن منها بكتير.
سمعها.
وسكت.
في الليلة دي، استنيت لما بقينا لوحدنا وسألته:
— إنت كمان شايف كده؟
أحمد فك رابطة رقبته، ورماها على الكرسي وقال بضيق:
— أمي بتتكلم كتير وخلاص. متكبريش الموضوع يا مريم.
بس هو ما جاوبش على سؤالي.
وأنا كمان ما سألتش تاني.
لأني من زمان بطلت أجادل.
بدل الجدال، كنت بجمع كل حاجة.
إيصالات، عقود، تحويلات بنكية، سندات، صور مستندات، محادثات، وإثباتات على كل فلوس دفعتها وكل معاملة عملتها.
كان عندي سبعة وأربعين ملف بالظبط.
حماتي ما كانتش تعرف إن الملفات دي موجودة.
بس كان فيه سر أكبر بكتير ما تعرفوش.
هي ما كانتش تعرف مين أبويا الحقيقي.
السبت اللي بعده، قالولي إنهم عايزين “يتكلموا كعيلة”.
لما دخلت الصالة، لقيت تلات حصالات محطوطين على الترابيزة.
بصيت لهم باستغراب.
حماتي أشارت للكرسي اللي في نص الصالة.
— اقعدي هنا.
قعدت.
قربت مني وقالت:
— اقفلي عينيكي.
قبل ما أفهم هي بتعمل إيه، الحصالة الأولى اتقلبت فوق راسي.
الفكة نزلت على شعري وكتافي.
وبعدها التانية.
داليا كانت بتضحك بأعلى صوتها.
أنا وقفت وأنا مش مصدقة اللي بيحصل.
— خلاص! كفاية!
حماتي بصتلي ببرود.
— لسه التالتة.
رفعت الحصالة التالتة، لكن المرة دي ما فرغتهاش فوق راسي.
رمتهالي في وشي.
حافة الحصالة خبطتني في جبيني.
حسيت بحرقة شديدة، وبعد ثواني لقيت الدم بينزل على وشي.
ضحكة داليا اختفت.
— ماما… كده الموضوع زاد عن حده.
حماتي زعقت فيها:
— اخرسي!
وبعدين بصتلي وأشارت للأرض.
— دي فلوسك. دي قيمتك عندنا بعد عشر سنين جواز. لميهم جنيه جنيه، وقّعي على ورق الطلاق، وامشي من هنا.
بصيت لجوزي.
— أحمد… اتكلم.
أحمد بلع ريقه، ورفع عينه أخيرًا.
— مريم… اسمعي كلام أمي. أحسن ما الموضوع يكبر.
ساعتها فهمت كل حاجة.
عشر سنين جواز انتهوا عندهم في كام كلمة.
خلعت دبلة الجواز من إيدي وحطيتها على الترابيزة.
وبعدين حطيت مفاتيح البيت جنبها.
وحطيت بطاقتين بنك كانوا بيستخدموهم في مصاريف البيت والشغل.
حماتي بصتلي باستغراب.
— إنتِ بتعملي إيه؟
ما رديتش.
طلعت موبايلي، وصورت جرح جبيني.
صورت الفكة اللي مالية الأرض.
وصورت الحصالة المكسورة.
وبعدين بصيت لهم للمرة الأخيرة وخرجت.
وراء ضهري، سمعت حماتي بتزعق:
— هترجعي! إنتِ مالكيش مكان تروحيه!
لكنها ما كانتش تعرف إن عندي مكان أرجع له.
في نفس الليلة، وصلت بيت أهلي.
أبويا فتحلي الباب.
أول ما شاف الدم اللي على وشي والجرح اللي في جبيني، ما سألنيش سؤال واحد.
دخلني، وقعدني على الكنبة، وحط قدامي كباية مية.
فضل ساكت.
وأنا طلعت موبايلي وبعتله رسالة قصيرة:
“بابا… خلاص. تقدر تلغي العقد.”
الرسالة ما كملتش دقيقة.
سمعت صوت أبويا جاي من مكتبه:
— بكرة الصبح عايز اجتماع عاجل لمجلس الإدارة. العلاقة مع شركة قطع غيار العربيات دي انتهت.
وقفت مكاني.
لأول مرة من ساعة ما خرجت من بيت جوزي، حسيت إني أقدر أتنفس.
حماتي كانت فاكرة إنها طردتني من بيتها بفكة مرمية على الأرض.
وأحمد كان فاكر إن منصبه الجديد خلاه أقوى مني.
لكنهم ما كانوش يعرفوا إنهم هما اللي لعبوا أول حجر في الدومينو.
واللي وقع بعد كده… كان أكبر بكتير من مجرد طلاق.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *