الشيخ الخليجي وعامله الدليفري انجي الخطيب

الشيخ سكت، وحاول يقنع نفسه إنه لازم يسيب مريم في حالها. لكن بعد دقايق، فتح موبايله وبص على صفحة المطعم اللي طلب منه الأكل، وفكر إنه ممكن يطلب وجبة تانية، وتيجي مع أي مندوب من الشركة. وبعدين وقف نفسه. لأ… مش هستخدم الشغل عشان أشوفها. قفل الموبايل، وقرر يخرج يتمشى شوية في المنطقة التجارية القريبة من القصر. كان محتاج يبعد عن أفكاره، لكن القدر كان له رأي تاني. على الناحية التانية من القاهرة، كانت مريم رجعت البيت بعد ما خلصت إجراءات المحضر، وقررت تقعد يومين ترتاح قبل ما ترجع الشغل. أمها كانت بتحضر الغدا، وكريم بيذاكر في الأوضة، وعبد الرحمن قاعد في الصالة ساكت من ساعة ما رجع. مريم خرجت من أوضتها، ولقته ماسك صورة قديمة ليهم كلهم، يوم ما كانت الورشة لسه شغالة، وكانوا واقفين قدامها بيضحكوا. قعدت بعيد عنه شوية. عبد الرحمن رفع عينه وقال فاكرة اليوم ده؟ مريم بصت للصورة. أيوه. كنت لسه في ثانوي، وكريم كان صغير. عبد الرحمن ابتسم ابتسامة حزينة. ساعتها كنت فاكر إني هقدر أوفرلكم كل حاجة. بيت كويس، وتعليم، وحياة من غير ما تحتاجوا حد. مريم فضلت ساكتة. لما الورشة اتقفلت، حسيت إني فقدت كل حاجة. بقيت شايف نفسي راجل فاشل، وكل ما حد يكلمني عن الديون أو يطالبني بفلوس، كنت برجع البيت ڠضبان. بدل ما أواجه غلطاتي، كنت بطلع ڠضبي عليكي وعلى أمك. مريم بصت له وقالت وده كان اختيارك يا بابا. إحنا ما طلبناش منك تبقى غني، إحنا كنا محتاجينك بس. عبد الرحمن نزل راسه. عارف. ومفيش كلمة هتقدر تصلح اللي عملته. سكت شوية، وبعدها كمل أنا مش هطلب منك تسامحيني دلوقتي. بس هحاول أكون أب تستحقيه، حتى لو أخد مني ده سنين. مريم ما ردتش، لكنها لأول مرة ما قامتش ومشيت. فضلت قاعدة معاه، وده كان كل اللي يقدروا عليه في اللحظة دي. بعد يومين، رجعت مريم للشغل، رغم إن أمها كانت بتحاول تقنعها ترتاح أكتر. يا بنتي، لسه وشك فيه كدمات. مريم ابتسمت وقالت هتخف يا ماما. وأنا مش هسيب شغلي، عشان مش عايزة أي حاجة توقف حياتي. لبست خوذتها، وجهزت شنطة التوصيل الكبيرة، وخرجت. كانت بتتحرك بحذر بسبب الۏجع اللي لسه في دراعها، لكن إصرارها كان أقوى من تعبها. في نفس اليوم، كان الشيخ الخليجي خارج من اجتماع طويل مع أحد رجال الأعمال المصريين، ولما خلص، قرر يتمشى في شارع جانبي بدل ما يرجع للقصر على طول. وأثناء ما كان بيعدي قدام محل أدوات منزلية، لمح بنت واقفة على الرصيف بتحاول ترفع شنطة التوصيل على ضهرها، لكنها كانت بتتألم من حركة دراعها. وقف مكانه. كانت مريم. فضل ثواني يبصلها من بعيد، وبعدين أخد قرار إنه ما يقربش منها. لكن في اللحظة دي، الشنطة مالت من على كتفها، وكادت تقع على الأرض. واحد من المارة حاول يساعدها، لكنه شد الشنطة بطريقة مفاجئة، فمريم اتألمت وصړخت. الشيخ اتحرك تلقائيًا، لكنه وقف قبل ما يوصل لها، لما سمعها بتقول للرجل لو سمحت، سيب الشنطة. أنا أقدر أشيلها بنفسي. الرجل سابها ومشي وهو بيتمتم، ومريم عدلت الشنطة على كتفها، وبعدها رفعت عينيها فجأة. وشافته. اتغيرت ملامحها، وقالت بدهشة إنت تاني؟! الشيخ وقف على مسافة مناسبة، وقال واضح إن القاهرة صغيرة. مريم بصت له بشك. إنت بتراقبني؟ السؤال جه مباشر لدرجة إنه ما قدرش يلف ويدور. هز راسه وقال لأ. أنا كنت خارج من اجتماع، وشوفتك بالصدفة. ولو وجودي هنا مضايقك، همشي حالًا. مريم فضلت باصة له، كأنها بتحاول تعرف إذا كان بيقول الحقيقة. وبعدين قالت أنا مش بحب حد يتدخل في حياتي من غير إذني. عندك حق. ومش بحب أحس إن حد فاكر إنه لازم ينقذني كل ما يشوفني. الشيخ هز راسه. وأنا مش عايزك تحسي بكده. سكت لحظة، وبعدها أشار ناحية الشنطة. بس واضح إن دراعك لسه بيوجعك. مريم بصت لدراعها، وبعدها قالت شوية. طب ليه رجعتي الشغل بدري؟ رفعت عينيها له بحدة. ده سؤال شخصي. الشيخ ابتسم ابتسامة صغيرة. معاكي حق. آسف. كان رد فعله مختلف عن كل اللي توقعته، وده خلى مريم تتردد للحظة. هي متعودة إن أي حد عنده فلوس أو نفوذ بيعتبر إن الناس لازم تجاوبه، لكن الراجل ده كل ما كانت تحط قدامه حد، كان يقف عنده. ومع ذلك، ما كانتش مستعدة تثق فيه. قالت وهي بتعدل الخوذة عن إذنك، عندي طلبات لازم أسلمها. اتفضلي. مريم ركبت الموتوسيكل، وقبل ما تتحرك، بصت له مرة أخيرة. وبالمناسبة، أنا مش زعلانة إنك تدخلت يومها. أنا زعلانة إنك جيت لحد بيتي من غير ما تستأذن. فيه فرق. الشيخ استوعب كلامها، ورد بجدية وصلت. مريم اتحركت، وفضل هو واقف مكانه، لكن المرة دي ما حسش بالإحباط. بالعكس، حس إن دي أول مرة في حياته يتعلم إزاي يتعامل مع حد من غير ما يحاول يسيطر على الموقف. رجع القصر في المساء، ولما دخل، لقى مكالمة فائتة من أمه. اتصل بيها فورًا. مساء الخير يا أمي. جاله صوتها القلقان مساء النور يا حبيبي. إنت مختفي بقالك أيام، ومش بترد على مكالماتي غير بعد ساعات. فيك إيه؟ الشيخ قعد على الكنبة وقال مفيش حاجة يا أمي، أنا بس محتاج أرتاح شوية. الأم سكتت، وبعدها قالت بنبرة ماكرة هو إنت في مصر فعلًا عشان ترتاح، ولا عشان فيه حاجة تانية؟ ابتسم رغمًا عنه. إنتي بتفكري في إيه؟ أنا أمك يا حبيبي، وعارفاك. إنت لو كنت مرتاح فعلًا، كنت رديت عليا من أول رنة. إنت عمرك ما كنت بتتهرب من الكلام معايا إلا لما تكون مخبي حاجة. الشيخ تنهد. يا أمي، أنا لسه مش فاهم اللي بيحصل جوايا. الأم سكتت للحظة، وبعدين قالت فيه واحدة؟ هو ما ردش. الأم شهقت بفرحة. يا نهار أبيض! فيه واحدة فعلًا! ضحك وقال يا أمي، اهدي. أنا ما قلتش حاجة. سكوتك قال كل حاجة. اسمها إيه؟ من عيلة مين؟ وإنت ناوي تعمل إيه؟ الشيخ رجع بضهره وقال اسمها مريم. بنت مصرية بسيطة، بتشتغل في توصيل الطلبات. الصمت اللي جه من الناحية التانية خلاه يرفع الموبايل عن ودنه ويبص للشاشة، كأنه بيتأكد إن المكالمة لسه شغالة. أمي؟ ردت أخيرًا بتشتغل إيه؟ بتوصل طلبات يا أمي. الأم سكتت تاني، وبعدين قالت وإنت معجب بيها؟ أنا… عايز أعرفها أكتر. الأم تنهدت. يا ابني، إنت مش صغير. إنت عارف إن حياتك مش ملكك لوحدك. فيه عيلة، وفيه مسؤوليات، وفيه ناس هتتكلم. الشيخ رفع عينه للسقف وقال يعني إيه؟ أرفضها عشان الناس هتتكلم؟ أنا ما قلتش كده. أنا بس بقولك فكر كويس. رد بهدوء أنا طول عمري بفكر كويس لدرجة إني ما خدتش أي خطوة في حياتي الشخصية. كل حاجة كانت محسوبة، وكل اختيار كان لازم يرضي العيلة والناس. وفي الآخر بقيت عايش لوحدي، حتى وأنا وسط القصر مليان ناس. الأم اتأثرت بكلامه، لكنها حاولت تخفي ده. أنا كل اللي عايزاه إنك تكون سعيد يا حبيبي. وأنا كمان يا أمي. بس المرة دي، عايز أكتشف سعادتي بنفسي. أنهى المكالمة بعد ما وعدها إنه يكلمها تاني، لكنه ما كانش يعرف إن مكالمته دي هتكون أول شرارة في مشكلة أكبر بكتير. في اليوم التالي، وصل القصر ضيف غير متوقع. كان ابن عمه راشد، شاب في أوائل الثلاثينات، أنيق ومغرور، ومتعود إنه يحصل على اللي عايزه بمجرد ما يطلبه. دخل الصالة وهو بيبتسم ابتسامة واسعة. يا سلام! الشيخ الخليجي بنفسه قرر يختفي في مصر. إيه يا ابن عمي، هو القصر هناك بقى ضيق عليك؟ الشيخ قام وسلم عليه ببرود. أهلًا يا راشد. خير؟ راشد قعد على الكنبة وقال جاي أطمن عليك، وأشوف إيه آخر أخبار موضوع الجواز اللي العيلة كلها بقت بتتكلم فيه. الشيخ قعد قدامه. مفيش جديد. راشد ضحك. يعني لسه رافض كل البنات؟ طب أعمل إيه معاك؟ ده حتى بنت عمي الصغيرة بقت بتسألني إذا كنت هتتجوز قبل ما تكبر ولا لأ! الشيخ ابتسم من غير ما يرد. راشد مال لقدام وقال بس أنا سمعت إن فيه جديد فعلًا. سمعت إنك مهتم بواحدة مصرية. ملامح الشيخ اتغيرت. مين قالك؟ راشد رفع إيده ببراءة مصطنعة. يا راجل، الأخبار بتوصل. إنت فاكر نفسك مستخبي؟ الشيخ بص له بجدية. اللي بيني وبين أي شخص يخصني، ومش موضوع للنقاش. راشد ابتسم ابتسامة جانبية. واضح إن الموضوع كبير فعلًا. طب هي مين؟ الشيخ قام من مكانه. راشد، أنا مش فاضي للألعاب دي. لو جاي في موضوع شغل، اتفضل. غير كده، تقدر ترتاح في جناح الضيوف، وأنا عندي شغل. راشد ضحك وهو بيقوم. ماشي يا ابن عمي. بس خلي بالك، مش كل الناس هتكون متقبلة إنك ترتبط بواحدة من بره مستوانا. الشيخ وقف مكانه وقال المستوى الحقيقي للإنسان مش في الفلوس اللي عنده، ولا في اسم عيلته. راشد ابتسم، لكن عينيه بقت باردة. هنشوف. وخرج من الصالة، وهو شايل في دماغه فكرة بدأت تتشكل. لو الشيخ الخليجي فعلًا ناوي يتجوز بنت بسيطة، فده معناه إن فيه نقطة ضعف جديدة ظهرت في حياته. وراشد ما كانش من النوع اللي يسيب فرصة زي دي تعدي من غير ما يستغلها. بعد يومين، مريم كانت واقفة قدام مطعم صغير بتستلم منه طلب، لما صاحب المطعم ناداها. يا مريم، استني شوية. لفت ناحيته. أيوه يا عم صبحي؟ الرجل قرب منها وقال فيه واحد سأل عليكي من شوية، وكان عايز يعرف مواعيد شغلك. مريم اتوترت. مين؟ واحد لابس بدلة، وراكب عربية غالية. قال إنه من طرف حد مهم. مريم حست بقلق. وقالك اسمه؟ لأ، بس سأل إذا كنتي بشتغلي في المنطقة كل يوم، ومشِي لما قلتله إني معرفش غير اللي بشوفه. مريم شكرته، لكنها فضلت طول الطريق بتفكر في الكلام. هل الشيخ الخليجي رجع يدور عليها؟ ولا فيه حد تاني عرف باللي حصل؟ لما رجعت البيت، حكت لأمها، اللي نصحتها تتواصل مع الشركة وتطلب عدم مشاركة أي بيانات تخصها. وفي نفس الليلة، وصلها اتصال من رقم غريب. ردت بحذر. ألو؟ جالها صوت رجل بيتكلم بالعربي بلكنة خليجية واضحة مساء الخير يا أستاذة مريم. أنا بتصل بحضرتك

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *