الشيخ الخليجي وعامله الدليفري انجي الخطيب

مرهقة من الحر والمشاوير، لكن عينيها حلوين وكان فيهم هدوء غريب، وملامحها جميلة جدا لكن فيها بساطة تخلي اللي قدامها يحس إنه شافها قبل كده، حتى لو عمره ما قابلها. رفعت عينيها ناحيته وقالت بصوت واضح، رغم التعب اللي كان باين عليها مساء الخير يا فندم، طلب حضرتك من المطعم… ممكن تتأكد من الرقم قبل ما أعمل تسليم؟ الشيخ كان واقف قدامها، مستعد ياخد الكيس وينهي الموضوع في ثواني، لكنه أول ما شاف وشها، إيده اتجمدت في مكانها. فضل باصص لها كأنه نسي هو واقف عند الباب ليه أصلًا. البنت لاحظت سكوته، فبصت له باستغراب وقالت حضرتك سامعني؟ الطلب باسم مين؟ رمش بعينيه كأنه بيفوق من حاجة مش قادر يفسرها، وبعدين رد بصوت أوطى من المعتاد باسمي… أيوه، الطلب باسمي.
بقلم_الكاتبة_انجي_الخطيب
ناولته الكيس، لكنه ماخدوش فورًا، فاضطرت ترفعه ناحيته مرة تانية وقالت بنبرة فيها نفاد صبر بسيط اتفضل يا فندم، بس لو سمحت بسرعة، عشان ورايا طلبات تانية ولسه قدامي مشوار طويل. أخد الكيس أخيرًا، لكنه بدل ما يقفل الباب أو يشكرها، فضل واقف مكانه بيتأمل ملامحها. رفعت حاجبها باستغراب وقالت فيه حاجة يا فندم؟ الأكل ناقص حاجة؟ هز راسه ببطء. لأ… بس كنت عايز أسألك سؤال. ردت بحسم وهي بتعدل الشنطة على ضهرها لو بخصوص الطلب، حضرتك تقدر تكلم المطعم. أنا ماليش دعوة غير بالتوصيل. لأول مرة من سنين، لقى نفسه مش عارف يرد. البنت اللي قدامه ما كانتش بتحاول تتقرب منه، ولا بتبص على القصر بانبهار، ولا حتى مهتمة تعرف هو مين. كانت بتعامله باعتباره مجرد زبون، وده شيء ما اتعودش عليه. قال وهو بيحاول يحافظ على هدوئه اسمك إيه؟ بصت له باستغراب أكبر، وبعدين ردت إنت محتاج اسمي ليه؟ ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال مجرد سؤال. ردت ببرود وأنا مش مضطرة أجاوب على كل سؤال بيتسألي. عن إذنك يا فندم، أنا اتأخرت. لفت عشان تمشي، لكنه ناداها من غير ما يفكر استني! وقفت، وبصت له بنظرة حادة. أفندم؟ اتردد للحظة، وبعدين قال إنتِي بتشتغلي في التوصيل طول اليوم؟ ردت وهي بتبص في ساعتها أيوه، طول اليوم تقريبًا. عندك اعتراض؟ لأ، بس… قاطعته بنبرة ثابتة بص يا فندم، أنا مش فاضية للكلام، ولو حضرتك عندك مشكلة في الطلب، اتواصل مع المطعم. بعد اذنك . ومشت من غير ما تستنى رده. فضل واقف عند البوابة، عينه متعلقة بيها وهي بتبعد بموتوسيكل التوصيل بتاعها، لحد ما اختفت من آخر الشارع. رجع القصر، وقعد على الكنبة، وحط كيس الأكل على الترابيزة من غير ما يفتحه. كان لأول مرة من وقت طويل يحس إن في حاجة حصلت له ومش قادر يفسرها. هو الراجل اللي رفض عشرات البنات من أكبر العائلات، واللي عمره ما اهتم بواحدة أكتر من دقايق، ليه مش قادر ينسى نظرة بنت كل اللي عملته إنها سلمته طلب أكل؟ فتح الكيس أخيرًا، لكنه ما كانش شايف الأكل أصلًا. كل اللي كان بيفكر فيه هو وشها، وطريقتها، والثقة اللي اتكلمت بيها من غير ما تحاول ترضيه أو تكسب إعجابه. وفي اللحظة دي، دخل مدير القصر وهو شايل ملف، لكنه أول ما شاف الشيخ قاعد بالوضع ده، وقف باستغراب. خير يا سيدي؟ الأكل مش عاجب حضرتك؟ رفع الشيخ عينه له فجأة وسأله إنت تعرف حاجة عن شركات التوصيل اللي شغالة في المنطقة دي؟ مدير القصر
عقد حاجبيه. شركات التوصيل؟ معرفش يا سيدي، بس دي حاجة سهلة نقدر نعملها حصر خير ؟ سكت الشيخ لحظة، وبعدين قال عايز أعرف مين البنت اللي جابت الطلب من شوية. الرجل بص له بدهشة واضحة، لأنه أول مرة يسمع منه طلب زي ده. حضرتك تقصد عاملة التوصيل؟ رد الشيخ بجدية أيوه، هي. عايز أعرف اسمها، وبتشتغل فين، وأي معلومات عنها. مدير القصر هز راسه باحترام، لكنه قبل ما يتحرك، الشيخ أضاف بنبرة حاسمة بس خلي بالك، مش عايز حد يضايقها أو يتدخل في حياتها. أنا عايز أعرف بس، من غير ما تحس إن حد بيراقبها. خرج الرجل، وفضل الشيخ لوحده، مش عارف هو بيعمل إيه بالضبط، ولا ليه لأول مرة في حياته يحس إنه محتاج يشوف شخص تاني مرة.
بقلم_الكاتبة_انجي_الخطيب
ماكملش عشر دقايق، وكان مدير القصر رجعله بالملف اللي طلبه، وحطه قدامه على الترابيزة وقال باحترام تحت أمرك يا سيدي، دي كل البيانات اللي قدرنا نوصل لها عن البنت اللي حضرتك طلبت تعرف معلومات عنها.
الشيخ الخليجي مد إيده للملف بسرعة، وهي حركة غريبة على شخصيته الهادية اللي عمرها ما كانت بتظهر أي اهتمام بحاجة بالشكل ده، وفتح أول صفحة. مريم عبد الرحمن… عندها أتنين وعشرين سنة، وعايشة في منطقة شعبية في القاهرة، وبتشتغل في شركة توصيل طلبات من حوالي سنتين. كرر اسمها بصوت واطي، كأنه بيحاول يحفظه جواه. مريم… رفع عينه للمدير وسأله هي عايشة لوحدها؟ الرجل اتردد قبل ما يرد حسب المعلومات المتاحة، لأ يا سيدي، عايشة مع والدها ووالدتها وأخوها الأصغر. والدها اسمه عبد الرحمن، وكان شغال في ورشة نجارة، لكن الورشة اتقفلت من فترة بسبب الديون. ومن وقتها بقى فيه مشاكل مادية كتير في البيت. الشيخ قلب صفحة تانية، وكل ما كان بيقرأ أكتر، ملامحه كانت بتتغير. وأمها؟ ربة منزل يا سيدي، وأخوها لسه في التعليم. الشيخ ساب الملف على الترابيزة وسند بضهره للكرسي، وعينيه فضلت ثابتة على الصورة الشخصية اللي كانت في الورق. كان فيه حاجة غريبة بتشده للبنت دي، حاجة مش قادر يفسرها، لكن اللي ضايقه أكتر إنه حس إنه عايز يعرف عنها أكتر من مجرد اسم وعنوان. قفل الملف فجأة، وقام من مكانه. مدير القصر استغرب وسأله فيه حاجة يا سيدي؟ الشيخ أخد مفاتيح عربيته من فوق الترابيزة وقال جهزلي العربية. اهلي الحرس يجهزوا يا سيدي ؟ الشيخ بص له بطرف عينه. لأ، أنا خارج لوحدي. لوحدك يا سيدي؟ طب على الأقل أبلغ السواق… قاطعه بحزم قلت لوحدي يا محمود. ومش عايز حد يعرف أنا رايح فين. محمود انحنى باحترام،
الشيخ خرج من القصر، ركب عربيته بنفسه، وانطلق ناحية العنوان المكتوب في الملف. طول الطريق كان بيفكر في مريم، وفي طريقتها وهي بتكلمه من غير خوف ولا تردد، وكأنها مش شايفة قدامها راجل يقدر يشتري شارع كامل لو حب، لكنها شايفة مجرد زبون مستعجل على طلب أكله. ولأول مرة من سنين، ماكانش عارف هو عايز إيه بالضبط. كل اللي كان عارفه إنه لازم يشوفها تاني. بعد حوالي ساعة، وصل للمنطقة اللي مريم ساكنة فيها. الشوارع كانت ضيقة، والمحلات الصغيرة على الجانبين، وصوت البياعين مختلط بصوت الأطفال اللي بيلعبوا قدام البيوت، والريحة المميزة للأكل المصري طالعة من الشبابيك المفتوحة. الشيخ ركن عربيته بعيد شوية عن البيت،

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *