الشيخ الخليجي وعامله الدليفري انجي الخطيب

اللحظة دي حصلت فعلًا. هو اللي رفض عشرات البنات من أكبر العائلات، واللي كان فاكر إن الجواز مسؤولية لازم يتجنبها، لقى نفسه قاعد في شقة بسيطة في القاهرة، بيطلب إيد بنت اختارته بعد ما عرفته على حقيقته. ولأول مرة، حس إن كلمة مناسب ليها معنى مختلف تمامًا. لكن قبل ما يفرحوا بشكل كامل، كان لازم يتفقوا على تفاصيل الحياة اللي هتجمعهم. الشيخ اقترح إنهم يقيموا جزءًا من الوقت في مصر، وجزءًا في الخليج حسب ظروف العمل، لكن مريم قالت إنها مش مستعدة تسيب شغلها ومشروعها. بعد نقاش طويل، اتفقوا إنهم يعيشوا في مصر في البداية، وإن الشيخ يدير أعماله من خلال سفرات محددة، وإن مريم تفضل مكملة شغلها ومشروعها، وإن أي انتقال مستقبلي يتناقشوا فيه مع بعض. نورة دعمت القرار، وقالت أنا مش عايزة ابني يتجوز عشان ياخد مراته ويبعدها عن حياتها. أنا عايزاه يبني معاها حياة جديدة تناسبهم هم الاتنين. أم مريم مسكت إيدها وقالت ربنا يبارك فيكي. أنا كنت خاېفة من فرق الظروف، لكن كلامك ريحني. نورة ابتسمت. الظروف ممكن تختلف، لكن الاحترام لازم يكون واحد. بعد الزيارة، بدأت ترتيبات الخطوبة. الشيخ كان عايز يعمل حفل كبير في أحد الفنادق الفخمة، لكن لما سأل مريم عن رأيها، قالت أنا نفسي في حفلة بسيطة، فيها أهلنا والناس اللي بنحبهم، مش حفلة كل الناس فيها جاية تتفرج علينا. الشيخ وافق من غير نقاش. اتفقوا على حفل صغير في حديقة جميلة، فيها زينة بسيطة وأضواء دافئة، وحضر أهلهم وأصدقاؤهم المقربون. مريم لبست فستانًا أنيقًا بلون هادئ، وكانت جميلة بشكل طبيعي، والشيخ وقف قدامها وهو مش قادر يخفي ابتسامته. لما قرب منها، قال بصوت منخفض عارفة إنك أول واحدة تخليني أستنى مناسبة بفارغ الصبر؟ مريم ضحكت. وأنت أول واحد يخليني أوافق على مقابلة شخص أكتر من مرة من غير ما أزهق. الشيخ حط إيده على قلبه وقال ده أعظم إنجاز في حياتي. ضحكت، وبعدها بصت له بجدية. بس لسه عندك امتحانات كتير. أنا مستعد. وبين الضحك والتهاني، حسوا إنهم بيبدأوا حياة جديدة فعلًا، من غير وعود مستحيلة، لكن باتفاق واضح إن كل واحد فيهم هيفضل يحترم التاني. بعد الخطوبة، مريم بدأت تشتغل بجد على مشروعها، وخصصت جزءًا من مرتبها للادخار، وقدمت على برنامج دعم للمشروعات الصغيرة. الشيخ ساعدها في مراجعة الخطة، لكنه ما دخلش شريكًا فيها، وما قدمش لها تمويلًا خاصًا. ولما اتقبلت في البرنامج، كانت فرحتها أكبر من أي هدية ممكن يقدمها لها. قالت له أنا كنت خاېفة أكون مش هقدر أعمل حاجة لوحدي، لكن دلوقتي حاسة إني أقدر أبدأ. الشيخ رد إنتي كنتي تقدري من زمان. كل اللي كنتي محتاجاه فرصة عادلة. بدأ المشروع بفريق صغير من ثلاثة أشخاص، واستأجرت مريم مكتبًا متواضعًا، واشترت أجهزة مستعملة بحالة جيدة، وبدأت تتعامل مع المحال الصغيرة في منطقتها. كانت بتعرف أصحاب المحلات بنفسها، وتشرح لهم طريقة العمل، وتسمع مشاكلهم، وتعدل نظام التوصيل حسب احتياجاتهم. في البداية، واجهت صعوبات كتير. مرة تأخر أحد المندوبين في تسليم طلبات بسبب عطل في الموتوسيكل، ومرة زبون رفض يدفع قيمة طلب وصل له سليم، ومرة أحد المحال اشتكى من تأخر التحويلات. لكن مريم كانت بتتعامل مع كل مشكلة باعتبارها درسًا، وتراجع الإجراءات، وتتعلم من أخطائها. الشيخ كان بيتابع تقدمها باهتمام، لكنه ما كانش بيتدخل إلا لما تطلب رأيه. وفي يوم، اتصلت به وهي متوترة. عندي مشكلة كبيرة. الشيخ وقف من مكانه. إيه اللي حصل؟ أحد المحال الكبيرة عايز يلغي التعاقد، وبيقول إن حجم الطلبات عندنا مش كفاية. الشيخ سألها إنتي شايفة إن عنده حق؟ مريم سكتت. جزئيًا. إحنا لسه صغيرين، ومش قادرين نوفر نفس عدد المندوبين اللي عند الشركات الكبيرة. الشيخ قال طيب، بدل ما تحاولي تثبتي إنك أكبر من حجمك، قدمي له خطة واقعية. قولي له إيه اللي تقدري توفريه دلوقتي، وإيه اللي تقدري توصلي له خلال ست شهور. مريم فكرت في الكلام، وبعدها قالت يعني ما أحاولش أكبر بسرعة عشان أرضيه؟ بالضبط. النمو السريع من غير أساس ممكن يوقع المشروع كله. مريم ابتسمت. شكرًا. هراجع الأرقام وأكلمه بكرة. وبالفعل، قدمت خطة واضحة، واتفقوا على فترة تجريبية بدل إلغاء التعاقد. بعد شهور، المشروع بدأ يحقق أرباحًا بسيطة، لكن ثابتة، وبدأت مريم توظف شبابًا وبنات من منطقتها، وتحرص على إن ساعات العمل والأجور تكون واضحة، وإن أي مندوب يتعرض لمشكلة يلاقي حد يسمعه. ومع الوقت، اسم المشروع انتشر في المنطقة، وبقى أصحاب المحال يرشحوا بعضهم لبعض. وفي يوم، الشيخ زار المكتب لأول مرة بعد ما مريم دعته بنفسها. دخل المكان، وشاف فريق العمل بيتحرك بسرعة، ومريم واقفة قدام لوحة كبيرة عليها خطة التوصيل اليومية. أول ما شافته، قالت أهلًا بالضيف الكريم. ممنوع الدخول من غير تسجيل. الشيخ ضحك. يعني حتى أنا؟ مريم أشارت للوحة. خصوصًا إنت. لازم تعرف إن النظام عندنا فوق الجميع. رفع إيده باستسلام، وبدأ يسجل اسمه في دفتر الزوار. الفريق كله ضحك، ومريم حست بسعادة كبيرة. بعد ما خلصوا الجولة، وقفوا في المكتب الصغير اللي بقت تعتبره عالمها الخاص. الشيخ بص حواليه وقال أنا فخور بيكي يا مريم. مريم ابتسمت، لكن المرة دي ما كانتش محتاجة تسمع الكلام عشان تصدقه. وأنا فخورة بنفسي. الشيخ بص لها بحنان. وده أهم شيء. لكن مع اقتراب موعد الجواز، ظهرت مشكلة جديدة. كبير العيلة في الخليج طلب إن حفل الزواج يتعمل في القصر العائلي، بحضور كبار الشخصيات، واعتبر إن ده واجب اجتماعي ما ينفعش يتأجل. مريم لما عرفت، اتوترت. هي ما كانتش ضد السفر أو مقابلة عيلة الشيخ، لكنها ما كانتش مستعدة تتحول لحكاية تتناقلها المجالس، ولا تحس إنها داخلة امتحان أمام مئات الناس. قالت له أنا مش هقدر أعمل فرح كبير بالشكل ده. الشيخ رد أنا عارف، وعشان كده هنحاول نوصل لحل يناسبنا. لكن لما اتصل بكبير العيلة، لقى اعتراضًا شديدًا. يا ولدي، الزواج ده مش موضوع خاص بيك وبس. إنت من عيلة كبيرة، ولازم نحافظ على التقاليد. الشيخ قال أنا بحترم التقاليد، لكن مريم ليها حق تختار شكل فرحها. كبير العيلة رد ما حدش بيمنعها تختار، لكن فيه أمور أكبر من رغبات الأفراد. الشيخ سكت، وبعدها قال لو كان المطلوب إنها تتنازل عن راحتها عشان الناس، يبقى لازم نراجع معنى التقاليد دي. أنهى المكالمة وهو عارف إن المواجهة دي مش هتكون سهلة. مريم لاحظت إنه متضايق، فسألته. حكى لها كل اللي حصل، وبعدها قال أنا مش هطلب منك تعملي حاجة مش عايزاها. لكن لازم أكون صريح معاكي، الموضوع ممكن يعمل خلافات كبيرة في العيلة. مريم فضلت ساكتة شوية، وبعدها قالت أنا مش عايزة أبعدك عن أهلك. وفي نفس الوقت، مش عايزة أبدأ حياتي وأنا حاسة إني مجبرة على حاجة. الشيخ مسك إيديها وقال مش هتكوني مجبرة على حاجة. في اليوم التالي، نورة اتصلت بمريم بنفسها، وقالت لها يا بنتي، أنا عايزة أتكلم معاكي في موضوع الفرح. مريم اتوترت. اتفضلي يا طنط. نورة قالت أنا عارفة إنك مش مرتاحة لفكرة الحفل الكبير، وأنا مش هضغط عليكي. لكن ممكن نفكر في حل وسط؟ نعمل حفل عائلي بسيط في مصر، وبعده لقاء صغير في الخليج للعيلة القريبة، من غير مظاهر كبيرة ولا ضيوف إنتي مش مرتاحة لوجودهم. مريم فكرت شوية. أنا ممكن أوافق على لقاء عائلي صغير، لو فعلًا هيكون بسيط، ومش هيتحول لحفل رسمي كبير. نورة ابتسمت. وعد مني. وأنا هتكلم مع كبير العيلة بنفسي. وبالفعل، نورة اتكلمت مع كبير العيلة، وشرحت له إن الإصرار على الحفل الكبير ممكن يسبب توترًا بين العروسين قبل ما يبدأ زواجهما. كبير العيلة اعترض في البداية، لكنه لما سمع منها إن الشيخ مستعد يتحمل المسؤولية كاملة، وافق في النهاية على حل وسط. مريم ارتاحت، وحست إن نورة مش مجرد والدة الشيخ، لكنها بقت شخصًا تثق فيه. وفي الأيام اللي سبقت الزواج، مريم كانت بتجهز بيتها الجديد، وبتختار كل تفصيلة بنفسها. الشيخ عرض عليها إنهم يشتروا قصرًا أكبر، لكنها رفضت. أنا مش عايزة أعيش في مكان محتاجة فيه خريطة عشان أوصل للمطبخ. الشيخ ضحك. طب نختار بيتًا واسعًا، لكن مش كبير زيادة؟ مريم ابتسمت. بالضبط. بيت فيه مكان لشغلي، ومكان ليك، وحديقة صغيرة، ومطبخ أقدر أطبخ فيه من غير ما أحتاج فريق كامل. الشيخ رد اتفقنا. اختاروا بيتًا هادئًا في القاهرة، بعيدًا عن الزحمة، لكنه قريب من مكتب مريم ومن الأماكن اللي بيحتاج الشيخ يروحها. كان فيه حديقة صغيرة، وغرفة واسعة خصصتها مريم لمشروعها، ومكتبة كبيرة اختار الشيخ كتبها بنفسه. أما المطبخ، فكان على ذوق مريم تمامًا. ولما دخلوا البيت لأول مرة بعد تجهيزاته، مريم وقفت في منتصف الصالة، وبصت حواليها. أنا مش مصدقة إن ده بقى بيتنا. الشيخ وقف جنبها وقال وأنا مش مصدق إنك وافقتي تتجوزيني أصلًا. ضحكت وضړبته بخفة على كتفه. لسه ممكن أغير رأيي. الشيخ حط إيده على قلبه. حرام عليكي، قلبي مش مستحمل. ضحكوا، وبعدها وقفوا لحظة في صمت جميل. مريم بصت له وقالت عارف أكتر حاجة بتخوفني؟ الشيخ رد إيه؟ إني أكون سعيدة دلوقتي، وبعد كده كل حاجة تتغير. أنا اتعودت إن أي حاجة حلوة في حياتي لازم بعدها تحصل مشكلة. الشيخ ما قالش لها إن المشاكل مش هتحصل، ولا وعدها إن حياتهم هتكون مثالية. اكتفى إنه مسك إيديها وقال أنا مش هقدر أضمنلك إن الحياة مش هتتغير، لكن أقدر أضمنلك إني مش هخليكي تواجهِي أي مشكلة بيننا لوحدك. ولو اختلفنا، هنتكلم. ولو غلطت، هعتذر. ولو إنتي غلطتي، هنتفاهم. ومش هسمح إن خوفنا من المستقبل يسرق مننا فرحتنا بالنهارده. مريم حسّت إن الكلام ده أصدق من أي وعد كبير سمعته قبل كده. قربت منه، وحضنته، وقالت أنا هحاول أصدقك. هو ضمھا برفق وقال وأنا هحاول كل يوم أكون قد ثقتك. وجاء يوم الزواج. كان الحفل بسيطًا، وسط أهلهم وأصدقائهم المقربين، والزينة كانت هادئة، والموسيقى منخفضة، والناس اللي حضروا كانوا جايين يفرحوا بيهم فعلًا. مريم كانت واقفة جنب أمها، لابسة فستانًا أنيقًا، وملامحها فيها مزيج من السعادة والتوتر. أمها عدلت لها الطرحة وقالت ربنا يفرح قلبك يا بنتي، ويعوضك

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *