الشيخ الخليجي وعامله الدليفري انجي الخطيب

بتردد طب وأخويا يا فندم؟ أنا مش هقدر أسيبه هنا لوحده. الضابط رد بهدوء أخوكي يقدر ييجي معاكي، ومامتك موجودة فين؟ مريم نزلت عينيها وقالت ماما عند خالتي من الصبح، كانت رايحة تساعدها عشان تعبانة. عبد الرحمن قرب منها، ومد إيده كأنه عايز يطبطب عليها، لكنه وقف قبل ما يلمسها، وكأنه أخيرًا بدأ يستوعب إن بنته بقت پتخاف من أي حركة مفاجئة. أنا هاجي معاكي يا بنتي. مريم بصت له بعينين مليانين ۏجع. خليك مع كريم يا بابا، هو محتاجك أكتر مني دلوقتي. عبد الرحمن اتكسر من جوه، لأنه فهم إن بنته مش بترفض وجوده لمجرد الڠضب، لكنها وصلت لمرحلة بقت مش عارفة تثق فيه، حتى وهو بيحاول يصلح اللي اتكسر. الشيخ الخليجي كان واقف على جنب، ساكت، ومش عارف يتدخل ولا يسيبهم يتعاملوا مع الموقف بنفسهم. هو طول عمره متعود إن أي مشكلة قدامه تتحل بقرار واحد، وإن الناس تتحرك بمجرد ما يتكلم، لكن مريم كانت مختلفة. دي بنت لو عرض عليها إنه يحل كل مشاكلها في ثانية، ممكن ترفض لمجرد إنها مش عايزة تحس إنها فقدت استقلالها. ولما فرد الشرطة قرب منها عشان يساعدها تنزل السلم، لاحظ الشيخ إنها بتعرج بشكل بسيط، فاتقدم خطوة وقال لو تسمحي، أقدر أوصلك للمستشفى. مريم رفعت عينيها له وقالت بوضوح شكرًا، بس أنا هروح مع الشرطة. هز راسه فورًا. تمام. ما حاولش يقنعها، ولا سألها ليه، ولا استغل خۏفها عشان يفرض نفسه عليها. ولما خرجت من الشقة، فضّل واقف مكانه لحد ما شافها تركب عربية الشرطة، وبعدها نزل السلم وخرج للشارع. كان الليل بدأ ينزل، والناس في المنطقة اتجمعت قدام العمارة، وكل واحد بيحاول يعرف إيه اللي حصل. الشيخ تجاهل النظرات والأسئلة، وراح لعربيته، لكنه قبل ما يفتح الباب سمع صوت عبد الرحمن بينادي عليه. يا أستاذ… استنى لو سمحت. لف ناحيته، فلقاه واقف قدامه، وشه شاحب وعينيه مليانة دموع مكبوتة. أنا عارف إن اللي حصل النهارده ملوش أي تبرير، وعارف إنك شفت مننا حاجة ما تتشافش. بس أنا… أنا مش عارف أشكرك إزاي على اللي عملته مع بنتي. الشيخ بص له بهدوء وقال متشكرنيش. المهم إن مريم تبقى بخير. عبد الرحمن بلع ريقه بصعوبة، وبعدين قال أنا عارف إنك غريب عننا، بس ممكن أسألك سؤال؟ اتفضل. إنت تعرف مريم منين؟ الشيخ سكت لحظة، وبعدين قرر ما يكذبش. هي جابتلي طلب أكل النهارده، وكنت عايز أشوفها تاني، فعرفت عنوانها وجيت. ملامح عبد الرحمن اتغيرت، وبص له باستغراب شديد. يعني إنت جيت مخصوص عشان بنتي؟ أيوه. عبد الرحمن بص ناحية العمارة، وبعدها رجع له وقال بصوت منخفض يا ابني، مريم مش ناقصة ۏجع قلب. هي شايلة فوق طاقتها بكتير، وكل اللي حصل النهارده كفاية عليها. الكلمة الأخيرة وقفت الشيخ مكانه. يا ابني. كان عبد الرحمن بيتكلم معاه كأنه شاب عادي، مش شيخ من أسرة خليجية كبيرة، ولا رجل أعمال يقدر بكلمة منه يغير مصير ناس كتير. وده بالضبط اللي كان بيدور عليه طول الوقت من غير ما يعرف. لكن قبل ما يرد، عبد الرحمن كمل لو نيتك خير، سيبها تاخد نفسها الأول. البنت دي طول عمرها پتخاف من إنها تبقى عبء على حد، حتى وهي اللي شايلة البيت كله على كتفها. الشيخ حس إن الراجل قدامه بيحذره، وفي نفس الوقت بيطلب منه حاجة صعبة. إنه يبعد. مع إنه لأول مرة في حياته مش عايز يبعد. قال أخيرًا أنا مش هضغط عليها، ولا هطلب منها أي حاجة. وصدقني، لو لقيت إن وجودي في حياتها ممكن يضرها، هبعد من غير ما أسبب لها أي مشكلة. عبد الرحمن هز راسه بحزن، وبعدها رجع للعمارة. أما الشيخ، فركب عربيته وانطلق ناحية القصر، لكن الطريق اللي كان قطعه في ساعة تقريبًا وهو رايح، حس إنه أطول بكتير وهو راجع. لما وصل، كان محمود مدير القصر واقف عند المدخل، وأول ما شافه قرب بسرعة. حمد لله على السلامة يا سيدي. أنا كنت قلقان على حضرتك، خصوصًا إنك خرجت من غير حراسة، ومشيت من غير ما تقول هتروح فين. الشيخ نزل من العربية، واداله المفاتيح وقال محمود، من بكرة عايزك توقف موضوع البحث عن الناس بالشكل ده. اللي حصل النهارده خلاني أفهم إن مش كل حاجة ينفع أعرفها لمجرد إني عايز أعرفها. محمود بص له بدهشة. حاضر يا سيدي، بس هل فيه مشكلة حصلت؟ الشيخ مشي ناحية القصر وقال فيه حاجات كتير محتاجة تتصلح، وأولها إني أتعلم أسيب الناس تختار بنفسها. دخل أوضته، وبدل هدومه، وبعدها قعد قدام الشباك الكبير اللي بيطل على الحديقة. قدامه كانت كل مظاهر الرفاهية اللي أي إنسان ممكن يحلم بيها، لكن لأول مرة حس إن المكان واسع زيادة عن اللزوم، وإن الهدوء اللي كان بيطلبه طول عمره ممكن يتحول لوحدة تخنق. طلع موبايله، فتح التطبيق اللي طلب منه الأكل، وبص على تفاصيل الطلب، وبعدها قفله من غير ما يعمل أي حاجة. ما كانش عايز يكلمها من خلال الشركة، ولا يطلب رقمها، ولا يبعت لها هدية. كان عارف إنها لو اكتشفت إنه حاول يوصل لها من وراها مرة تانية، هتعتبر ده تجاوزًا جديدًا لحدودها. حط الموبايل على الترابيزة، وقال لنفسه لو عايزها تعرفني، لازم أديها فرصة تختار تعرفني ولا لأ. وفي نفس الوقت، كانت مريم قاعدة في المستشفى، والدكتور بيكشف على دراعها ووشها، وكريم قاعد جنبها ماسك إيديها بكل قوته. بعد ما الدكتور خلص، قال لها إن عندها كدمات محتاجة متابعة، وإن الأفضل ترتاح وتبعد عن أي احتكاك ممكن يعرضها لإصابة جديدة. مريم هزت راسها، لكن عقلها كان في مكان تاني. كانت بتفكر في الراجل الغريب اللي دخل حياتها في يوم واحد، وشافته في موقف ما كانتش تتخيل إن حد ممكن يتدخل فيه بالشجاعة دي. لكنها كانت بتفكر كمان في حاجة تانية. هو ليه جه؟ هل فعلًا كان مجرد فضول؟ ولا فيه سبب تاني هي مش فاهمه؟ كريم قطع تفكيرها وهو بيقول مريم، هو الراجل ده مين؟ بصت له باستغراب. أنهي راجل؟ اللي دخل علينا. اللي وقف قدام بابا. مريم سكتت لحظة، وبعدها قالت زبون من الشغل. كريم فتح عينيه. زبون؟ يعني إنتي متعرفيهوش؟ لأ. طب إزاي جه لحد عندنا؟ مريم تنهدت وقالت مش عارفة يا كريم، بس مش عايزة أفكر في الموضوع دلوقتي. كريم سكت شوية، وبعدها قال بصوت خاڤت أنا كنت خاېف عليكي أوي. مريم شدته لحضنها، رغم الألم اللي حست بيه في دراعها. أنا آسفة إنك شفت كل ده يا حبيبي. كريم عيط وهو بيقول أنا مش عايزك ترجعي البيت لو بابا هيفضل يعمل كده. أنا كبرت يا مريم، وهشتغل وأساعدك. مريم بعدته عنها وبصت في عينيه بجدية. إنت هتذاكر وتنجح وتدخل الكلية اللي بتحلم بيها، ودي مسؤوليتك دلوقتي. مش هسمح إنك تضيع مستقبلك عشان مشاكل الكبار. بس إنتي بتتعبي لوحدك! ابتسمت بحزن. يمكن أكون تعبت كتير، بس ده مش معناه إني هفضل تعبانة طول عمري. في اللحظة دي، موبايلها رن، وكان رقم أمها. ردت بسرعة. ألو يا ماما. جالها صوت أمها القلقان مريم، إنتي فين يا بنتي؟ أبوكي كلمني وقال إن فيه مشكلة كبيرة حصلت، وإن الشرطة جت البيت! إيه اللي حصل؟ مريم غمضت عينيها، وحاولت تتحكم في صوتها. أنا في المستشفى يا ماما. الأم شهقت. المستشفى؟! إنتي مالك؟ جرالك إيه؟ مريم سكتت ثواني، وبعدها قالت بابا ضړبني يا ماما. الصمت اللي جه بعدها كان أطول من أي كلام. وبعدين سمعت صوت أمها وهي بټعيط. يا بنتي… يا حبيبتي… أنا جاية حالًا. بعد أقل من ساعة، وصلت الأم، وأول ما شافت الكدمات على وش بنتها، حطت إيديها على بقها واڼهارت في العياط. أنا آسفة يا مريم، سامحيني يا بنتي. مريم بصت لها بتعب. إنتي بتعتذري عن إيه يا ماما؟ الأم مسكت إيديها وقالت عشان كل مرة كنت بقولك استحملي، وعشان كنت بخاف من خړاب البيت أكتر ما بخاف على وجعك. كنت فاكرة إن السكوت هيعدي المشاكل، لكن أنا كده كنت بسيبك تواجهِيها لوحدك. مريم دموعها نزلت من غير ما تحس. أنا مش زعلانة منك يا ماما. أنا بس تعبت. الأم ضمتها لحضنها وقالت مش هسيبك تاني لوحدك. مهما حصل. في اللحظة دي، مريم حسّت لأول مرة إن فيه حد من أهلها بدأ يفهمها فعلًا، مش بس بيطلب منها تتحمل. لكن اللي ما كانتش تعرفه إن اللي حصل النهارده كان مجرد بداية لسلسلة أحداث هتغير حياتها وحياة الشيخ الخليجي بشكل ما كانش أي واحد فيهم يتوقعه. في صباح اليوم التالي، الشيخ الخليجي نزل من أوضته بدري، وطلب من محمود يحضر له فطار بسيط. محمود استغرب. حضرتك مش هتفطر في الصالة الكبيرة زي كل يوم؟ لأ، عايز أفطر هنا في الحديقة. وبعد شوية، وهو قاعد على الترابيزة الصغيرة تحت شجرة الياسمين، سمع صوت محمود بيتكلم في الموبايل عند مدخل القصر. أيوه، الشركة أكدت إن المندوبة مش هتقدر تيجي النهارده… لا، أنا مش عارف التفاصيل، بس ده اللي اتقال. الشيخ رفع عينه. مين اللي مش هيقدر ييجي؟ محمود أنهى المكالمة وقال دي شركة التوصيل اللي حضرتك طلبت منها امبارح، يا سيدي. أنا كنت بطلب منهم نوقف الطلبات اللي بتيجي للقصر مؤقتًا لحد ما نرتب التعامل مع شركة تانية. الشيخ حط الفنجان على الترابيزة. ليه طلبت منهم يوقفوا التعامل؟ محمود ارتبك. أنا افتكرت إن حضرتك مش عايز حد يعرف إنك بتطلب أكل من بره، فقلت أغير الشركة وأخلص الموضوع. الشيخ اتنهد. أنا مش عايز أغير الشركة، ولا عايز حد يتضرر بسببي. رجع التعامل زي ما كان، ومن فضلك ما تتصرفش في أي حاجة تخصني من غير ما ترجعلي. حاضر يا سيدي. محمود سكت لحظة، وبعدها قال على فكرة، أنا سمعت إن فيه مشكلة حصلت في المنطقة اللي حضرتك رحتها امبارح. الشيخ بص له بحدة. إنت عرفت منين؟ أنا ما دورتش ورا حضرتك، والله. بس فيه حد من العاملين في القصر ساكن قريب من هناك، وقال إن الشرطة خدت راجل من العمارة بسبب اعتداء على بنته. الشيخ رجع بضهره للكرسي، وسأل والبنت أخبارها إيه؟ معرفش يا سيدي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *