الشيخ الخليجي وعامله الدليفري انجي الخطيب
ونزل وهو بيبص حواليه باستغراب. كان المكان مختلف تمامًا عن العالم اللي اتعود يعيش فيه، لكن الغريب إنه ماحسش بالنفور منه، بالعكس، حس إن فيه حياة حقيقية هنا، حياة بعيدة عن الرسميات والوجوه اللي بتبتسم له لمجرد إنه شيخ من عيلة كبيرة. فتح موبايله وبص على العنوان مرة أخيرة، وبعدها مشي لحد ما وصل للبيت المقصود. كان بيت بسيط في عمارة قديمة،
وقف قدام الباب، ومد إيده عشان يخبط. لكن قبل ما صوابعه تلمس الخشب، سمع صوت صړخة جاية من جوه. حرام عليك بقى! أنا عملتلك إيه عشان تعمل فيا كده؟! الشبخ إيده اتجمدت في الهوا. وبعدها سمع صوت راجل غاضب، وصوت حاجة بتتكسر على الأرض. اخرسي! إنتي مش هتعلميني أعمل إيه في بيتي! وجاله صوت تكسير تاني، المرة دي أقوى، وبعده صوت مريم وهي بتصرخ ابعد عني! بقولك ابعد عني! ملامح الشيخ اتبدلت في لحظة. الهدوء اللي كان مسيطر عليه طول الطريق اختفى، وحل مكانه ڠضب بارد، من النوع اللي بيخلي اللي قدامه يعيد حساباته قبل ما ينطق بكلمة. قرب من الباب، وسمع صوت الراجل بيزعق بعدها سمع صوت خبطة عڼيفة اتسمع، وبعدها صوت شهقة مكتومة.
الشيخ حس إن الډم اندفع في عروقه. كان ممكن يخبط وينتظر حد يفتح له، أو يرجع يتصل بالشرطة، أو حتى يطلب مساعدة من حد في المنطقة. او يتصل بالحرس بتاعة لكن القرار اللي خدة كانت عواقبة اكبر من اللي الشيخ عملة في لحظة اندفاع لما سمع صوت مريم وهي بتستغيث
انجي_الخطيب
الشيخ الخليجي ما استناش ثانية واحدة بعد ما سمع صوت مريم وهي بتستغيث، ومد إيده لمقبض الباب وخبط عليه پعنف لدرجة إن صوت الخبط دوّى في الشقة كلها. افتح الباب حالًا! الصوت اللي جاي من جوه سكت للحظة، وبعدها الراجل صړخ پغضب مين اللي بيخبط بالطريقة دي؟ غور من هنا بدل ما أطلعلك! الشيخ قرب من الباب أكتر، وقال بنبرة هادية بشكل مخيف أنا مش هكرر كلامي تاني… افتح الباب. جاله صوت خطوات متلخبطة، وبعد ثواني الباب اتفتح پعنف، وظهر قدامه راجل في أواخر الأربعينات، جسمه ضخم نسبيًا، ووشه أحمر من العصبية، وفي إيده حزام جلدي كان لسه رافعه من شوية. الراجل بص للشيخ من فوق لتحت، واستغرب من شكله الخليجي ولبسه الأنيق، لكنه حاول يخفي ارتباكه وقال إنت مين؟ وعايز إيه؟ الشيخ ما ردش على سؤاله، لكن عينه عدّت من فوق كتفه لجوه الشقة، وهناك شاف مريم واقفة جنب الحيطة، حاطة إيديها على وشها، وشعرها منكوش، ودموعها نازلة على خدودها، وفي إيدها التانية ماسكة دراعها كأنها بتحاول تحمي نفسها من ضړبة جديدة. أول ما عينيها وقعت عليه، اتجمدت مكانها. إنت؟! قالتها بصوت مخڼوق، مش قادرة تستوعب إزاي الزبون اللي سلمته طلب الأكل من شوية واقف دلوقتي على باب بيتها. الراجل لف ناحيتها وقال بعصبية إنتي تعرفيه يا بت؟ مريم ما ردتش، لأنها كانت لسه بتحاول تستوعب اللي بيحصل، لكن الشيخ دخل خطوة لجوه، وقال بصرامة إيدك اللي بترفعها عليها دي، لو اتمدت تاني، هتتحاسب عليها. الراجل ضحك ضحكة مستفزة، ورفع دقنه بتحدي. وإنت مين بقى عشان تحاسبني؟ دي بنتي، وأنا حر فيها! الشيخ بص له نظرة خلت ضحكته تختفي بالتدريج، وقال كونها بنتك مش معناه إنها ملكك، ولا إنك تقدر تضربها وتكسر كرامتها زي ما إنت عايز. الراجل قرب منه خطوة وقال اسمع يا خواجة، إنت شكلك غريب عن المنطقة دي، وأنا مش ناقص ۏجع دماغ. اطلع بره بيتي، وإلا هخليك ټندم على اليوم اللي جيت فيه هنا. الشيخ ما اتحركش، بالعكس، خلع ساعته الفخمة وحطها في جيبه، وبعدها فك أزرار كم قميصه بهدوء. مريم، رغم خۏفها، رفعت عينيها له بقلق وقالت لو سمحت، امشي… إنت مش عارف هو ممكن يعمل إيه. بصلها الشيخ للحظة، وشاف في عينيها خوف مش عليه لوحده، لكن عليه من الراجل اللي قدامهم، وكأنها رغم كل اللي اتعرضت له لسه مش عايزة حد يتأذى بسببها. رد عليها من غير ما يبعد عينيه عن الراجل أنا مش همشي وأسيبك بالشكل ده. الراجل اڼفجر في الضحك، وبعدها مد إيده يمسك الشيخ من ياقة قميصه. إنت شكلك محتاج حد يفهمك مقامك! لكن قبل ما صوابعه توصل للقماش، الشيخ مسك معصمه وثبته في مكانه، وبحركة سريعة أبعد إيده عنه. إوعى تلمسني. الراجل اتفاجئ بقوته، وحاول يضربه بإيده التانية، لكن الشيخ تفادى الضړبة، ودفعه بعيد عنه لدرجة إنه خبط في الترابيزة الصغيرة اللي جنب الباب، فوقعت منها كوباية واتكسرت على الأرض. مريم صړخت بابا، خلاص! كفاية! لكن الراجل كان فقد أعصابه، ومد إيده ناحية الشيخ تاني، فالشيخ دفعه بعيد عنه، وقال بصوت هز الشقة أنا حذرتك! الراجل اتراجع وهو بيفرك معصمه، وبص له بكره شديد. إنت فاكر نفسك مين؟! الشيخ قرب منه، لكن المرة دي ما رفعش إيده عليه، وقال واحد مش هيسمحلك تكمل اللي بتعمله. ولو حاولت تقرب منها تاني، هبلغ الشرطة بكل اللي حصل، وهتتحاسب بالقانون. الراجل بص لمريم، وبعدين رجع بص للشيخ، وقال بسخرية الشرطة؟! إنت فاكر إنك أول واحد يهددني؟ دي بنتي، وهتفضل تحت رحمتي طول ما هي عايشة في بيتي! مريم نزلت إيديها من على وشها، وقالت بصوت مرتعش، لكن فيه ڠضب متراكم من سنين أنا مش تحت رحمتك يا بابا… أنا بنتك، وكنت نفسي تبقى سند ليا، مش أكتر واحد أخاف منه في الدنيا. الكلمات نزلت على الشقة زي الصاعقة. عبد الرحمن، اللي كان واقف في آخر الصالة، حاول يتدخل بعد ما خرج من الأوضة على صوت الخناقة، لكنه وقف مكانه لما شاف المشهد. كان راجل نحيف، وشه شاحب، وعينيه مليانة عجز وانكسار. مريم… إنتي كويسة يا بنتي؟ مريم بصت لأبوها، ودموعها زادت، لكنها ما ردتش. الشيخ لاحظ إن الراجل ده مش هو اللي كان بيضربها، وإنه واقف كأنه شايل على كتفه جبل من الهموم، لكن قبل ما يسأله، والد مريم قال بصوت مكسور أنا آسف يا بنتي… والله آسف. الراجل اللي كان بيضربها لف ناحيته وصاح إنت كمان هتفتح بوقك؟ ما إنت السبب في كل اللي إحنا فيه! دي الديون اللي غرقتنا، والورشة اللي ضاعت، والبيت اللي هيتاخد مننا، وكل ده بسببك! عبد الرحمن نزل عينيه للأرض، كأن كل كلمة بتتقال بتثبت جواه حكم هو أصلًا أصدره على نفسه من زمان. لكن الشيخ وقف بينه وبين مريم، وقال بحدة المشاكل المادية مش مبرر للعڼف، والديون مش تصريح إنك تهين أهل بيتك. الراجل بص له باحتقار، وبعدها أشار ناحية الباب. بره! مش عايز أشوف وشك هنا تاني! الشيخ طلع موبايله واتصل برقم الطوارئ، وبلغ عن اعتداء داخل المنزل، وطلب حضور الشرطة والإسعاف عشان يفحصوا إصابة مريم. الراجل أول ما سمع كلمة شرطة، اتغيرت ملامحه، وبدأ يتكلم بسرعة إنت بتعمل إيه يا مچنون؟ اقفل التليفون! دي خناقة عائلية، وملهاش دعوة بحد! الشيخ أنهى المكالمة، وحط الموبايل في جيبه، ورد ببرود كان عندك فرصة توقف، وإنت اخترت تكمل. عبد الرحمن قرب من بنته بحذر، وقال تعالي يا مريم، اقعدي شوية. لكن مريم هزت راسها، وفضلت واقفة مكانها، وعينيها على الشيخ. إنت جيت هنا ليه؟ السؤال كان بسيط، لكن الشيخ حس إنه لازم يجاوبها بصدق. كنت عايز أشوفك. مريم بصت له بذهول، وبعدها ضحكت ضحكة قصيرة موجوعة. تشوفني؟! إنت تعرفني من إمتى عشان تيجي لحد بيتي؟ إنت حتى متعرفش عني غير اسمي اللي قريته على الطلب! الشيخ سكت. كان عندها حق. هو تصرف بدافع فضوله وانجذابه الغريب ليها، من غير ما يفكر في إحساسها أو في حقها إنها تختار مين يدخل حياتها ومين يفضل بعيد عنها. مريم مسحت دموعها بطرف كمها، وقالت بوضوح أنا مش محتاجة حد ييجي ينقذني عشان بعد كده يحسسني إني مدينة له بحاجة. أنا بشتغل وبصرف على نفسي، وبحاول أحل مشاكلي بنفسي. ولو حضرتك فاكر إن عشان عندك فلوس تقدر تدخل حياة الناس بالشكل ده، فأنت غلطان. الشيخ حس إن كلامها وجعه، مش لأنها أهانته، لكن لأنها حطت قدامه حقيقة ما كانش شايفها. قال بهدوء أنا مش مستني منك حاجة، ولا ليكي عندي أي دين. وأنا آسف إني جيت من غير إذنك. بس لما سمعت صوتك بتستغيثي، مقدرتش أمشي. مريم بصت له طويلًا، وبعدها قالت كان ممكن تطلب الشرطة من بره، من غير ما تدخل نفسك في خناقة. كان ممكن، اعترف بصراحة، ويمكن ده كان التصرف الأصح. بس في اللحظة دي، خفت إن حد يتأذى قبل ما حد يوصل. لأول مرة، مريم ما لقتش رد سريع. مش لأنها سامحته، لكن لأنها شافت في عينيه إنه مش بيحاول يطلع نفسه بطل، ولا بيطلب منها تشكره. وفجأة، صوت صفارة الشرطة قطع الصمت اللي مالي الشقة. الراجل اتوتر، وبدأ يلف في المكان بعصبية، وبعدين قرب من مريم وهمس بټهديد لو فتحتي بوقك بكلمة، هتشوفي أيام سودا. الشيخ سمعه، فوقف قدامه فورًا وقال الټهديد ده كمان هيتسجل عليك. وبعد لحظات، دخل ضابط ومعاه فردين من الشرطة، وبدأوا يسألوا عن اللي حصل. الشيخ حكى اللي سمعه وشافه من أول لحظة، ومريم، بعد تردد طويل، قررت تحكي الحقيقة كاملة. ما كانتش المرة الأولى اللي والدها يعتدي عليها فيها، لكن كانت أول مرة حد يقف قدامه وما يطلبش منها تسكت عشان خاطر العيلة. ولما الضابط سألها إذا كانت عايزة تعمل محضر رسمي، مريم بصت لأبوها، وبعدين لأخوها الصغير كريم اللي كان واقف عند باب الأوضة وبيعيط في صمت. افتكرت كل مرة كانت بتخبي فيها الكدمات تحت هدومها، وكل مرة كانت بتخرج للشغل وتضحك في وش الناس وهي من جواها پتنهار، وكل مرة كانت بتقنع نفسها إن بكرة يمكن يكون أحسن. رفعت راسها أخيرًا وقالت أيوه يا فندم… عايزة أعمل محضر. عبد الرحمن غمض عينيه پألم، لكن ما اعترضش. والشيخ، لأول مرة من ساعة ما دخل الشقة، حس إن مريم بدأت تستعيد جزءًا من قوتها، وإنه مهما كان اللي هيحصل بعد كده، القرار ده لازم يفضل قرارها هي.
بعد ما الشرطة خدت أقوال الموجودين، الضابط طلب من مريم تروح المستشفى عشان تتكشف على إصابتها، لكنها بصت لأخوها كريم اللي كان واقف جنب الحيطة ورافض يسيبها، وقالت