زوجتي قضيت ١٢ ساعه حكايات ميرا

ولأول مرة منذ زمن بعيد…

 

لم أشعر أنني الرجل الذي خسر كل شيء.

 

بل الرجل الذي حوّل خسارته إلى درس، عاش بعده كل من أحبهم حياةً أفضل.بعد سنواتٍ أخرى…

 

حين رحلت نورا بهدوء، كما كانت تعيش دائمًا، امتلأ البيت بالناس.

 

جاء الجيران، والأصدقاء، وأولادها، وأحفادها.

 

كل واحد منهم كان يحمل حكاية صغيرة عنها.

 

واحد يتذكر أنها كانت ترسل له الطعام وهو طالب.

 

وأخرى تبكي لأنها كانت تزورها كل أسبوع دون أن تخبر أحدًا.

 

وحفيدتها الصغيرة كانت تضم شالها إلى صدرها وهي تقول:

 

“لسه ريحته فيها.”

 

بعد انتهاء العزاء، عدت إلى غرفتنا.

 

كانت مرتبة كما تركتها.

 

على الطاولة كتابها المفضل، ونظارتها، وكوب الشاي الذي لم تعد تشرب منه.

 

جلست على طرف السرير.

 

ولم أبكِ.

 

ابتسمت فقط.

 

وقلت بصوتٍ خافت:

 

“المرة دي أنا هعرف أكمل… زي ما علمتيني.”

 

 

—

 

مرت الشهور.

 

وفي كل يوم جمعة، كنت آخذ أحفادي إلى الحديقة نفسها التي كانت نورا تحبها.

 

نجلس تحت الشجرة الكبيرة.

 

أحكي لهم قصة جديدة.

 

لكن كل القصص كانت تنتهي بجملة واحدة.

 

“عاملوا الناس بالرحمة… لأنكم مش عارفين كل واحد شايل إيه جواه.”

 

كبر الأحفاد.

 

وصارت تلك الجملة تنتقل منهم إلى أولادهم.

 

دون أن يشعروا.

 

 

—

 

وفي عيد ميلادي الثمانين…

 

دخل أحفادي يحملون صندوقًا خشبيًا كبيرًا.

 

قالوا:

 

“افتحه يا جدو.”

 

فتحته.

 

وجدت بداخله عشرات الرسائل.

 

كل رسالة كتبها واحد منهم.

 

قرأتها واحدةً تلو الأخرى.

 

“شكراً لأنك علمتني إن الاعتذار قوة.”

 

“شكراً لأنك ما خبيتش أخطاءك.”

 

“شكراً لأنك كسرت دائرة القسوة.”

 

أما آخر رسالة…

 

فكانت من أصغر حفيدة.

 

كتبت بخطٍ متعرج:

 

> “لو الجدة نورا شايفانا من السما… أكيد مبسوطة إن العيلة كلها بقت بتحب بعض.”

 

 

 

لم أتمالك دموعي هذه المرة.

 

أغلقت الصندوق.

 

وضممته إلى صدري.

 

ورفعت بصري إلى السماء.

 

وقلت:

 

“وعدك اتحقق يا نورا.”

 

 

—

 

وبعد أيام قليلة…

 

جلست على الشرفة مع شروق الشمس.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *