حكايات بسمه السيد

بعد ما خلصوا، رجعت إيناس للبيت.

فتحت الباب.

كان هادي.

فاضي.

لكن لأول مرة ما حسيتش إن الهدوء مخيف.

دخلت أوضة النوم.

فتحت الدولاب.

شافت مكان الفستان الأحمر.

كان فاضي.

شالت هدومها ورتبتها.

ثم فتحت الشباك.

دخل هوا بارد.

وقفت قدامه.

افتكرت المطار.

افتكرت المكالمة.

افتكرت صوته وهو بيقول:

«أنا لسه في اجتماع.»

وابتسمت.

مش لأنها كانت بتضحك على نفسها.

لكن لأنها أخيرًا فهمت إن اللحظة اللي وجعتها كانت نفسها اللحظة اللي أنقذتها.

رن جرس الباب.

فتحت.

كان عامل التوصيل.

— أستاذة إيناس؟

— أيوه.

— دي ورقة من مكتب الأستاذ سامح.

أخدتها.

فتحتها.

كان فيها تأكيد إن الإجراءات القانونية المتعلقة بملكية الشقة انتهت لصالحها.

وقفت تقرأ الورقة.

وبعدين حطتها على الترابيزة.

لأول مرة من شهور، حسّت إن الأرض ثابتة تحت رجليها.

دخلت المطبخ.

عملت لنفسها كوب شاي.

وقعدت لوحدها.

الموبايل رن.

ياسر.

بصت للشاشة.

المرة دي ما حسيتش بخوف.

ولا فضول.

ولا غضب.

فقط هدوء.

رفضت المكالمة.

وبعدها حطت رقمه في قائمة التجاهل.

قامت.

قفلت النور.

وقبل ما تدخل أوضتها، بصت على البيت كله.

البيت اللي كان يومًا سبب خوفها.

وقالت بهدوء:

— من النهارده… ده بيتي أنا.

ودخلت أوضتها.

قفلت الباب.

ولأول مرة من سبع سنين…

نامت إيناس من غير ما تستنى صوت مفتاح في الباب.

ولا مكالمة.

ولا كذبة.

ولا تفسير.

نامت وهي عارفة إن بكرة، مهما كان صعب، هيبقى يوم جديد.

والأهم…

إنه هيبقى يومها هي.

مرت أسابيع طويلة بعد اليوم اللي خرجت فيه إيناس من مكتب المحامي، وهي حاسة لأول مرة إن حياتها بقت في إيدها هي.

في البداية، كانت الأيام تقيلة.

كانت تصحى الصبح وتبص ناحية مكان ياسر القديم في السرير، وبشكل تلقائي تستنى تسمع صوته وهو بيقول:

— صباح الخير.

لكن الصوت ما كانش موجود.

تفتح الدولاب، تلاقي نصه فاضي.

تدخل المطبخ، تلاقي الكوباية اللي كان بيستخدمها مكانها.

حتى الكرسي اللي كان بيقعد عليه كل ليلة فضل فترة طويلة زي ما هو.

إيناس في الأول ما قدرتش تحركه.

كانت كل حاجة بتفكرها بسبع سنين.

سبع سنين من الذكريات.

أول يوم جواز.

أول بيت.

أول خناقة.

أول سفر.

أول مرة مرض فيها ياسر وهي فضلت جنبه لحد الصبح.

أول مرة قال لها فيها:

— أنا عمري ما هخذلك.

الجملة دي بالذات كانت بتوجعها أكتر من غيرها.

لكن مع مرور الوقت، بدأت تفهم إن الإنسان مش لازم يمسح ذكرياته عشان يقدر يكمل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *