وصلت من غير ما تقولي
حماتي وصلت من غير ما تقولي عشان تشوف أحفادها، واكتشفت إن ابنها سابنا ورمانا في شقة حزينة. “أحمد عمل إيه؟”، سألت وهي وشها أصفر. أنا مردتش بدموع. حطيت قدامها وصل بإمضته بـ 400 ألف جنيه… وفي اللحظة دي فهمت إن ابنها ممكن يقف قدام قاضي.
— هو ابني عمل إيه عشان تطلعوا عايشين كده؟
الست هدى قالت الجملة دي وهي واقفة على باب شقة إيجار في عين شمس، في إيد شنطتين خضار وفي الإيد التانية تورتة. وجنبها كان عم حسين، طليقها، مهندس عسكري متقاعد مابتفارقش وشه التكشيرة من ساعة ما طلعوا سلم العمارة الضلمة.
كانوا جايين مسافرين من إسكندرية للقاهرة عشان يفاجئوا أحفادهم. أحمد، ابنهم، كان بقاله شهور بيحلفلهم إن مريم والعيال عايشين بره البيت بس عشان “البيت بيتشطب وبيتعمل فيه تصليحات”. كان بيكلمهم عن المحارة والسباكة وتأخير الصنايعية.
بس المكان هنا مكنتش ريحته نقاشة ولا تشطيب.
كانت ريحته رطوبة قديمة، وشوربة متسخنة، وتعب.
هدى بصت للممر الضيق. في جزامة العيال مفيش غير كوتشي دايب بتاع عمر، عنده تلاتاشر سنة، وجزمة بينك بتاعة ندى، سبع سنين، وجزمة كعب سودا بتاعة مريم مقشورة من قدام.
— أحمد مش عايش هنا — مريم قالتها بصوت واطي أوي — سابنا من تمان شهور.
هدى حضنت التورتة في صدرها كأنها فجأة بقت تقيلة أوي.
ورا مريم، الصالة كانت مجرد أوضة مقسومة بستارة. فيه ترابيزة بلاستيك، وبوتاجاز بيشتغل بمزاجه، وحيطة مقشرة ندى معلقة عليها رسمة بلزاق شفاف.
في الرسمة كان فيه بيت كبير، ومريم بلبس أحمر، وعمر طويل أوي، وندى بضفيرتين. وفي كورنر لوحده، بعيد عن الكل، كان باباهم مرسوم بقلم رصاص من غير أي ألوان.
التفصيلة دي كسرت السكوت.
مريم دخلت حماها وحماتها وحطت مية تسخن عشان تعمل قهوة، مع إن مكنش عندها غير كيس نسكافيه. وعلى ما هدى كانت بترص شنط الأكل على الترابيزة، حسين كان بيبص في كل ركن من غير ما ينطق كلمة. قضى عمره بيراجع خرسانات وأساسات ومباني، وفي المساء ده فهم إن البيت ممكن يتهدم من غير ما يطلع صوت.
مريم كانت بتشتغل من تمانية لخمسة محاسبة في شركة صغيرة في وسط البلد. وبالليل تعمل إقرارات ضريبية لعملاء من البيت، تراجع فواتير وشيتات إكسيل لحد ما عينيها تحرقها. بتدفع الإيجار، ومصاريف المدارس، والأكل، والمواصلات، والأدوية. بتنام قليل، وبتعيط أقل.