مطعم فخم حكايات ميرا
خيريًا صغيرًا أسسته من سنتين لمساعدة أسر محتاجة، والحساب كان بيتعامل معاه أكتر من شخص مخوّل.
سألته
هل استقبلت المؤسسة مبلغ 210 آلاف جنيه من شركتي؟
رد
حسب المستندات اللي عندي، فيه تحويل وصل فعلًا، لكن ما كانش مكتوب في بياناته إنه جاي من شركتك. كان متسجل باعتباره تسوية مستحقات من جهة تجارية.
المحامي سأله
وهل تقدر تقدم كشف حساب رسمي يوضح دخول المبلغ وخروجه، ومن كانت عنده صلاحية على الحساب؟
كريم وافق، وقال إنه هيطلب المستندات اللازمة من البنك، وإنه مستعد يتعاون في المراجعة.
بصيت له وقلت
أنا مش عايزة أظلمك، لكن لو الفلوس دي خرجت من شركتي من غير موافقتي، لازم أعرف راحت فين.
رد بجدية
وأنا عايز أعرف ده كمان. لأن لو حد استخدم حساب المؤسسة من غير علمي، فده معناه إن فيه أسر تانية ممكن تكون اتضررت من اللي حصل.
الكلام ده خلاني أفكر في احتمال ما كنتش واخدة بالي منه مش كل شخص ظهر اسمه في المستندات بالضرورة كان شريكًا في المخالفة. ممكن يكون فيه أشخاص اتستخدمت حساباتهم أو بياناتهم من غير ما يعرفوا.
لكن ده ما كانش معناه إننا هنتجاهل أي دليل.
في اليوم التالي، المحامي بدأ يراجع المستندات اللي قدمها كريم، وظهرت معلومة مهمة.
المبلغ اللي وصل للمؤسسة ما اتصرفش كله على أنشطة خيرية، زي ما كان المفروض يحصل حسب وصف التحويل.
جزء منه اتنقل بعد يومين لحساب تجاري آخر.
والحساب ده كان تابعًا لمؤسسة رفاعي للخدمات التجارية!
يعني الفلوس خرجت من شركتي، دخلت حساب مؤسسة كريم، وبعدها رجع جزء منها للمؤسسة المرتبطة بأحمد.
لكن السؤال الأساسي فضل قائمًا مين اللي أصدر التعليمات، ومين كان يعرف الغرض الحقيقي من التحويلات؟
المحامي طلب مراجعة المستندات الأصلية، وتحديد الأشخاص اللي وافقوا على كل عملية.
وفي نفس اليوم، وصلتنا رسالة من البنك تؤكد إن فيه طلبًا رسميًا لمراجعة التحويلات محل الشك، وإن أي معلومات إضافية هتتقدم من خلال الإجراءات المعتمدة.
كريم بص للمستندات، ووشه اتغير.
قال
أنا فاكر دلوقتي حاجة مهمة. قبل التحويل بأسبوع، أحمد طلب مني أوقّع على ورقة قال إنها خاصة ببرنامج دعم أسر محتاجة. أنا ما وقعتش وقتها، لأن الورقة ما كانش فيها تفاصيل كفاية.
سألته بسرعة
والورقة دي كانت معاك فين؟
رد
في مكتب المؤسسة. لكن بعد كده اختفت، وأنا افتكرت إن موظف الأرشيف نقلها مع الملفات القديمة.
يوسف اتدخل وقال
لازم نعرف إذا كانت الورقة دي هي نفسها اللي استخدمت في التحويل، ولا مستند مختلف.
المحامي دوّن المعلومة، وطلب من كريم يقدم إفادة مكتوبة بكل اللي فاكره.
لكن كريم فجأة بص لي وقال
يا منى، فيه حاجة تانية. أحمد ما كانش بيسألني عن الملف القديم علشان الفلوس بس. هو كان عايز يعرف إذا كنتِ لسه محتفظة بصورة من عقد تأسيس شركتك الأول.
سألته
وليه؟
كريم طلع من جيبه صورة قديمة، وحطها قدامي.
كانت نسخة من عقد تأسيس الشركة، لكن مش النسخة اللي أعرفها.
في النسخة دي، كان فيه ملحق إضافي بيشير إلى اتفاق تم قبل تسجيل الشركة رسميًا، وبيتكلم عن تمويل أولي من طرف ثالث.
بصيت للاسم المكتوب في الملحق.
يوسف المنشاوي.
رفعت عيني له وقلت
إنت موّلت تأسيس شركتي يا أستاذ يوسف؟
يوسف رد بسرعة
أنا قدمت مساعدة مالية لأبوكي في مشروع قديم، لكن لازم نراجع الورقة دي. أنا ما أقدرش أؤكد صحة الملحق من صورة واحدة، ولا أقدر أقول إن التمويل كان متعلقًا بشركتك الحالية.
المحامي أخذ النسخة، وطلب الاحتفاظ بيها ضمن المستندات اللي هتتراجع.
لكن كريم أضاف معلومة خلتني أرجع أفكر في كل حاجة من البداية.
قال
فيه شخص تاني كان موجود وقت توقيع الورق ده. شخص أنا شفته بعيني، وكان هو اللي جاب المستندات لأبوكي.
سألته
مين؟
كريم اتردد لحظة، وبعدها قال
والد أحمد رفاعي.
ساد الصمت في المكتب.
يوسف بص لكريم بذهول، وقال
والد أحمد كان يعرف والد منى فعلًا، لكن علاقتهم كانت مرتبطة بتعامل تجاري قديم. أنا ما كنتش أعرف إن فيه مستندات اتكتبت بالشكل ده.
حسيت إن الموضوع بقى أكبر من مجرد تحويلات مالية.
كان فيه مشروع قديم، وشراكة انتهت، ومستندات متضاربة، وأشخاص من جيلين مختلفين دخلوا في علاقات تجارية ما كنتش أعرف عنها حاجة.
لكن أهم حاجة بالنسبة لي كانت واضحة لازم نفصل بين ملكية شركتي الحالية وأي مطالبات قديمة، ونعرف إذا كان فيه حد استخدم المستندات دي بطريقة غير قانونية.
في المساء، رجعت البيت ولقيت أمي قاعدة مستنياني.
أول ما دخلت، قالت
يا منى، يوسف كلمني النهارده.
قلبي انقبض.
قال لك إيه؟
أمي طلعت ظرفًا أبيض من درجها، ومدته لي.
قال لي إنك شوفتي الوصية، وإن فيه مستندات جديدة ظهرت. وطلب مني أديكي الورقة دي، لأنها كانت مع أبوكي قبل ۏفاته.
فتحت الظرف.
كان جواه خطاب قصير بخط أبويا، ومرفق بيه إيصال استلام مبلغ مالي قديم.
قرأت الخطاب
إذا وصلت هذه الورقة إلى منى، فلتعلم أن المبلغ المذكور في الإيصال كان جزءًا من تمويل مشروع قديم، وليس حصة ملكية في أي شركة تؤسسها ابنتي مستقبلًا. وقد اتفقنا على تسويته وفق المستندات الأصلية، ولا يجوز استخدامه لإثبات أي حق في شركتها من دون اتفاق جديد وصريح منها.
قرأت الجملة الأخيرة أكتر من مرة.
لو الخطاب صحيح، فهو بيوضح موقف أبويا من التمويل القديم، لكنه لسه محتاج مراجعة مع بقية العقود.
وبينما كنت براجع الإيصال، لقيت توقيعًا على ظهره.
توقيع شخص أعرفه كويس.
توقيع أحمد رفاعي نفسه!
لكن التاريخ المكتوب على الإيصال كان قبل ما أقابل أحمد بحوالي سنة.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
إزاي أحمد وقّع على إيصال مرتبط بتمويل قديم يخص أبويا قبل ما نتعرف؟
هل كان شغال مع مؤسسة والده وقتها؟ ولا كان فيه تعامل تجاري مشترك بين العيلتين؟
ما قدرتش أعرف من الورقة وحدها.
صورت المستند وبعته للمحامي، وطلبت منه يراجع التوقيع والتاريخ وصلتهما بباقي الملف.
وبعد دقائق، اتصل بيا.
قال
يا منى، المستند ده مهم، لكن فيه حاجة لازم أقولها لك. توقيع أحمد على الإيصال القديم لا يثبت وحده إنه كان يعرفك أو يعرف شركتك المستقبلية. لكنه يثبت إن اسمه مرتبط بمعاملة تجارية قديمة تخص عائلتك، وده يستحق مراجعة دقيقة.
سألته
يعني كل اللي حصل كان مخططًا من قبل جوازنا؟
رد بحذر
لسه ما نقدرش نجزم. لازم نعرف إمتى بدأ التواصل بين أحمد وبين الأشخاص اللي ظهروا في التحويلات، وإيه اللي كان يعرفه وقتها.
قفلت المكالمة، وأنا حاسة إن الحقيقة قربت، لكنها لسه مش كاملة.
وفجأة، وصلني إشعار برسالة صوتية من رقم مجهول.
فتحتها، وسمعت صوت رجل بيقول
يا مدام منى، أنا كنت شغال في المؤسسة القديمة التابعة لوالد أحمد، وعندي نسخة من محضر اجتماع يخص والدك ويوسف المنشاوي. المحضر ده فيه اسم الشخص اللي اقترح نقل الأموال بين المؤسسات، ولو سمعتيه هتفهمي ليه كل واحد فيهم بيحاول يبعد الشبهة عن نفسه.
وبعدها أضاف
لكن لازم تعرفي إن الشخص اللي اقترح التحويلات ما كانش أحمد ولا محمود.
سكت ثواني، ثم قال الاسم.
نجلاء عبدالسلام!
فضلت باصة للموبايل، وأنا مش عارفة أصدق.
حماتي، اللي كانت قاعدة تضحك يوم ما أحمد رمى النبيذ في وشي، ممكن تكون عارفة أكتر بكتير من اللي اعترفت بيه.
لكن هل كانت هي اللي دبّرت التحويلات فعلًا؟ ولا الشخص المجهول بيحاول يورطها؟
بعتُّ الرسالة للمحامي، وطلبت منه يتأكد من هوية صاحبها قبل أي مقابلة.
وفي صباح اليوم التالي، وصلتنا رسالة رسمية من المحامي تفيد بأن نجلاء وافقت على تقديم المستندات الموجودة عندها، وأنها مستعدة للإدلاء بأقوالها بشأن الاجتماع القديم.
لكن مع الرسالة، كان فيه مرفق واحد لم نكن نتوقعه.
نسخة من محضر اجتماع مؤرخ قبل جوازي من أحمد بشهرين، ومكتوب في آخره بخط نجلاء لن يتم أي تحويل جديد قبل الحصول على موافقة منى بنفسها.
بصيت للمحامي باستغراب.
قلت
لو هي كتبت الكلام ده فعلًا، يبقى كانت عارفة إن موافقتي ضرورية. أمال ليه سكتت لما التحويلات حصلت؟
المحامي رد
ده بالضبط اللي لازم نسألها عنه. وجود العبارة ممكن يوضح إنها كانت عارفة بضرورة الموافقة، لكنه ما يثبتش وحده إنها شاركت في أي مخالفة لاحقة.
وبعدها بدقائق، وصلني اتصال من نجلاء.
قالت بصوت مبحوح
يا منى، أنا مستعدة أحكيلك كل حاجة، حتى لو ده هيضر ابني. لكن فيه حقيقة واحدة لازم تعرفيها قبل ما نبدأ.
سألتها
إيه هي؟
قالت
أنا ما كنتش صاحبة فكرة التحويلات، لكني كنت أول واحدة اكتشفت إن أحمد بدأ ينقل الفلوس من غير موافقتك وساعتها أخفيت عنك الدليل.
اتجمدت مكاني.
سألتها
وليه عملتي كده؟
ردت وهي بټعيط
لأن الدليل ما كانش بيدين أحمد لوحده كان بيثبت كمان إن شخصًا من عيلتي شارك في أول تحويل، وأنا كنت بحاول أحميه.
وبعدين قالت اسم الشخص.
وكان الاسم اللي نطقته هو نفس الاسم اللي مكتوب في الوصية القديمة، بجوار توقيع أبويا!
يتبع
المرة دي، ما اتصلتش بأحمد، وما واجهتوش.
بعثت الرسالة للمحامي، وطلبت منه يساعدني نتحقق من مصدرها قبل ما آخد أي خطوة.
لكن بعد أقل من عشر دقايق، ظهر إشعار على موبايلي.
أحمد رفاعي بيتصل بيا لأول مرة من يوم ما خرجت من بيته.
ولما رديت، ما قالش حتى ألو.
قال بصوت هادي بشكل مخيف
منى، قبل ما تسمعي أي كلام عن اللي حصل ليلة ۏفاة أبوكي، لازم تعرفي إن أبوكي بنفسه طلب مني أخفي عنك سرًا سر لو عرفتيه، ممكن يغيّر نظرتك لآخر عشر سنين من حياتك!
يتبع الجزء الجديد السر اللي أبوها أخفاه عنها عشر سنين!
فضلت ساكتة وأنا ماسكة الموبايل، بحاول أستوعب كلام أحمد.
أبويا بنفسه طلب منه يخبي عني سرًا؟
إزاي؟ وليه يختار أحمد تحديدًا، وأنا ما كنتش أعرفه وقتها غير من فترة قصيرة؟
قلت له ببرود
لو عندك حاجة تقولها، قولها قدام المحامي. أنا مش هصدق أي كلام منك من غير دليل.
ضحك ضحكة قصيرة، وقال
لسه فاكرة إن المحامي هيقدر يحميكي من كل حاجة؟ يا منى، إنتِ بتدوري في أوراق عمرها سنين، ومش عارفة إن الورقة اللي ممكن تدمرك موجودة عندك من زمان.
قلبي انقبض.
تقصد إيه؟
رد
اسألي أمك عن الدرج الخشبي اللي كان في أوضة أبوكي. الدرج اللي اتنقل بيتكم بعد ۏفاته.
وبعدها قفل الخط.
فضلت باصة للموبايل، وبعدها بصيت لأمي اللي كانت قاعدة جنبي.
ماما، إيه حكاية الدرج الخشبي اللي أحمد بيتكلم عنه؟
أمي اتوترت، وبدأت تفرك إيديها في بعض.
ده كان درج صغير بتاع أبوكي، فيه أوراق قديمة وصور. بعد ۏفاته، نقلناه مع حاجته، لكن أنا ما فتحتهوش من سنين.
سألتها
هو لسه موجود؟
هزت رأسها ببطء.
أيوه، فوق الدولاب القديم.
طلعت أجري على الأوضة، وبدأت أدور وسط الكراتين والحاجات المخزنة. وبعد حوالي عشر دقايق، لقيت الدرج تحت مجموعة من البطاطين القديمة.
كان عليه تراب كتير، والقفل بتاعه مكسور.
فتحته بحذر.
لقيت صور قديمة لأبويا، ودفتر حسابات، ومجموعة