مطعم فخم حكايات ميرا

انقبض.
يعني إيه؟
فتحت اللابتوب، وطلبت من مسؤول النظام استخراج سجل المراسلات المتاح وفق الإجراءات المعتمدة.
وبعد مراجعة الرسائل الأصلية، ظهرت رسالة تانية اتبعتت بعدها بساعتين.
كان نصها
يرجى تعليق أي إجراء مالي لحين ورود موافقة مكتوبة من صاحبة الشركة. لا يجوز اعتماد أي مستند بديل عن موافقتها.
وتحت الرسالة، كان فيه رد من أحمد
تم، هراجع الموضوع معاها بنفسي.
بصيت لسحر وقلت
إنتِ كنتِ شاكّة إن فيه حاجة غلط؟
ردت
أيوه، لأن بعض الفواتير ما كانتش متطابقة. علشان كده طلبت تعليق الإجراءات. لكن أحمد كان مسؤولًا عن تنسيق المدفوعات، وكان بيقول إن عنده موافقات إدارية منفصلة.
سألتها
وليه ما بلغتيشني مباشرة؟
نزلت عينيها وقالت
دي غلطة مني. كنت فاكرة إن الموضوع هيتحل داخليًا، وما توقعتش إنه يوصل للتحويلات دي.
ما كانش عندي دليل يثبت إنها شاركت في الاحتيال، لكن كان لازم المراجعة تكمل.
قلت لها
من هنا ورايح، أي إجراء مالي غير واضح يتوقف ويتراجع من خلال المحاسب والمحامي. ومحدش يستخدم بياناتي أو يغيّر صلاحيات الشركة من غير موافقة موثقة مني.
هزت راسها وخرجت.
ولأول مرة من بداية الأزمة، حسيت إن فيه خطوة واضحة اتعملت بدل ما أفضل أجري وراء الشكوك.
لكن المفاجأة ما انتهتش هنا.
بعد العصر، المحامي اتصل بيا وقال إن محمود أرسل له باقي الرسائل المرتبطة بالصورة.
قال
يا منى، فيه مراسلات بتوضح إن أحمد كان بيتفاوض مع مؤسسة رفاعي على تسوية مالية، وإنه طلب نسخة من التوكيل القديم. لكن لسه محتاجين نتحقق من مصدر كل مستند، ومن الشخص اللي استخدمه فعلًا.
سألته
وهل فيه حاجة بتثبت إن محمود كان مشاركًا؟
رد
فيه رسائل بتوضح إنه كان على علم ببعض التحويلات، لكنه بيقول إنه ما كانش عارف إن فيه محاولة لتعديل صلاحيات شركتك. هنحتاج نراجع كلامه مع باقي الأدلة.
ما ارتحتش لكلامه، لكن على الأقل الصورة بدأت تبقى أوضح أحمد كان بيتعامل مع المؤسسة، ومحمود كان عارف بجزء من التحويلات، وسحر كانت قد طلبت تعليق الإجراءات.
أما الشخص اللي أخد التوكيل الأصلي، فهويته لسه مجهولة.
وفي المساء، وصلني اتصال من نجلاء.
رديت من غير ما أتكلم.
قالت بصوت متعب
يا منى، عارفة إنك مش عايزة تسمعي صوتي، ومعاكي حق. أنا شاركت في إخفاء معلومات عنك، وكنت فاكرة إني بحمي ابني.
قلت لها ببرود
إنتِ ضحكتي وأنا بيتحدف عليّا النبيذ، يا طنط نجلاء. الموضوع ما بقاش مجرد أوراق وفلوس.
سكتت لحظة، وبعدها قالت
عارفة. ومش بطلب منك تسامحيني. أنا بس عايزة أقولك إن فيه مستند عندي لازم تشوفيه. مستند يخص اجتماع حصل قبل جوازك من أحمد بشهرين.
قلبي دق بسرعة.
اجتماع بين مين ومين؟
ردت
أحمد، ومحمود، وشخص من مؤسسة رفاعي. وأنا كنت موجودة في آخر الاجتماع.
سألتها
وإيه اللي حصل فيه؟
قالت
أحمد كان بيسأل عن عقد تأسيس شركتك، وعن حدود الصلاحيات اللي يقدر يحصل عليها لو اشتغل معاكي رسميًا. وقتها أنا افتكرت إنه بيسأل علشان مستقبله معاكي، لكن بعد اللي حصل، بدأت أشك إن الموضوع كان أكبر من كده.
قفلت عيني للحظة.
وليه ما قلتيش الكلام ده من الأول؟
ردت بصوت مكسور
لأني كنت عايزة ابني يفضل في نظر الناس راجل ناجح، وكنت مستعدة أبرر له حاجات كتير. لكن اللي حصل في المطعم خلاني أفهم إني كنت بساعده يهرب من مسؤوليته.
طلبت منها تسلّم المستند للمحامي، وما نتقابلش لوحدنا.
وافقت.
تاني يوم، المحامي استلم المستند من نجلاء، وراجع تاريخه وتوقيعاته.
كان عبارة عن محضر اجتماع داخلي قديم، وفيه ملاحظات عن مشروع تجاري مشترك بين مؤسسة رفاعي ومحمود.
لكن في آخر الصفحة، كان فيه بند مكتوب بخط اليد
تُراجع إمكانية التعاون مع شركة محمود للخدمات الإدارية بعد التأكد من موافقة المالكة على أي ارتباط مالي أو إداري.
وتحت البند، توقيع أحمد.
المحامي قال
المستند ده ممكن يثبت إن موضوع التعاون كان مطروحًا قبل جوازكم، لكنه ما يثبتش لوحده إن أحمد اتجوزك علشان شركتك، ولا إن فيه اتفاق للاستيلاء عليها. لازم نربطه بباقي الأدلة.
كنت عارفة إنه عنده حق.
أنا ما كنتش عايزة أظلم حد، لكن في نفس الوقت مش هسمح لحد يستخدم اسمي أو فلوسي من غير إذني.
وقبل ما نخرج من المكتب، وصل للمحامي بريد إلكتروني جديد من الجهة المختصة بمراجعة التوكيل.
كان فيه طلب حضور رسمي لتقديم أصل المستند محل الشك، مع إخطار الأطراف المعنية بالمراجعة.
لكن المرفق الأهم كان صورة من سجل تسليم المستند القديم.
ظهر فيه اسم الشخص اللي استلم التوكيل من مكتب محمود قبل ست شهور.
قرأ المحامي الاسم، وسكت.
سألته
مين؟
رفع عينيه ناحيتي وقال
الشخص اللي استلم الورقة مش أحمد، ومش محمود، ومش نجلاء.
قربت من الشاشة.
وكان الاسم المكتوب هو
يوسف المنشاوي.
بصيت ليوسف، اللي كان حاضرًا معانا، وقلت بذهول
إنت استلمت التوكيل؟!
يوسف ما أنكرش.
قال بهدوء
أيوه، استلمت ظرفًا من مكتب محمود، لكن ما كنتش أعرف إنه يحتوي على توكيل يخص شركتك. الظرف كان فيه مستندات قديمة تخص تسوية الڼزاع، وأنا احتفظت بيه لحد ما أراجعها.
المحامي سأله
هل ما زال الظرف معك؟ وهل تقدر تقدمه للفحص؟
يوسف وافق، لكنه طلب وقتًا علشان يجيب النسخة الأصلية وكل المستندات المرتبطة بيها.
كنت باصة له وأنا بحاول أفهم.
هو اللي قال إنه بيحميني، وهو نفسه آخر شخص ظهر اسمه في سجل تسليم الورقة.
هل كان بيحاول يحافظ على حقي فعلًا، ولا كان بيخفي جزءًا من الحقيقة؟
يوسف بص لي وقال
يا منى، أنا مش هطلب منك تصدقيني. خدي المستندات وافحصيها، ولو ثبت إني أخفيت عنك حاجة تخص حقك، هتحمّل مسؤوليتي.
وبعدين أخرج من شنطته ورقة صغيرة، ومدها للمحامي.
قال
دي كانت داخل الظرف، وأنا ما فهمتش معناها وقتها.
المحامي قرأ الورقة، وبعدها بص لي بتركيز.
كانت مكتوبة بخط أبويا، ومؤرخة قبل ۏفاته بأيام.
وفيها جملة واحدة
إذا ظهر أحمد رفاعي في حياة منى، فلا تسلّموه أصل الملف قبل مراجعة الحساب الختامي للشراكة.
حسيت إن قلبي وقع.
أبويا كان عارف اسم أحمد قبل ما أتجوزه.
لكن هل كان يعرفه شخصيًا؟ وهل كان بيحذرني منه تحديدًا، ولا من تسوية مالية مرتبطة بالماضي؟
بصيت ليوسف وسألته
إنت كنت عارف إن أبويا كتب الجملة دي؟
هز راسه وقال
أيوه، لكني ما كنتش أعرف إن أحمد هيتجوزك. ولما عرفت، حاولت أتأكد من طبيعة علاقته بيكي، لكني ما تدخلتش لأن ما كانش عندي دليل على أي نية سيئة.
سألته
وملف الشراكة الأصلي فين؟
يوسف اتنهد، وبعدين قال
هنا بقى المشكلة. الملف الأصلي كان عندي، لكنه اختفى من مكتبي من حوالي شهرين. وآخر شخص دخل المكتب قبل اختفائه كان شخصًا عنده تصريح دخول مؤقت.
المحامي سأله
مين الشخص ده؟
يوسف سكت لحظة، وبعدها رد
أحمد رفاعي.
في اللحظة دي، فهمت إننا قربنا من جزء مهم من الحقيقة، لكن لسه ما نعرفش إذا كان أحمد أخذ الملف فعلًا، ولا ليه أخده، ولا إيه اللي كان عايز يخفيه.
وفجأة، وصلني إشعار على الموبايل من رقم مجهول.
كانت صورة لصفحة من ملف الشراكة المفقود، وتحتها رسالة
لو عايزة تعرفي مين المستفيد الحقيقي من التحويلات، ما تدوريش على حساب أحمد. دوري على الحساب اللي استقبل آخر دفعة، لأن صاحب الحساب ده هو الشخص الوحيد اللي ما اتسألش لحد دلوقتي.
فتحت الصورة وكبّرتها.
ظهر رقم الحساب، واسم المستفيد.
مؤسسة خيرية مسجلة باسم شخص من عائلتي.
لكن الاسم ما كانش اسم أمي، ولا محمود، ولا أحمد.
كان اسم شخص كنت فاكرة إنه بعيد تمامًا عن كل اللي بيحصل.
ابن خالتي، كريم!
ومن هنا بدأت حكاية جديدة، لأن كريم ما كانش مجرد قريب عادي ده كان الشخص اللي ساعدني أفتح شركتي في أول سنة، واللي كان عنده نسخة من أوراقي القديمة.
يا ترى كريم كان بيستقبل الفلوس لحسابه، ولا الحساب كان بيتستخدم من غير علمه؟ وهل هو طرف في اللي حصل، ولا مجرد ضحېة جديدة في سلسلة من الأسرار؟
يتبع
سألتها
وليه عملتي كده؟
ردت وهي بټعيط
لأن الدليل ما كانش بيدين أحمد لوحده كان بيثبت كمان إن شخصًا من عيلتي شارك في أول تحويل، وأنا كنت بحاول أحميه.
وبعدين قالت اسم الشخص.
وكان الاسم اللي نطقته هو نفس الاسم اللي مكتوب في الوصية القديمة، بجوار توقيع أبويا!
يتبع الجزء الجديد كريم كشف السر اللي محدش كان متوقعه!
فضلت باصة لاسم كريم على شاشة الموبايل، وأنا بحاول أفتكر آخر مرة اتكلمنا فيها.
كريم كان ابن خالتي، وأقرب واحد ليا بعد ۏفاة أبويا. هو اللي ساعدني أختار مكان أول مكتب للشركة، وكان دايمًا يقولي
يا منى، إنتِ تعبتي كتير علشان توصلي للي إنتِ فيه. أوعي تسمحي لأي حد ياخد منك تعبك.
إزاي نفس الشخص اللي كان بيشجعني أحافظ على شركتي يظهر اسمه دلوقتي في تحويلات مشپوهة؟
بصيت للمحامي وقلت
أنا مش هتهم كريم لمجرد إن اسمه ظهر في ورقة. عايزة أعرف الحساب ده تابع لمين فعلًا، ومين عنده صلاحية يستخدمه.
المحامي هز راسه وقال
وده التصرف الصحيح. اسم المستفيد وحده مش كفاية علشان نعرف مين نفّذ التحويل أو مين استفاد منه في النهاية. هنطلب مراجعة المستندات من خلال الإجراءات القانونية.
طلب مني ما أتواصلش مع أي طرف بطريقة ممكن تضر التحقيق، وبدأ يجهز طلب مراجعة التحويلات والمستندات المرتبطة بيها.
لكن قبل ما نخرج من المكتب، موبايلي رن.
كان كريم نفسه!
رديت وأنا بحاول أخفي توتري.
ألو، إزيك يا كريم؟
قال بصوته المعتاد
الحمد لله يا منى. إنتِ فين؟ بقالي يومين بحاول أكلمك، ومش بتردي.
قلت له
كنت مشغولة شوية بالشغل.
سكت لحظة، وبعدين سألني
هو فيه حاجة حصلت في الشركة؟ أحمد كلمني امبارح، وكان بيسألني عن مستندات قديمة تخص أبوكي.
قلبي دق بسرعة.
أحمد كلمه فعلًا!
سألته بهدوء
وإنت قلت له إيه؟
رد
قلت له إني ما عنديش أي مستندات تخص الشركة غير الأوراق اللي إنتِ بنفسك بعتيهالي زمان. هو كان متوتر جدًا، وقال لي إن فيه مشكلة كبيرة ممكن تحصل لو ملف قديم ظهر.
سألته
قال لك اسم الملف؟
كريم اتردد، وبعدها قال
أيوه. قال اسم يوسف المنشاوي.
بصيت للمحامي، فطلب مني أشغّل مكبر الصوت علشان يسمع الكلام بإذن كريم.
قلت لكريم
أنا محتاجة أقابلك ونتكلم في الموضوع ده، لكن في وجود المحامي.
وافق فورًا.
مفيش مشكلة. أنا مش مخبي حاجة يا منى، ومستعد أجاوب على أي سؤال.
بعد ساعتين، وصل كريم مكتب المحامي.
دخل وهو شايل ملفًا صغيرًا، ولما شاف يوسف، وقف مكانه للحظة.
يوسف بص له باستغراب وقال
إنت تعرفني؟
كريم رد
شفت حضرتك مرة من سنين في مكتب أبويا أقصد مكتب خالي، الله يرحمه. كنت صغيرة وقتها، لكن فاكر إنك كنت بتتكلم معاه عن شراكة قديمة.
يوسف أومأ برأسه.
كريم قعد قدامي، وحط الملف على الترابيزة.
قال
يا منى، أنا عرفت إن فيه تحويلات اتعملت من شركتك لحساب المؤسسة اللي اسمي مرتبط بيها. لكن لازم أوضحلك إن المؤسسة دي كانت مشروعًا

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *