يابابا
— “بابا… أرجوك ما تمشيش تاني. تيتة قفلت على دوا ماما في الدرج ده عشان ما تخفش، وقالتلي لو قلنالك.. هتطردنا في الشارع.”
الجزء الاول
— “لو البت دي ما خلصتش جبل المواعين ده هي وبنتها، مش هيدوقوا أكل النهاردة!”
أمي قالت الجملة دي وهي مش دارية إني واقف في الطرقة وراها وسامع كل كلمة.
أنا رجعت القاهرة بدري يومين عن ميعاد السفر. تدريب الشركة في إسكندرية اتلغى فجأة عشان مشكلة في المقر، وبدل ما أصلح وأقولهم، ركبت أول ميكروباص ورجعت جري على البيت عشان أعمل مفاجأة لمراتي فريدة وبنتنا الصغيرة جنى.
أنا اسمي طارق، عندي 34 سنة، ولسنين طويلة كنت فاكر إن “البر بالوالدين” معناه إني أغمض عيني وأستحمل كل حاجة. بس في اليوم ده، فهمت إن جبني وخوفي كان ليه اسم، ووش، ونتائج مرعبة.
كنا عايشين في شقة واسعة في مدينة نصر، اشتريناها أنا وفريدة بشقانا وتعبنا بعد سنين شغل. أنا شغال مدير مشاريع في شركة تكنولوجيا، وهي سابت شغلها أول ما جنى اتولدت عشان تتفرغ لها. أمي، الست كوثر، جازت تعيش معانا من حوالي سنة من طنطا، بحجة إن ركبتها تعباها وما بقتش قادرة تقعد لوحدها.
فريدة وافقت من غير ما تفكر لحظة:
— “دي أمك يا طارق، وهنا هتشيلها في عينينا.”
وأنا، عشان أستريح، غمضت عيني عن كل حاجة بدأت تتغير.
فريدة خست بشكل يخوف. بقت تلبس كم طويل في عز حر الصيف. وجنى، اللي كانت بتجري وتنط في الصالة بعرايسها، بقت تقف زي التماثيل أول ما تسمع صوت عصاية أمي بتخبط على الأرض.
ولما كنت بلاحظ وأسأل، أمي كانت بتسبق وترد:
— “مرتك دلوعة يا طارق! أصلها مابتقومش من على الكنبة فبتتعب من أقل مجهود.”
وأنا صدقت… صدقت لأن التصديق كان أسهل بكتير من المواجهة.
أول ما فتحت باب الشقة يوم الخميس ده، ضربت في وشي ريحة تقيلة.. ريحة فته، ومحشي بيتسخن، وزيت قالي، وبارفيوم حريمي مركز مع بخور. الجزم والشباشب كانت مالية المدخل. ومن الصالون كانت طالعة ضحكات عالية وصوت خبط الكبايات، وصوت أمي وهي بتتكلم وكأن الشقة ملكها لوحدها:
— “ابني محفيني ومظبطني! دايماً يقولي يا أمي أنتي ملكة والبيت بيتك.. الحمد لله مش ناقصني الهوا هنا!”
اتحركت بشويش من غير صوت.
في الصالون، كان فيه حولي 20 ست قاعدين حوالين ترابيزتين كبار. أطباق رز، ولحمة، وملوخية، وصواني بسبوسة ورموش ست مالية المكان. أمي كانت قاعدة على رأس الترابيزة بلبس أحمر قطيفة وكبير، ولابسة غوايشها الدهب ومسكة كوباية الشاي بنعناع.