المطعم كله سكت مرة واحدة، لما ابن المعلم الكبير اللي عنده 3 سنين، فضل يصرخ ويحدف الأكل ويعض أي حد يحاول يقرب منه. أبوه، اللي مراته ماتت وبقى شايل ابنه لوحده، أمر الحُراس والعمال يسكّتوه، بس محدش عرف يعمل معاه حاجة. لحد ما بنت شغالة نادلة، خاطرِت بشغلها وبحياتها، وقربت من ترابيزة أخطر معلم في القاهرة. نزلت على ركبتها جنب ليو، وقالت له كلمتين بحنية، ومدت له كباية لبن دافي. الواد سكت في لحظة، وبطل عياط كأنه كان مستنيها هي بالذات. بس اللي خلّى أبوه يتصدم بجد، هو اللي ليو عمله بإيده بعدها. كانت نجفة الكريستال الكبيرة اللي في مطعم «ليالي المعلم» بتتهز من شدة صوت العياط. مش زلزال، ولا خبط عربيات في الشارع. ده كان صوت طفل عنده تلات سنين، اسمه ليو ابن المعلم رجب المورتي. المطعم اللي في الزمالك كان مليان ناس لابسة أغلى الهدوم، ورجالة كبار قاعدين بيتكلموا في شغل تقيل، بس محدش كان قادر ينطق بكلمة. كل اللي كان مسموع هو صريخ الواد، اللي كان بيقطع القلب ويخلّي الواحد يحط إيده على ودانه. الساعة كانت تمانية بالليل، يوم الجمعة، والمطعم زحمة على آخره. صوت الملاعق وهي بتخبط في الأطباق، وضحك الزباين، وكلام الرجالة اللي بتبرم صفقات، كل ده اختفى قدام صريخ الطفل. في نص المطعم، عند الترابيزة اللي محدش يجرؤ يقرب منها، كان قاعد المعلم رجب المورتي. راجل عنده اتنين وتلاتين سنة، لابس بدلة غالية تمنها يجيب شقة لأسرة كاملة، وساعته لوحدها تمن عربية. عينيه كانت باردة، ونظرته تخوّف أي حد. المعلم رجب كان كبير عيلة المورتي، والاسم بتاعه كان كفاية يخلي رجالة كتير تنزل راسها في الأرض. كان راجل خلّص على خصومه من غير ما يرفع صوته، وخلّى ناس كتير تختفي من طريقه من غير ما حد يسأل راحت فين. بس النهارده، كان قاعد قدام ابنه ومش عارف يعمل حاجة.«ليو!» زعق بصوت واطي، بس مليان غضب. «بس يا ابني! كفاية بقى!» الواد زاد في العياط، وصرخ وهو بيهز راسه.«لأ! لأ! مش عايز!» ومسك طبق الريزوتو الغالي، ورماه على الأرض بكل قوته. الطبق اتكسر على الرخام، وصوت التكسير خلّى كل اللي قاعدين في المطعم ينطوا من مكانهم. مدير المطعم، واحد اسمه مرزوق، قرب وهو بيعرق وبيفرك إيده في بعض.«يا معلم رجب... يمكن نجيب للباشا الصغير أكلة تانية؟ يمكن تعجبه؟» رجب لف له راسه بالراحة، وبص له بصّة خلت الراجل يحس إن روحه هتطلع.«هو مش عايز أكل يا مرزوق. .. ده عايز يطلّع عيني. إنت فاكرني بعرف أتعامل مع عيل عنده تلات سنين؟!» ومرر إيده في شعره، وشدّه بعصبية. بقاله ست شهور أرمل. ست شهور من يوم ما مراته نادية ات. ت في هجوم بالرصاص، واللي كانوا عايزين يخلصوا منه هو، بس الرصاصة جت فيها. ومن يومها، ابنه ليو اتغيّر. الواد اللي كان بيضحك ويجري في البيت، بقى ساكت أغلب الوقت، ولما يفتكر أمه، يفضل يصرخ ويعيط لحد ما نفسه ينقطع. ومبقاش يعرف يقول جملة كاملة.«خدوه من هنا!» رزع رجب كلامه في وش كبير الحُراس بتوعه، راجل تخين وضخم اسمه حمدي. حمدي قرب من الواد ومد إيده.«تعالى يا باشا... تعالى معايا، نروح نتمشى شوية.» لكن أول ما حمدي حاول يشيله، ليو اتجنن. عض إيده بكل قوته، لدرجة إن الدم نزل منها. حمدي سحب إيده بسرعة، وشتم وهو بيبص على مكان العضة. رجب خبط بإيده على الترابيزة، فالكوبايات والملاعق اتهزت. «هو أنا كل اللي شغالين عندي مابيفهموش؟! حد يسكّت الواد ده، وإلا أقفل المطعم ده على اللي فيه!» المكان كله سكت. الناس عارفة إن المعلم رجب مش من النوع اللي بيهدد وخلاص. ده صاحب المكان، وصاحب نفوذ كبير، ويقدر يبوّظ حياة أي حد يقرر يقف قصاده. وفي آخر المطعم، جنب باب المطبخ، كانت واقفة بنت اسمها كلارا. كلارا عندها أربعة وعشرين سنة، لابسة مريلة المطعم، وشعرها مربوط فوق راسها في كحكة ملخبطة. وشها كان باين عليه الإرهاق، لأنها كانت شغالة ورديتين ورا بعض من غير ما تاكل وجبة عدلة. هي محتاجة الشغل ده أوي. وراها إيجار متأخر، وفواتير، وماضي بتحاول تدفــ,,ـــــنه ومحدش يعرف عنه حاجة. سارة، واحدة من النادلات، قربت منها وهمست وهي بتبص على ترابيزة المعلم.«إوعي يا كلارا... والنبي إوعي تعمليها.» كلارا بصت لها باستغراب.«أعمل إيه؟» سارة بلعت ريقها وقالت بصوت واطي: «ده المعلم رجب المورتي... جزار القاهرة. محدش بيقرب منه، ولا حد بيرفع عينه في عينه. لو رحتي هناك، ممكن ترجعي من غير شغل... وممكن ماترجعيش خالص.» كلارا فضلت تبص على ليو. الواد كان وشه أحمر من العياط، وإيده ماسكة في هدومه، وبيحاول ياخد نفسه بين كل شهقة والتانية. كلارا ما شافتش فيه عيل قليل الأدب. ولا شافت ابن معلم كبير. هي شافت طفل صغير مرعوب، موجوع، ومش عارف يقول إيه اللي جواه. شافت نظرة عينيه، وطريقة نفسه المتقطع، وعرفت الإحساس ده كويس. الإحساس اللي يخلي الواحد يعيط لحد ما صدـ,,ـــره يوجعه، ومحدش يفهم هو محتاج إيه. من غير ما ترد على سارة، كلارا لفت ناحية مكان الخدمة. أخدت كباية لبن دافي، وحطت فيها مكعب سكر واحد. وبعدين خرجت من جنب المطبخ، ومشيت ناحية الترابيزة.«إنتِ يا بنت!» مرزوق نده عليها وهو بيحاول يلحقها.«رايحة فين؟ ! ارجعي المطبخ حالًا!» كلارا سحبت دراعها من إيده، وقالت من غير ما تبص له: «سيبني يا عم مرزوق.» وكملت مشي. صوت جزمها الرخيصة وهي بتحتك بأرضية الرخام كان مسموع في المطعم كله، وسط صراخ ليو اللي كان لسه بيهز المكان. كل خطوة كانت بتقربها من أخطر ترابيزة في المطعم. الحُراس بصوا لها، وبعض الزباين حبسوا أنفاسهم. سارة حطت إيدها على بُقها، وهي مش مصدقة إن كلارا فعلًا بتقرب. كلارا وقفت قدام الترابيزة. رجب رفع عينه عليها، وإيده اتحركت ناحية الجاكيت اللي لابسُه، في المكان اللي مخبي فيه مسدسه. صوته خرج بارد، ومخيف: «إنتِ مين؟ »كلارا بلعت ريقها، وحاولت تثبت إيديها اللي كانت بتترعش، وبصت للمعلم رجب في عينه.«أنا كلارا يا معلم... شغالة هنا.» رجب ضيّق عينيه.«وأنا سألتك شغالة إيه؟» «نادلة يا معلم.» «طب وإنتِ جاية عند ترابيزتي ليه؟ مش شايفة ابني بيعمل إيه؟ ولا جاية تزودي الطين بلة؟» كلارا بصت لليو، اللي كان بيصرخ وبيخبط برجليه في الكرسي، وبعدين رجعت بصت له.«أنا جاية أجرّب حاجة، لو تسمح لي.» المطعم كله كأنه وقف يتفرج. مرزوق قرب بسرعة وقال: «يا معلم، دي بنت غلبانة ومش فاهمة، هوديها المطبخ حالًا.» رجب رفع إيده، فمرزوق سكت في مكانه.«إنتِ... بتقولي إيه؟» كلارا أخدت نفس عميق، ونزلت على ركبتها جنب كرسي ليو، من غير ما تمد إيدها عليه. الواد أول ما شافها، زاد في الصريخ، ورمى المعلقة اللي في إيده على الأرض. كلارا ما اتحركتش. ما حاولتش تمسكه. ما قالتلوش «اسكت» ولا «عيب».قعدت على الأرض قدامه، وحطت كباية اللبن على الرخام، بعيد عنه شوية. وبصوت هادي، قالت: «بص يا حبيبي... أنا مش هلمسك، والله مش هلمسك. إنت زعلان، صح؟» ليو كان بيشهق، ودموعه نازلة على خده. «ماما... ماما...» الكلمة طلعت منه متقطعة، كأنها وجع محبوس جواه. رجب اتجمد. لأول مرة من ست شهور، ابنه بينطق كلمة تخص أمه قدام حد غريب. حمدي رفع عينه للمعلم، ومرزوق حط إيده على صدـ,,ـــره. كلارا سمعت الكلمة، وقلبها اتقبــ,,ـــــض. قالت له بحنية: «إنت وحشانك ماما، يا روحي؟» ليو هز راسه بسرعة، وبدأ يعيط أكتر. كلارا حطت إيدها على قلبها، وقالت: «عارفة... عارفة يا حبيبي. مفيش حاجة توجع أكتر من إننا نوحش حد ومش نلاقيه.» رجب بص لها بنظرة غريبة، كأنه لأول مرة يسمع حد بيتكلم مع ابنه بالطريقة دي. كلارا مدّت إيدها ناحية كباية اللبن، وقربتها منه شوية، من غير ما تلمسه.«بص... ده لبن دافي. حطيت فيه سكر. مش هتجبرك تشربه، بس لو عايز، هو هنا.» ليو بص للكوباية، وبعدين بص لها. صوته بدأ يهدى. الشهقات بقت أبطأ. والمطعم كله فضل ساكت، محدش عايز يقطع اللحظة. كلارا ابتسمت ابتسامة صغيرة.«أهو كده... خد نفسك بالراحة. محدش هيزعق لك.» رجب اتحرك في كرسيه، وقال بصوت منخفض: «ليو... تعالى عند بابا.» الواد أول ما سمع صوت أبوه، لف وشه بعيد عنه وبدأ يعيط تاني. رجب شد فكه، ووشه اتغيّر. كان واضح إن الكلمة وجعته، بس ماعرفش يعمل إيه. كلارا بصت له لحظة، وقالت بهدوء: «معلش يا معلم... ممكن تسيبه ياخد نفسه شوية؟» حمدي فتح بقه من الصدمة. مرزوق تقريبًا نسي يتنفس. واحدة من الزباين همست لجوزها: «دي اتجننت؟ بتقول للمعلم رجب يسيب ابنه؟» لكن رجب ما زعقش. فضل باصص لكلارا، وبعدين بص لابنه.«اعملي اللي إنتِ شايفاه.» كلارا هزت راسها، ورجعت تركّز مع ليو.«شاطر يا حبيبي... كده أحسن. تحب تشرب شوية؟» ليو مد إيده ببطء. كلارا مسكت الكوباية، وقربتها منه، وهو شرب رشفه صغيرة. وبعدين رشفه تانية. وفجأة، سكت. سكت تمامًا. المطعم اللي كان من شوية مليان صريخ، بقى هادي بشكل مخيف. ليو نزل الكوباية من بقه، وبص لكلارا. وبعدين عمل حاجة خلت المعلم رجب يقوم من مكانه. الواد مد إيده الصغيرة ناحية كلارا، وحط كفه على خدها. وبص لها، وقال بصوت ضعيف: «ماما...» رجب حس إن الأرض بتتهز من تحته.«ليو؟» الطفل ما بصش لأبوه. فضل حاطط إيده على خد كلارا، وبدأ يمسح دموعه بإبهامه، كأنه بيطمن عليها. كلارا عينيها لمعت بالدموع، لكنها ابتسمت له.«أنا مش ماما يا حبيبي. .. بس أنا هنا.» رجب اتحرك خطوة لقدام.«ابعدي إيدك عن ابني.» صوته ماكانش عالي، لكنه كان أمر. كلارا سحبت وشها بهدوء، وقامت من على ركبتها.«حاضر يا معلم.» لكن قبل ما تبعد، ليو مسك طرف مريلتها بإيده الصغيرة. ومسك فيها جامد. كلارا بصت له. الواد بدأ يترعش، ووشه اتشد، كأنه خايف إنها تمشي.«لا... لا...» رجب وقف مكانه.«ليو، سيبها وتعالى عند بابا.» الطفل هز راسه بعنــ,,ـــــف.«لأ!» وبعدين خبّى وشه في مريلة كلارا. رجب حس بحاجة تقيلة بتضغط على صدـ,,ـــره. ست شهور وهو بيحاول يقرب من ابنه، وكل مرة كان ليو بيهرب منه، يصرخ، يضــ,,ـــــرب، ويقفل على نفسه. لكن البنت دي... في دقايق قليلة، قدرت تخليه يهدى.«خديه بعيد عني شوية»، قال رجب وهو بيبص لكلارا، «بس إوعي تخرجي من قدامي.» كلارا هزت راسها، وقعدت على الكرسي اللي جنب الترابيزة. ليو فضل ماسك في مريلتها. رجب رجع قعد، لكنه ما لمسش أكله. كان مركز في ابنه، وفي البنت اللي مش عارف هي مين. وبعد لحظات، سألها: «إنتِ عندك عيال؟» كلارا بصت له، وسكتت ثانية.«لأ يا معلم.» «طب إنتِ عرفتي تهديه إزاي؟ » كلارا نزلت عينها على ليو، اللي كان بدأ ينعس وهو ماسك فيها.«مش عارفة... يمكن عشان أنا فاهمة هو حاسس بإيه.» رجب سكت.«فاهمة إيه؟» كلارا رفعت عينيها له.«الخوف.» رجب فضل باصص لها. كلارا كملت بصوت واطي: «لما الواحد يخاف أوي، ساعات بيزعق ويضــ,,ـــــرب ويكسر، مش عشان هو وحش. .. عشان مش عارف يقول إنه موجوع.» الكلام نزل على رجب كأنه ضــ,,ـــــربة. هو كان طول الست شهور اللي فاتوا بيشوف ابنه عيل صعب، عيل مش بيسمع الكلام، عيل بيعذبه. ولا مرة فكر إن الواد ممكن يكون موجوع للدرجة دي. رجب بص على إيد ليو الصغيرة، اللي لسه ماسكة في مريلة كلارا. وبعدين سألها: «إنتِ اسمك كلارا إيه؟» «كلارا فانس يا معلم.» «ساكنة فين؟» كلارا اتوترت.«في شبرا.» «وأهلك؟» «أمي عايشة... بس تعبانة شوية. وأنا اللي بصرف عليها.» رجب سكت، وبص ناحية مرزوق. «هاتلي ملف البنت دي.» مرزوق اتخض.«حاضر يا معلم.» كلارا رفعت راسها بسرعة.«ليه يا معلم؟ أنا عملت حاجة؟» رجب بص لها ببرود.«لسه هنعرف.» قلبها وقع في رجليها. هي كانت محتاجة الشغل ده، وماكانش ناقصها مشكلة جديدة.«والله يا معلم أنا ماقصدتش أتدخل... أنا بس شفت الواد بيعيط. ..» رجب قاطعها: «أنا ماقولتش إنك غلطتي.» وبعدين بص لابنه، اللي كان غلبه النوم وهو متشبث بيها.«بس ابني من ست شهور ما نامش في حــ,,ـــــضن حد... ولا حتى حــ,,ـــــضني.» كلارا ما ردتش. رجب قام من مكانه، وراح ناحية ليو. مد إيده، وبصوت أهدى من الأول، قال: «يلا يا حبيبي... بابا هنا.» ليو فتح عينه نص فتحة، وبص له. وبعدين شد مريلة كلارا أكتر.«لأ...» رجب وقف. السكوت اللي نزل على المطعم كان تقيل. كلارا بصت لرجب، وبعدين بصت لليو.«ممكن أجرب حاجة يا معلم؟» رجب بص لها.«جربي.» كلارا قربت من ليو، وقالت له: «بص يا حبيبي... بابا مش هيبعد. إنت ممكن تمسك إيدي، وتمسك إيد بابا كمان.» ليو فضل ساكت. كلارا مدّت إيدها ناحية رجب، من غير ما تلمسه.«هات إيدك يا معلم.» رجب بص لإيدها كأنه مش مصدق اللي بيسمعه.«إيدي؟» «آه... خليه يحس إنك هنا. من غير ما تشيله غصب عنه.» رجب كان طول عمره بيأمر الناس، وماحدش يقدر يقوله يعمل إيه. لكن في اللحظة دي، قدام ابنه، مد إيده. كلارا مسكت إيد ليو الصغيرة، وحطتها في إيد أبوه. الواد اتوتر في الأول، وحاول يسحب إيده. رجب ماشدش عليه. فضل سايب إيده مفتوحة. وقال بصوت مكسور: «بابا هنا يا ليو... مش هسيبك.» الواد بص له. ثانية. اتنين. وبعدين، لأول مرة من شهور، قفل صوابعه الصغيرة على إيد أبوه. رجب أخد نفس عميق، وعينيه لمعت، لكنه حاول يخبي ده. كلارا ابتسمت ابتسامة خفيفة.«شايف يا معلم؟ هو مش محتاج غير يحس إنك معاه. » رجب رفع عينه لها. وفي اللحظة دي، تليفونه رن. رنّة واحدة. وبعدين رن تاني. رجب بص على الشاشة، ووشه اتغيّر تمامًا. الاسم اللي ظهر قدامه كان اسم واحد من رجاله المقربين. رد بصوت منخفض: «أيوه.» جاله صوت متوتر من الناحية التانية: «يا معلم... لازم تيجي البيت حالًا.» رجب قطّب حواجبه.«في إيه؟» الراجل سكت لحظة، وبعدين قال: «لقينا حاجة تخص المرحومة نادية... حاجة كانت مخبياها قبل ما تمــ,,ـــــوت.» رجب اتجمد. إيده شدت على التليفون.«إيه هي؟» الصوت التاني رد: «فيديو يا معلم... فيديو متسجل قبل الدــ,,ـــــادثة بيوم. » رجب بص ناحية ليو. وبعدين بص ناحية كلارا. اللي ماحدش كان يعرفه وقتها، إن الفيديو ده هيكشف سر يغيّر حياة رجب وابنه، وإن البنت اللي دخلت المطعم بكوباية لبن، كانت هتبقى جزء من أخطر ليلة في حياة المعلم المورتي. #حكايات_شروق_خالدرجب فضل ماسك التليفون عند ودنه، بس مابقاش سامع غير دقات قلبه.«فيديو إيه يا وائل؟ اتكلم!» صوت وائل جاله متوتر: «الفيديو فيه الست نادية، يا معلم... وكانت بتتكلم عن ليو.» رجب حس إن الدنيا ضاقت عليه.«عن ابني؟» «أيوه. وبتقول إن لو حصل لها حاجة، لازم نلاقي واحدة اسمها... كلارا.» رجب رفع عينه ببطء ناحية البنت اللي كانت قاعدة جنب ابنه. كلارا كانت بتربّت على ضهر ليو، اللي نام أخيرًا وهو ماسك في إيد أبوه. رجب ماقدرش يبعد عينه عنها.«إنت متأكد من الاسم؟» «متأكد يا معلم. كلارا فانس.» الموبايل كاد يقع من إيده. كلارا فانس. نفس الاسم اللي قالته من شوية. رجب قفل المكالمة من غير ما ينطق، وحط التليفون على الترابيزة. وبص لها.«إنتِ تعرفي مراتي؟» كلارا رفعت راسها بسرعة.«مراتك؟ لأ يا معلم، أنا عمري ما شفتها.» «متأكدة؟» «أيوه، متأكدة.» رجب قام من مكانه. الكرسي اتحرك ورا ضهره بصوت خشن، فكلارا اتخضت، وليو فتح عينه بنص وبدأ يتململ. رجب قرب منها خطوة.«بصي في عيني وقوليلي... إنتِ اسمك كامل إيه؟ » كلارا اتوترت.«كلارا فانس.» «وأمك اسمها إيه؟» السؤال ده خلّا وشها يتغير. سكتت لحظة، وبعدين قالت: «سميحة.» رجب حس إن دماغه وقفت.«سميحة إيه؟» «سميحة عبدالسلام.» حمدي، اللي كان واقف على بُعد، قرب من رجب وهمس: «يا معلم... إنت كويس؟ » رجب ما ردش عليه. فضل مركز مع كلارا، وبعدين قال: «أمك كانت بتشتغل فين زمان؟» كلارا بصت له باستغراب.«ليه الأسئلة دي كلها؟» صوته بقى أخطر: «جاوبي.» كلارا بلعت ريقها.«كانت شغالة ممرضة في مستشفى في مصر الجديدة... من زمان. وبعدها بطلت.» رجب رجع خطوة. ممرضة. سميحة. الاسم اللي كان فاكره مدفون مع أسرار مراته. قبل ست شهور، نادية كانت قالت له جملة غريبة، وهو ما اهتمش بيها وقتها: لو حصل لي حاجة، دور على سميحة... هي الوحيدة اللي تعرف الحقيقة. رجب كان فاكر إن نادية بتتكلم عن حد من أهلها. لكن دلوقتي، البنت اللي قدامه اسمها كلارا فانس، وأمها اسمها سميحة. والفيديو اللي فيه اسم كلارا موجود في بيت نادية. رجب مد إيده بسرعة ناحية حمدي.«خد ابني.» حمدي اتردد.«بس يا معلم، الواد متعلق بالبنت. » رجب بص لكلارا، وبعدين لليو.«خده بالراحة.» حمدي قرب، لكن أول ما حاول يشيل ليو، الطفل اتشبث في إيد كلارا وبدأ يصرخ.«لأ! لأ! كلارا!» رجب اتجمد. دي أول مرة ابنه ينطق اسم حد غيره من غير عياط. كلارا بصت له، وعينيها اتملت دموع.«معلش يا حبيبي... أنا هنا. » رجب رفع إيده لحمدي.«استنى.» وبعدين بص لكلارا: «إنتِ هتيجي معانا.» كلارا شهقت.«معاكم فين؟» «البيت.» «لا يا معلم، أنا عندي شغل... وأمي لوحدها.» رجب قرب منها، وصوته بقى واطي.«هتروحي لأمك، بس بعد ما نفهم إيه اللي رابطك بمراتي.» كلارا قامت بسرعة. «أنا مالي ومال مراتك؟ أنا بنت غلبانة جاية أشتغل وأرجع آخر الليل، مش فاهمة إنت بتقول إيه!» رجب ما ردش. طلع محفظته، وحط مبلغ كبير على الترابيزة. كلارا بصت للفلوس، وبعدين زقّتها ناحيته.«أنا مش باخد فلوس على حاجة معملتهاش.» لأول مرة، رجب اتفاجئ من رد حد عليه. «إنتِ فاكرة إني بشتريك؟» «أنا مش عارفة إنت فاكر إيه، بس أنا مش هروح مكان غصب عني.» حمدي حط إيده على سلاحه، لكن رجب بص له نظرة خلّته يبعد إيده فورًا. وبعدين قال لكلارا: «تمام. محدش هيجبرك. بس اسمعيني كويس... فيه حاجة حصلت لمراتي قبل ما تمــ,,ـــــوت، وممكن تكوني إنتِ مفتاحها.» كلارا فضلت ساكتة. رجب كمل: «ولو طلع إنك مالكيش علاقة، هترجعي شغلك، وهتاخدي حق الليلة دي كامل.» كلارا بصت لليو. الطفل كان بيبصلها بعينين نص نايمين، وإيده لسه ممدودة ناحيتها.«هو... هياخدني معاه؟» رجب بص لابنه. وبعدها قال: «هو مش هيرتاح غير وإنتِ معاه.» كلارا غمضت عينيها لحظة. كانت عارفة إن رفضها ممكن يضيّع عليها الشغل، وإن قبولها ممكن يودّيها لمكان هي مش فاهمة عنه حاجة. لكن لما شافت ليو بيترعش كل ما تبعد عنه، قلبها وجعها.«هروح... بس بشرط.» رجب رفع حاجبه.«شرط إيه؟» «محدش يلمسني غصب عني، ومحدش يمنعني أمشي لو حسيت إني في خطر.» رجب بص لها طويلًا.«موافق.» مرزوق قرب، وهو مش مصدق اللي بيحصل.«يا معلم... العربية جاهزة.» رجب أشار لحمدي.«خلي اتنين من الرجالة قدام، واتنين ورا. ومحدش يتكلم معاها.» كلارا أخدت شنطتها الصغيرة من جنب المطبخ، وسارة جريت عليها.«كلارا... إنتِ بتعملي إيه؟!» كلارا حاولت تبتسم.«مش عارفة يا سارة... بس لازم أعرف ليه الواد ده متعلق بيا كده.» سارة مسكت إيدها.«خدي بالك من نفسك.» كلارا هزت راسها، ومشيت ناحية الباب. وفي اللحظة اللي خرجت فيها من المطعم، رجب كان واقف جنب عربيته السودا، وليو في حــ,,ـــــضن حمدي. الواد أول ما شاف كلارا، مد إيده ناحيتها.«كلارا...» كلارا قربت منه، فمد إيده ومسك صباعها. رجب شاف المنظر، ووشه اتشد. هو كان فاكر إن ابنه فقد القدرة على التعلق بحد. لكن الطفل ده كان بيتعلق بالبنت دي كأنه يعرفها من سنين. ركبوا العربية. رجب قعد قدام، وكلارا قعدت ورا جنب ليو. حمدي كان ماسك الطفل، لكن ليو زحف ناحية كلارا، وحط راسه في حجرها. كلارا بصت لرجب من المراية.«هو كده هينام؟ » رجب رد من غير ما يلف: «من ساعة ما أمه ماتت، ما نامش غير وهو بيعيط.» كلارا سكتت. وبعد شوية، قالت: «ممكن... تشغلوا قرآن واطي؟» رجب بص لها من المراية.«ليه؟» «عشان يهدى.» رجب أشار للسواق. «شغّل.» صوت القرآن ملأ العربية بهدوء. ليو غمض عينه، وكلارا فضلت تمرر إيدها على شعره بحركة خفيفة. بعد عشر دقايق، الطفل نام. رجب كان بيراقبهم من المراية. ولأول مرة من شهور، شاف ابنه نايم من غير ما جسمه ينتفض. لكن الهدوء ماكملش. عربية بيضا ظهرت وراهم. وبعدين قربت. حمدي بص في المراية الجانبية، ووشه اتغير.«يا معلم... في عربية لازقة فينا.» رجب لف راسه. العربية البيضا كانت وراهم من أول كوبري أكتوبر. وبعد ثواني، زادت سرعتها. رجب قال للسواق: «ما تغيرش طريقك. خلي بالك.» حمدي حط إيده على سلاحه. كلارا رفعت راسها، وحست إن الجو اتبدل.«في إيه؟» رجب ما ردش. العربية البيضا قربت أكتر. وفجأة، شباكها نزل. حمدي صرخ: «انزلوا راسكم!» صوت رصاصة دوّى في الشارع. الزجاج الخلفي للعربية اتكسر، وكلارا ضمت ليو لصدـ,,ـــرها من غير تفكير. رجب لف ناحية ابنه، وصوته خرج لأول مرة مليان خوف حقيقي: «ليو!» حمدي فتح باب العربية بسرعة، وبدأ يرد على المهاجمين. السواق زوّد السرعة، والعربية اندفعت وسط الزحمة. كلارا كانت حاضنة ليو، اللي صحى مرعوب وبدأ يصرخ.«ماما! ماما!» رجب مد إيده لورا.«كلارا! انزلي تحت!» كلارا كانت بتحاول تحمي راس الطفل بجسمها. «أنا ماسكاه!» رصاصة تانية خبطت في باب العربية. ليو بدأ يختنق من العياط. كلارا قربت وشها منه، وقالت بسرعة: «بصلي يا حبيبي... خد نفسك. أنا هنا، سامعني؟ أنا هنا.» رجب كان بيبص لهم، لكن عينه لمحت حاجة غريبة. ليو، وسط الخوف والصريخ، كان ماسك في رقبة كلارا. وفجأة، قال كلمة واضحة. كلمة خلّت رجب يحس إن الدم اتسحب من جسمه.«ماما... قالتلي...» كلارا رفعت راسها. رجب قرب بجسمه ناحية الكرسي الخلفي.«قالتلك إيه يا ابني؟» ليو بص لأبوه، وعينيه مليانة دموع. وبصوت متقطع، قال: «ماما... قالتلي... كلارا هتيجي. » العربية كلها سكتت. حتى حمدي، اللي كان بيبص وراهم، لف للحظة. رجب مسك ضهر الكرسي بإيده.«إيه؟» ليو كمل وهو بيشهق: «ماما... قالت... كلارا هتحميني.» كلارا حسّت بقشعريرة في جسمها. هي عمرها ما شافت نادية. على الأقل، ده اللي كانت فاكرَاه. رجب بص لكلارا، وصوته خرج ضعيف: «إنتِ... إنتِ قابلتي مراتي قبل كده؟» كلارا هزت راسها بسرعة.«والله ما قابلتها يا معلم! أنا ماعرفهاش!» لكن ليو كان لسه بيبص لها، وبيكرر نفس الجملة.«كلارا هتحميني... ماما قالت.» رجب سكت. وفي اللحظة دي، تليفونه رن. رقم مجهول. رد، وما اتكلمش. جاله صوت راجل بارد من الناحية التانية: «لو عايز ابنك يفضل عايش، ابعد البنت دي عن بيتك.» رجب عينيه اتحولت لنــ,,ـــــار.«إنت مين؟» الصوت ضحك ضحكة قصيرة.«اسأل مراتك... لو كانت لسه عايشة. » وبعدين الخط اتقفل. رجب فضل ماسك التليفون، وعروق إيده بارزة. كلارا كانت باصة له، مش فاهمة.«يا معلم... مين ده؟» رجب رفع عينه ليها. لأول مرة، ماكانش في نظرته غضب. كان فيه خوف. وخوفه ماكانش على نفسه. كان على ابنه... وعلى البنت اللي دخلت حياته بكوباية لبن، وبقت فجأة مطلوبة من ناس مستعدين ي. وا عشان يبعدوها عنه. رجب قال للسواق: «غيّر الطريق.» حمدي بص له.«هنروح فين يا معلم؟» رجب بص قدامه، وقال بصوت حاسم: «على البيت القديم... بيت نادية.» وسكت لحظة، وبعدين أضاف: «الليلة دي هنعرف مين كلارا فانس بجد.»العربية دخلت شارع جانبي ضيق، بعيد عن الزحمة، وحمدي كان كل شوية يبص من الشباك الخلفي يتأكد إن العربية البيضا اختفت. رجب كان ساكت تمامًا، لكن عقله كان شغال زي النــ,,ـــــار. صوت الراجل اللي اتصل بيه لسه بيرن في ودنه. «اسأل مراتك... لو كانت لسه عايشة.» إيه اللي كان يقصده؟وهل نادية كانت عارفة إن كلارا هتظهر في حياة ابنها؟ولا الموضوع كله مجرد فخ؟رجب لف ناحية الكرسي الخلفي. كلارا كانت قاعدة وهي حاضنة ليو، والواد نايم على صدـ,,ـــرها، ماسك في هدومها بإيده الصغيرة. وشها كان شاحب، وعينيها مليانة خوف. قالت من غير ما تبص له: «يا معلم... أنا عايزة أفهم. مين الناس دي؟ وليه حد عايز ي. ني؟» رجب رد ببرود: «أنا اللي عايز أعرف.» «بس إنت اللي جبتني معاك! أنا كنت في شغلي، ومش عارفة أي حاجة عن مراتك ولا عن أسرارك! » «أنا عارف.» «لأ، إنت مش عارف! إنت مش عارف أنا عشت إزاي عشان أوصل للي أنا فيه. أنا مش ناقصة حد يرميني في مشكلة مش بتاعتي.» رجب فضل ساكت. كلارا كملت، وصوتها بدأ يتهز: «أنا عندي أم مريضة في البيت. لو جرالي حاجة، مين هيسأل عليها؟ مين هيجيب لها دواها؟» رجب بص لها من المراية. السؤال ده لمسه في حتة هو نفسه كان بيهرب منها. هو كمان كان عنده طفل، وكل يوم بيصحى خايف يخسره. قال بهدوء: «أمك مش هيحصل لها حاجة.» كلارا ضحكت ضحكة قصيرة مليانة مرارة. «إنت ماتقدرش تضمنلي حاجة يا معلم. إنت نفسك اتضــ,,ـــــرب عليك نــ,,ـــــار من شوية.» رجب لف وشه قدام.«عشان كده هحميكي.» «ليه؟» السؤال خرج منها بسرعة. رجب ما ردش على طول. بص لليو، وبعدين قال: «عشان ابني متعلق بيكي. وعشان حد حاول ي. ك قدامي.» كلارا سكتت، لكنها ما اقتنعتش. بعد حوالي عشرين دقيقة، العربية وقفت قدام بيت قديم في مصر الجديدة. البيت كان كبير، بس مهجور من بره، وبابه الحديد عليه طبقة تراب. رجب نزل، وحمدي فتح الباب الخلفي.«انزلي يا آنسة.» كلارا نزلت وهي شايلة ليو، لكن رجب مد إيده.«هاته.» ليو أول ما حس بإيد أبوه، فتح عينه وبدأ يتحرك بعصبية. كلارا قالت: «استنى يا معلم... سيبه يهدى الأول.» رجب وقف. بص لابنه، وبعدين سحب إيده.«خلاص.» كلارا دخلت البيت، ورجب وراها. ريحة المكان كانت غريبة، مزيج من التراب والعطر القديم. في الصالة، صور نادية كانت معلقة على الحيطان. كلارا وقفت مكانها أول ما شافت صورة كبيرة لست شابة، بتضحك وهي شايلة ليو وهو رضيع. رجب لاحظ إنها بتبص للصورة.«دي نادية.» كلارا فضلت ساكتة. كانت الصورة فيها حاجة مألوفة، بس ماعرفتش تحدد إيه. رجب قرب من الحيطة، وفتح درج صغير تحت مكتبة قديمة. طلع مفتاح نحاسي. حمدي سأله: «المفتاح ده لسه معاك يا معلم؟» رجب رد: «نادية كانت مخبياه هنا.» مشى ناحية آخر طرقة، وفتح باب أوضة مقفولة. الأوضة كانت غرفة نادية. كلارا وقفت على العتبة، مترددة تدخل. رجب دخل، وولّع النور. كل حاجة كانت زي ما هي. تسريحة عليها زجاجة برفان، شال متعلّق على الكرسي، ودفتر صغير فوق الكومودينو. رجب قرب من الدفتر، وفتحه. صفحات كتير كانت مليانة كتابة بخط نادية. قلب الصفحات بسرعة، لحد ما لقى ورقة مطوية. فتحها. في أول السطر كان مكتوب: «رجب، لو إنت بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا ماقدرتش أقولك الحقيقة.» رجب وقف يتنفس بصعوبة. كلارا قربت خطوة.«إيه ده؟» رجب ما ردش، وبدأ يقرأ.«أنا عارفة إنك هتفتكر إني خبيّت عليك، وهتكرهني. بس كنت خايفة على ليو، وخايفة عليك. فيه ناس قريبة منك مش زي ما إنت فاكر. وأنا لو اختفيت، متثقش في أي حد يقول لك إنه بيحميك.» رجب قبــ,,ـــــض على الورقة. كلارا بصت له.«مراتك كانت خايفة من حد؟» رجب كمل القراءة.«البنت اللي اسمها كلارا... لازم تلاقيها قبل ما هما يلاقوها. أمها سميحة عندها الدليل. الدليل اللي يثبت مين كان السبب في مــ,,ـــــوت أبوها.» كلارا اتجمدت.«أبويا؟» رجب رفع عينه للورقة. كلارا قربت منه، وصوتها خرج مبحوح: «إنت قلت أبويا؟» رجب بص لها.«أيوه.» كلارا هزت راسها بعنــ,,ـــــف. «لأ... لأ، أبويا مات في دــ,,ـــــادثة عربية. أمي قالت لي كده وأنا صغيرة.» رجب سألها: «اسم أبوكي إيه؟» كلارا فضلت واقفة، ووشها اتغير.«يوسف فانس.» حمدي، اللي كان واقف عند الباب، شهق.«يا معلم...» رجب بص له. حمدي قرب خطوة، وقال بصوت منخفض: «يوسف فانس... ده الاسم اللي كان موجود في ملف القضية القديمة.» رجب سكت. كلارا بصت بينهم.«قضية إيه؟! إنتوا بتتكلموا عن إيه؟!» رجب حط الورقة على الترابيزة، وبص لها بجدية.«أبوكي ما ماتش في دــ,,ـــــادثة عادية.» كلارا رجعت خطوة لورا.«إنت بتكدب. » «نادية كانت بتدور في الموضوع قبل ما تمــ,,ـــــوت.» «إنت بتكدب!» صرخت كلارا، والدموع نزلت من عينيها. «أمي قالت لي إنه مات في دــ,,ـــــادثة، وإن مفيش حاجة نقدر نعملها!» رجب حاول يقرب، لكنها رفعت إيدها.«ماتقربش!» رجب وقف مكانه. كلارا حطت إيدها على بُقها، وهي بتحاول تمنع نفسها من الانهيار. «أنا... أنا مش فاهمة حاجة.» وفجأة، ليو بدأ يعيط من بره الأوضة. كلارا لفت بسرعة ناحية الصوت.«ليو!» خرجت تجري. في الصالة، كان ليو واقف جنب حمدي، بيبص ناحية باب البيت المفتوح. والحارس اللي كان واقف عند المدخل، واقع على الأرض. الدم نازل من جبهته. حمدي سحب سلاحه.«يا معلم! حد دخل البيت!» رجب خرج من الأوضة بسرعة.«فين الباقيين؟» حمدي بص ناحية الممر.«مش عارف. الاتنين اللي كانوا بره مش بيردوا.» كلارا ضمت ليو لصدـ,,ـــرها، والواد بدأ يصرخ. رجب اتحرك ناحيتهم، لكن صوت خبط قوي جه من الدور العلوي. خبطتين. وبعدين صوت خطوات بطيئة. حمدي رفع سلاحه ناحية السلم.«مين هناك؟!» مفيش رد. رجب أشار لكلارا: «ادخلي الأوضة واقفلي الباب.» «بس إنت...» «دلوقتي!» كلارا جريت ناحية الأوضة وهي حاضنة ليو. رجب وحمدي وقفوا تحت السلم. صوت الخطوات قرب. وبعدين ظهر راجل لابس جاكت أسود، نازل بهدوء، وفي إيده فلاشة صغيرة. رجب رفع سلاحه.«ارمي اللي في إيدك.» الراجل ابتسم.«مساء الخير يا رجب.» رجب عرف الصوت. وعينيه اتسعت.«وائل؟» حمدي لف ناحية رجب بصدمة.«وائل؟!» وائل نزل آخر درجة، وحط الفلاشة على سور السلم. «كنت عارف إنك هتيجي هنا.» رجب وجه سلاحه ناحية صدـ,,ـــره.«إنت اللي اتصلت بيا؟» وائل ابتسم.«أيوه.» «إنت اللي بعت العربية ورايا؟» «لأ. بس اللي بعتها عايزين نفس اللي أنا عايزه.» رجب شد على السلاح.«اتكلم عدل، يا وائل.» وائل بص ناحية باب الأوضة اللي كلارا دخلت فيها. «البنت دي مش مجرد نادلة. وإنت عارف ده.» رجب قال: «إنت تعرفها؟» وائل ضحك ضحكة قصيرة.«أنا أعرف أبوها.» جوا الأوضة، كلارا كانت حاضنة ليو، وحاطة إيدها على بقه عشان تمنع صوته يطلع. لكن ليو كان بيبص للباب، وعينيه متعلقة بصوت الراجل اللي بره. وفجأة، همس: «عمو وائل...» كلارا اتجمدت. بصت له.«إنت تعرفه؟» ليو هز راسه.«كان بييجي عند ماما.» كلارا حسّت بقلبها بيغرق. وائل كان يعرف نادية. وكان بييجي البيت. ويمكن... كان يعرف أبوها كمان. بره، رجب قال بصوت مخيف: «إنت كنت بتدخل بيت مراتي من ورايا؟» وائل رفع إيده. «نادية هي اللي طلبت مني أساعدها.» «تساعدها في إيه؟» وائل بص ناحية الفلاشة.«في إنها تهرب ليو من الخطر اللي إنت نفسك كنت سبب فيه.» رجب عينيه اتسعت.«إنت بتقول إيه؟» وائل رد: «مراتك اكتشفت إن اللي . أبو كلارا... هو نفس الشخص اللي كان بيخطط ي. ك. » رجب سكت. وائل كمل: «والشخص ده... موجود في دايرتك من سنين.» حمدي قرب من رجب.«يا معلم، ماتسمعش كلامه. ده ممكن يكون بيحاول يوقع بينا.» لكن وائل بص لحمدي.«إنت بالذات، ماتتكلمش عن الخيانة.» حمدي اتجمد. رجب لف له ببطء.«إنت تعرفه؟» حمدي ما ردش. وائل ابتسم ابتسامة باردة. «اسأله يا رجب... اسأله كان فين ليلة مــ,,ـــــوت نادية.» الصمت نزل على البيت. رجب بص لحمدي. وحمدي لأول مرة، ماقدرش يبص في عينه. من جوه الأوضة، كلارا كانت سامعة كل كلمة. وضمت ليو أكتر لصدـ,,ـــرها. لكن قبل ما تقدر تفهم أي حاجة، صوت رجب دوّى في البيت: «حمدي... ارفع إيدك عن سلاحك.» حمدي رفع عينه ببطء. ورجب كرر بصوت أخطر: «قلت ارفع إيدك... يا خاين.»#حكايات_شروق_خالد