وكان الظلم حليفي
علياء اسامه
الفلوس اللي بتجيب بيها الأكل الشبعان ده… ريحتها عفشة أوي يا أخويا، خنقاني ومش قادر أتنفسها! نظف قرشك يا نعيم… نظف بيتك!
الشارع كله اختفى من قدام عيني. دوشة الميكروباصات، وصوت البياعين، والناس اللي ماشية تزق في بعضها… كل ده اتكتم مرة واحدة وكأني اتزرعت في مشهد من فيلم صامت. إيدي اللي كانت ماسكة إيد نصر اترخت وسقطت جنب مني زي الميتة. بصيت في عينيه… العينين الصافية البريئة اللي عمري ما شفت فيها خبث ولا لؤم، كانت بتطالعني بنظرة شفقة ورحمة موجعة، نظرة كأنها بتقول لي أنا شايف اللي أنت مخبيه عن العالم كله.
أمي بصت لي باستغراب شديد وهي بتطبطب على كتف نصر وقالت فيه إيه يا نعيم؟ مالك اتسمرت مكانك كده ليه يا بني؟ نصر قال لك إيه خلّاك اتخضيت وشك جاب ألوان كده؟
ما قدرتش أنطق. لساني اتعقد في بقي، وريقي نشف تماماً. نصر مسك إيد أمي وشدها بالراحة وهو بيبتص لي بابتسامة حزينة وقال لها يلا يا أمه… نمشي خلاص، نعيم فهم.
رجعت الشقة بجر رجلي بالعافية، كأني شايل جبل على كتفي. فتحت الباب ودخلت، لقيت مراتي سمر واقفة في الصالة بتلم الأكل والدموع في عينيها.
بصت لي بخوف ورعب لما شافت وشي أصفر زي الليمونة المعتوقة، وقالت بصوت متقطع
مالك يا نعيم؟ وشك أصفر ومخضوض ليه كده؟ حقك عليا يا ابن الناس، أنا مش زعلانة من نصر والله، ده أخوك البركة ورزقنا في الدنيا، بس أنا اتكسفت عشان الأكل اللي تعبت فيه…
قلت لها بصوت واطي ومبحوح كأنه طالع من المقابر شيلي الأكل ده يا سمر… شيلي الأكل كله وما تاكليش منه أنتِ ولا العيال… ارميه في الزبالة.
سمر اتصدمت وبصت لي بذهول ترميه؟! ارمي صينية البطاطس واللحمة اللي مكلفة الشي الفلاني؟ ليه يا نعيم؟ الأكل ماله؟
فيه حاجة بايظة وأنا مش واخدة بالي؟
ما ردتش عليها. سيبتها واقفه مذهولة ودخلت الأوضة وقفت الباب بالمفتاح عليا.
قعدت على طرف السرير، وحطيت رأسي
بين إيديا. ذكريات السنتين اللي فاتوا بدأت تتجمع قدام عيني زي الشريط السريع في سينما مهجورة.
أنا بشتغل محاسب في شركة مقاولات واستيراد كبيرة. طوال عمري شغال بلقمتي الحلال، أطلع من بيتي الصبح أرجع بالليل مش شايل غير القرش الطيب اللي طالع بفقر وعرق. بس من سنتين، مدير الحسابات القديم أخد مكافأة نهاية الخدمة ومشي، والشركة جابت مدير جديد… راجل أملس، كلامه معسول وعينيه بترمُش بسرعة كأنه بتدبّر لمصيبة.