الساعه كانت 1:17 حكايات ميرا
قال في الهاتف بصوت ثابت:
— “ليان… بصيلي.”
شهقت الطفلة.
— “أنا مش شايفاك.”
ابتسم ابتسامة خفيفة.
— “قصدي اسمعيني كويس… إنتِ شجاعة، صح؟”
هزت رأسها دون أن تنتبه أنه لا يراها.
— “آه.”
— “يبقى اعملي اللي هقولك عليه.”
— “حاضر.”
— “ادخلي الحمام… اقفلي الباب… وحطي الغسالة أو أي حاجة تقيلة قدامه.”
جرت ليان بأقصى سرعتها.
وفي الخارج…
صرخ جابر بغضب:
— “آخر مرة بقولها… افتحي!”
ثم…
كرااااش!
انكسر قفل الباب.
دخل جابر يتبعه رجلان ضخما الج/ثة.
نظروا حولهم.
الشقة صغيرة جدًا…
وصامتة.
قال أحدهم:
— “البنت كانت هنا.”
ابتسم جابر بخبث.
— “مش هتعرف تختفي.”
في تلك اللحظة…
رن هاتف جابر.
نظر إلى الشاشة.
فقط رقم خاص.
رد بضيق:
— “مين؟”
جاءه صوت هادئ للغاية.
— “ابعد عن باب الحمام.”
قطب جابر حاجبيه.
— “مين حضرتك؟”
— “الراجل اللي هيحدد إذا كنت هتخرج من العمارة دي ماشي على رجليك… ولا لأ.”
ضحك جابر بصوت عالٍ.
— “بتهددني؟”
رد آدم ببرود:
— “لا.”
صمت لثانية.
ثم قال:
— “أنا بوصفلك اللي هيحصل.”
وقبل أن يرد جابر…
سمع الجميع صوت إطارات سيارات تتوقف بعنف أسفل العمارة.
ثم تلاها عشرات الأبواب تُفتح في وقت واحد.
اقترب أحد الرجلين من الشباك.
نظر إلى الشارع…
ثم شحب وجهه.
— “يا… يا جابر.”
— “إيه؟”
أشار بيده المرتعشة إلى الخارج.
اصطف أكثر من عشر سيارات سوداء.
ونزل منها رجال يرتدون بدلات داكنة، يتحركون في صمت منظم.
لم يكن أحد منهم يحمل س/لاحًا ظاهرًا…
لكن طريقة سيرهم وحدها كانت كافية لبث الرعب.
وفي منتصفهم…
توقفت سيارة سوداء طويلة.
فتح السائق الباب بنفسه.
وترجل منها آدم المنصوري.
رفع رأسه نحو الدور الرابع.
ثم قال في سماعة أذنه:
— “خمس ثواني.”
رد مازن:
— “العمارة اتقفلت بالكامل.”
— “ولا عصفور يخرج.”
داخل الشقة…
ابتلع جابر ريقه لأول مرة.
همس:
— “مين ده؟”
اقترب أحد رجاله من النافذة أكثر…
ثم اتسعت عيناه فجأة.
قال بصوت مرتجف:
— “أنا… أنا أعرفه.”
— “مين؟”
— “ده… آدم المنصوري.”
ساد الصمت.
ثم همس الرجل بخوف:
— “إحنا وقعنا في مصيبة…”في أقل من ثلاثين ثانية…
تحول الشارع كله إلى صمت مخيف.
لا صوت سيارات…
ولا صراخ.
حتى سكان العمارة الذين أطلوا من الشرفات، عادوا إلى الداخل فورًا عندما رأوا الرجال المنتشرين عند كل مدخل ومخرج.
رفع آدم رأسه نحو الطابق الرابع.
ثم قال في جهاز الاتصال:
— “مازن.”
— “أفندم.”
— “البنت أولًا.”
— “مفهوم.”
انطلقت مجموعة من أربعة رجال نحو السلم.
بينما وقف آدم مكانه.
لم يصعد.
كان ينتظر.
في الداخل…
تراجع جابر خطوة إلى الخلف.
وقال بصوت متوتر:
— “إحنا… إحنا نمشي.”
لكن الرجل الذي كان معه هز رأسه بعنف.
— “بعد اللي عملناه؟ مستحيل.”
وفجأة…
رن هاتف جابر مرة أخرى.
نظر إلى الشاشة.
نفس الرقم.
ارتعشت يده وهو يرد.
— “أ… ألو؟”
قال آدم بهدوء:
— “كنت قلتلك… ابعد عن باب الحمام.”
ابتلع جابر ريقه.
— “إنت عايز إيه؟”
— “البنت.”
— “دي مش بنتك.”
ساد صمت قصير…
ثم جاء رد آدم ببرود جعل الدم يتجمد في عروقهم.
— “ولا بنتك.”
وفي اللحظة نفسها…
دق… دق…
لكن هذه المرة لم يكن الطرق على باب الشقة.
بل على الباب المكسور من الداخل.
قال صوت هادئ:
— “افتح يا جابر.”
تراجع الرجال جميعًا.
همس أحدهم:
— “وصلوا…”
وقبل أن يقرروا ماذا يفعلون…
انخلع الباب تمامًا.
دخل مازن أولًا.
وخلفه ثلاثة رجال.
لم يرفع أحدهم س/لاحًا.
ولم يصرخ أحد.
لكن نظراتهم وحدها كانت كافية لإسقاط أي مقاومة.
قال مازن بهدوء:
— “فين الطفلة؟”
لم يرد أحد.
نظر إلى باب الحمام المغلق.
فهم فورًا.
اقترب ببطء وطرق الباب برفق.
— “ليان…”
جاءه صوتها المرتجف:
— “عمو آدم؟”
ابتسم لأول مرة.
— “أنا مازن… وصديق عمو آدم.”
فتحت ليان الباب ببطء.
وما إن رأته حتى ارتمت تبكي.
انحنى وحملها بين ذراعيه.
وقال مطمئنًا:
— “خلاص… محدش هيقربلك.”
في تلك اللحظة…
دخل آدم بنفسه إلى الشقة.
تجمدت قدماه.
كانت الشقة بسيطة جدًا…
أثاث قديم…
كراتين نقل مبعثرة…
وحذاء صغير بجوار الباب.
لكن شيئًا واحدًا لفت نظره.
على الحائط…
صورة داخل إطار خشبي.
اقترب منها ببطء.
مد يده…
وأخذها.
كانت صورة لنورا وهي تبتسم…
وبجوارها كريم المنصوري، واضعًا يده على كتفها.
وفي أسفل الصورة…
بخط يد كريم نفسه، عبارة قصيرة:
“لو حصل لي أي حاجة… آدم هيحميكم.”
تغير وجه آدم تمامًا.
وتوقف الزمن بالنسبة إليه.
همس بصوت بالكاد سمعه مازن:
— “كنت عارف… وموصيني بيهم.”
وفي هذه اللحظة بالذات…
دخل أحد رجاله مسرعًا وهو يحمل ملفًا قديمًا وجده داخل إحدى الكراتين.
قال بقلق:
— “باشا… لازم تشوف ده حالًا.”
فتح آدم الملف…
فوجد أول صفحة تحمل عنوانًا كبيرًا:
“في حالة وفاتي أو اختفائي… يُسلَّم هذا الملف إلى أخي آدم المنصوري فقط.”
وتحت العنوان…
كانت هناك ورقة واحدة فقط.
لكن أول سطر فيها كان كافيًا ليقلب كل ما عرفه آدم خلال السنوات الخمس الماضية:
“آدم… أنا لم أمت… والذي يحاول ق*تل نورا الآن، هو نفس الشخص الذي خانني.”
يتبع…أغلق آدم الملف ببطء…
ولم ينطق بحرف.
ظل يحدق في الورقة عدة ثوانٍ، حتى لاحظ مازن أن يده، لأول مرة منذ سنوات، ترتجف.
قال بهدوء:
— “باشا… إيه اللي مكتوب؟”
رفع آدم عينيه.
ثم قرأ السطر التالي بصوت منخفض:
— “لو بتقرأ الرسالة دي… يبقى أنا فشلت في الرجوع قبل ما يوصلوا لنورا.”
سكت للحظة…
ثم أكمل:
— “أنا اخترت أختفي بإرادتي… لأن اللي خاني مش عدو من بره.”
اتسعت عينا مازن.
— “يعني…”
أكمل آدم القراءة:
— “الخيانة كانت من أقرب الناس لينا.”
ساد الصمت.
ثم قلب الصفحة.
وجد أسماءً كثيرة…
لكن اسمًا واحدًا كان محاطًا بدائرة حمراء.
نظر إليه آدم…
وشحب وجهه.
همس:
— “مستحيل…”
اقترب مازن محاولًا رؤية الاسم.
لكن آدم أغلق الملف فورًا.
— “لسه مش وقته.”
في تلك اللحظة…
خرجت ليان من خلف مازن، وهي تمسك دميتها الصغيرة.
نظرت إلى آدم بخجل.
ثم قالت:
— “حضرتك… عمو آدم؟”
انخفض آدم إلى مستواها.
ولأول مرة منذ سنوات…
ابتسم ابتسامة حقيقية.
— “أيوه.”
مدت الطفلة يدها إليه.
وفي يدها شيء صغير.
— “ده كان مع التليفون.”
أخذه منها.
كان مفتاحًا نحاسيًا قديمًا، مربوطًا بسلسلة فضية.
وعليها حرف واحد…
K
قطب آدم حاجبيه.
— “لقيتيه فين؟”
— “كان لازق بشريط من ورا التليفون.”
قلب المفتاح بين أصابعه.
ثم فتح الرسالة مرة أخرى.
وفي آخرها وجد جملة لم ينتبه لها من قبل:
“لو ليان وصلتلك التليفون… يبقى أكيد هتلاقي المفتاح. متدورش على الحقيقة قبل ما تفتح الخزنة رقم 17.”
رفع آدم رأسه بسرعة.
— “خزنة؟”
لكن الرسالة لم تذكر مكانها.
في هذه اللحظة…
رن هاتف مازن.
رد سريعًا.
ثم تغيرت ملامحه.
— “باشا… في خبر وحش.”
— “اتكلم.”
— “لقينا عربية جابر على طريق السويس.”
— “وهو فيها؟”
ابتلع مازن ريقه.
— “لأ…”
— “أمال؟”
— “العربية مفتوحة… وجابر اختفى.”
ساد الصمت.
ثم قال آدم بصوت بارد:
— “إذن… اللي كتب عنه كريم عرف إن الملف وصل ليا.”
وفي نفس اللحظة…
صدر صوت إشعار من هاتف كريم القديم.
نظر الجميع إليه.
كانت أول رسالة تصل إليه منذ خمس سنوات.
مرسلها…
رقم مجهول.
فتحها آدم ببطء.
ولم يكن فيها سوى خمس كلمات:
“متثقش في مازن… الدور الجاي عليه.”
رفع آدم عينيه ببطء نحو مازن…
الذي كان يقف أمامه، لا يعلم شيئًا عن الرسالة.
وانتهى المشهد على نظرة صامتة…
لا يعرف أحد بعدها…
من هو الخائن الحقيقي.ظل آدم يحدق في شاشة الهاتف.
“متثقش في مازن… الدور الجاي عليه.”
لم يرمش.
ولم يتغير وجهه.
لكن مازن، الذي عمل معه خمسة عشر عامًا، عرف أن شيئًا خطيرًا حدث.
قال بهدوء:
— “في مشكلة يا باشا؟”
رفع آدم رأسه.
ثم ضغط زر قفل الشاشة دون أن يريه الرسالة.
— “لا.”
كلمة واحدة.
لكنها لم تكن إجابة…
كانت اختبارًا.
بعد عشر دقائق…
كانت ليان تجلس داخل سيارة آدم، ملفوفة ببطانية، وتشرب كوبًا من الشوكولاتة الساخنة.
أما نورا…
فكانت قد وصلت تركض من المستشفى، لا تكاد تلتقط أنفاسها.
ما إن رأت باب الشقة مكسورًا…
حتى صرخت:
— “ليان!”
اندفعت إلى ابنتها تحتضنها بقوة.
أخذت تتحسس وجهها ويديها وهي تبكي.
— “إنتِ كويسة؟ عملوا فيكي حاجة؟”
هزت ليان رأسها.
ثم أشارت إلى آدم.
— “عمو هو اللي أنقذني.”
رفعت نورا عينيها لأول مرة نحوه.
وتجمدت.
كان أطول قليلًا مما تتذكر.
وشعره بدأ يغزوه الشيب عند الصدغين.
لكن العينين…
هما نفسهما.
همست وهي غير مصدقة:
— “آدم…؟”
أومأ برأسه.
— “مساء الخير يا نورا.”
اغرورقت عيناها بالدموع.
— “كنت فاكرة… إنكم نسيتونا.”
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
— “أنا أصلًا ما كنتش أعرف إنكم موجودين.”
ساد صمت ثقيل.
ثم أخرج الصورة القديمة من جيبه.
— “ليه مخبتيش إنك كنتِ مع كريم يوم اختفى؟”
ارتبكت نورا.
وتغير لون وجهها.
— “إنت… عرفت؟”
— “جاوبي.”
خفضت رأسها.
ثم قالت بصوت مكسور:
— “لأن كريم هو اللي طلب مني.”
اتسعت عينا آدم.
— “طلب منك إيه؟”
— “طلب مني أختفي.”
في السيارة…
ساد صمت كامل.
بدأت نورا تحكي.
— “قبل اختفاء كريم بيومين… قالي إن في حد قريب منه باعه.”
— “قالك مين؟”
— “لا.”
— “ليه؟”
— “قال لو عرفتي اسمه… هتبقي في خطر.”
تنهدت وهي تمسح دموعها.
— “سلمني التليفون القديم… وقال لو اختفى، ما افتحوش أبدًا إلا لو وصلت لمرحلة مفيش قدامها أي حل.”
نظر آدم إلى الهاتف في يده.
كل هذه السنوات…
كان على بعد أمتار من الحقيقة.
لكن الحقيقة كانت مدفونة داخل درج قديم.
قال بهدوء:
— “والمفتاح؟”
أخرجته نورا من جيب آدم ونظرت إليه.
ثم شهقت.
— “أنا أول مرة أشوفه.”
قطب آدم حاجبيه.
إذن حتى نورا…
لم تكن تعرف شيئًا عن الخزنة.
في تلك الأثناء…
كان مازن يقف خارج السيارة يتحدث في هاتفه.
ابتعد خطوات حتى لا يسمعه أحد.
وقال بصوت منخفض:
— “أيوه… وصل الملف.”
ثم سكت يستمع.
وأجاب:
— “لا… لسه ما فتحش غير أول صفحة.”
في اللحظة نفسها…
كان أحد رجال آدم يقف على بعد أمتار، وقد سمع الجملة الأخيرة بالصدفة.
اتسعت عيناه.
وأخرج هاتفه فورًا.
اتصل بآدم.
رن الهاتف داخل السيارة.
رد آدم.
— “خير؟”
قال الرجل بصوت مضطرب:
— “باشا… مازن…”
التفت آدم عبر زجاج السيارة.
فرأى مازن يغلق هاتفه بسرعة، ثم يلتفت مبتسمًا كأن شيئًا لم يحدث.
قال الرجل:
— “سمعته بنفسي… كان بيقول لحد إن الملف وصل.”
أغلق آدم الهاتف ببطء.
وتذكر الرسالة…
“متثقش في مازن…”
لكن قبل أن يتخذ أي قرار…
اهتز هاتف كريم القديم مرة أخرى.
رسالة جديدة.
هذه المرة كانت أطول.
“لو شكيت في مازن بسرعة… هتخسر أوفى راجل في حياتك. الخائن الحقيقي واقف أقرب منك بكتير… وبيسمعك دلوقتي.”
رفع آدم عينيه ببطء…
ونظر إلى الرجال الواقفين حول السيارة.
كانوا ثمانية.
وجميعهم ينظرون إليه باحترام.
لكن واحدًا منهم فقط…
كان يتجنب النظر في عينيه.هبط آدم من السيارة دون أن ينطق بكلمة.