قولي الى قولته قبل كدا

أول ما الراجل الكبير قال للنادلة قولي اللي قولتيه تاني… ردها هَدّ المملكة الوحيدة اللي كان فاكر إنها عمرها ما هتقع.
كوباية القهوة عدّت من جنب دماغ ندى منصور بأقل من شبر.
خبطت في الحيطة اللي وراها، واتكسرت على السيراميك الأزرق الباهت، ورشت قهوة سخنة على كمها.
في لحظة…
المطعم كله سكت.
شوكة وقفت في نص الطريق قبل ما توصل لبق واحد سواق نقل.
راجل كبير ومراته اللي كانوا قاعدين في الركن مسكوا إيدين بعض من تحت الترابيزة.
ومن شباك المطبخ، عم ربيع نزل الإسباتولا من إيده وبص من خلال البخار اللي طالع.
اتناشر زبون كانوا باصين لندى.
تلاتة رجالة مسلحين كانوا باصين لرئيسهم.
أما منصور الدمنهوري… فكان مركز نظره كله على النادلة اللي لسه من ثواني رفضت تعتذر له.
قال لها بصوت هادي يخوف أكتر من الصړيخ
قولي اللي قولتيه… تاني.
صوته كان أوطى من الأول.
وده خلاه أخطر بكتير.
ندى حطت براد القهوة على السخان بالراحة.
صوت الإزاز وهو لمس المعدن كان عالي وسط السكون… كأنه صوت طلقة.
كان منصور الدمنهوري عنده تسعة وخمسين سنة.
جسمه ضخم، شعره كله شايب، ولابس بالطو فخم تمنه يمكن يجيب عربية ندى.
كان مالك مطاعم، ومخازن، وشركات مقاولات، ونص رجال الأعمال والسياسيين في البلد بيمشوا بكلمته.
وكان كمان بيمتلك حاجات عمرها ما اتكتبت في أي ورق.
الناس كانت بتعدي الشارع عشان متعديش من قدامه.
حتى الظباط كانوا بيوطوا صوتهم لما يجيبوا سيرته.
وأصحاب المحلات كانوا بيدفعوله فلوس حماية… من مشاكل في الغالب رجالته هما اللي بيعملوها.
كل اللي في المطعم كانوا عارفين هو مين.
وندى كمان كانت عارفة.
سندت كفينها على الرخامة وبصتله من غير ما ترمش.
وقالت
أنا قلت… إن اسمك ولا نفوذك ميدوكش الحق تعامل الناس كأنهم ژبالة.
واحد من رجالة منصور اتحرك ناحيتها.
منصور رفع صباع واحد بس.
الراجل وقف مكانه.
وعينيه فضلت ثابتة على وش ندى.
قال
إنتِ سيبتيني أستنى.
ردت
أربع دقايق.
أنا طلبت قهوة.
وأنا كنت بلحق طفل كان هيختنق.
وشاورت على ترابيزة جنب الشباك.
كان فيه ولد صغير، باين عليه عنده سبع سنين، لازق في حضڼ أمه، ولسه ماسك بخاخة الربو في إيده.
منصور حتى مبصش عليه.
قال ببرود
أنا مستناش حد.
ابتسمت ندى ابتسامة خفيفة وقالت
يبقى الليلة دي كانت أول درس.
همهمة خوف عدت في المطعم كله.
دينا، النادلة الصغيرة اللي واقفة عند الكاشير، كان شكلها خلاص هتقع من الړعب.
منصور قرب من الرخامة.
وقال
عارفة بيحصل إيه للي يحرجني؟
ركب ندى كانت بتترعش تحت المريلة.
وحاسة بالقهوة السخنة وهي بتتشرب في هدومها.
وقلبها بيدق پعنف.
بس هي كانت لسه مبارح قاعدة جنب سرير أمها في المستشفى، سامعة صوت جهاز الأكسجين وهو بيطلع وينزل.
وقضت الصبح كله بتتخانق مع شركة التأمين اللي رفضت علاج جديد.
وقضت الضهر وهي بتفتح فواتير مش عارفة هتدفعها منين.
كان فيه حاجة جواها… خلاص اتكسرت.
وبعد اللحظة دي…
الخۏف مبقاش له نفس السيطرة عليها.
قالت بهدوء
آه… بيبقوا عبرة لغيرهم.
ملامح منصور اتغيرت سنة صغيرة.
وقال
وإنتِ مش خاېفة من ده؟
قالت
أنا بخاف من حاجات كتير.
واضح إنك مبتخافيش كفاية.
بصتله في عينيه وقالت
بخاف أرجع ألاقي أمي بطلت تتنفس وأنا في الشغل.
بخاف صاحب البيت يزود الإيجار.
وبخاف أفتح التلاجة وملاقیش فيها أكل يكفيني لحد آخر الأسبوع.
فضل صوتها هادي.
لكن كل كلمة كانت بتنزل عليه كأنها ضړبة.
بس مش بخاف من راجل كبير بيرمي الأطباق عشان استنى أربع دقايق على فنجان قهوة.
المطعم كله اتجمد.
منصور قضى عمره كله بيحكم الناس بالخۏف.
كان يعرف يشوف الړعب في وش أي حد من أول ثانية.
في العيون.
في رعشة الإيد.
في جفاف الشفايف.
في نبرة الصوت.
ندى كانت خاېفة…
هو كان شايف ده.
بس كان فيه فرق.
خۏفها… مبقاش هو اللي بيسوقها.
وده كان أخطر نوع.
سألها
اسمك إيه؟
ردت من غير تردد
إنت لسه مستحقش تعرفه.
ولأول

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *