كل الاطباء فقدوا الامل حكايات ميرا
أما طبيب السموم فقال وهو يفرك جبهته:
“المشكلة في الجسم كله… لازم نزود الكورتيزون.”
بدأوا يتجادلون…
لكنهم لم ينظروا إلى المريض.
كانوا ينظرون إلى التحاليل والشاشات فقط.
عصرت هدير الممسحة.
سقط الماء المتسخ داخل الجردل.
لم تكن تهتم بإمبراطورية عمر المنشاوي…
ولا بما فعله في حياته.
كانت تهتم فقط براتبها.
كانت مدينة بثلاثة أشهر إيجار، وصاحب البيت بدأ ينظر إلى أختها الصغيرة بطريقة أخافتها.
كان العمل في قصر المنشاوي يمنح الخدم ثلاثة أضعاف أي راتب آخر…
مقابل شرط واحد غير مكتوب:
أن يكونوا عميانًا… وصمًا… وبكمًا.
لو مات عمر…
ستنقسم العائلة.
وسيباع القصر أو يحترق.
وفي الحالتين…
ستخسر هدير كل شيء.
اقتربت لتنظف الكومود.
وفجأة…
أطلق عمر شهقة متقطعة.
توقف صدره للحظة.
رفعت هدير رأسها.
فتح عينيه.
كانتا حمراوين، شاردتين، ومملوءتين بالخوف.
التقت عيناه بعينيها.
لم تر فيهما قوة…
ولا سلطة…
بل رعب إنسان يحتضر.
أخفضت رأسها بسرعة، وأكملت التنظيف.
قال الطبيب:
“زودوا المهدئ.”
حقنت الممرضة الدواء.
وخلال ثوانٍ…
عاد عمر إلى غيبوبته.
ظل الأطباء يتحدثون بكلمات معقدة…
لكن الحقيقة كانت واضحة.
رغم المال، والأجهزة، وأشهر الأطباء…
كانوا يخسرونه.
بحلول صباح الثلاثاء…
ازدادت حالته سوءًا.
امتلأ القصر بالحراس المدججين بالسلاح.
دخلت هدير الغرفة قبل الثامنة صباحًا.
لم يبقَ سوى طبيبين يحتسيان القهوة في صمت.
قال أحدهما:
“الكلى بدأت تفشل… قد لا يعيش أكثر من يومين.”
وفي تلك اللحظة…
دخل ياسر المنشاوي، شقيق عمر الأصغر.
كان يرتدي بدلة رمادية أنيقة، وعلى وجهه ملامح حزن تبدو مثالية أكثر من اللازم.
كان يحمل صينية فضية عليها فنجان شاي ساخن.
سأل بهدوء:
“عامل إيه؟”
أجابه الطبيب:
“بنحاول نخفف ألمه.”
اقترب ياسر من السرير، وربت على جبين أخيه بحنان…
لكن شيئًا ما جعل جسد هدير يقشعر.
لم يكن لديها أي دليل.
لكنها تربت في بيت تعرف فيه معنى الخوف.
وعرفت فورًا…
أن حزن ياسر كان… مصطنعًا.
ثم وضع فنجان الشاي على الكومود، والتفت إلى الممرضة
#حكايات_ميراا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا 👇♥️ابتسم ياسر للممرضة ابتسامة هادئة وقال:
ـ “أنا هاقعد مع أخويا شوية… سيبونا لوحدنا.”
نظر الطبيبان إلى بعضهما، ثم خرجا من الغرفة.
بقيت الممرضة فقط…
أما هدير، فكانت منحنية تمسح الأرض وكأنها غير موجودة.
اقترب ياسر من السرير.
أخذ فنجان الشاي.
ثم أخرج من جيبه زجاجة صغيرة جدًا، لا يتجاوز حجمها إصبعًا واحدًا.
تجمدت هدير.
قطرتان فقط…
سقطتا داخل الشاي.
ثم قلب الفنجان بملعقة صغيرة حتى اختفى كل أثر.
شعرت هدير أن قلبها توقف.
لكنها لم ترفع رأسها.
أعادت عصر الممسحة، وكأنها لم تر شيئًا.
في اللحظة نفسها، دخلت الممرضة.
أعاد ياسر الزجاجة إلى جيبه بسرعة مذهلة.
ابتسم وقال:
ـ “لما يفوق… ادوله الشاي وهو دافي.”
هزت الممرضة رأسها.
ـ “حاضر.”
خرج ياسر بهدوء.
لكن قبل أن يغلق الباب…
التفت نحو هدير للحظة.
كانت نظرة قصيرة…
إلا أنها جعلت الدم يتجمد في عروقها.
هل رآها؟
أم أنها تتوهم؟
بعد عشر دقائق…
بدأت هدير تمسح الكومود.
لاحظت شيئًا غريبًا.
كانت هناك حلقة رفيعة من مسحوق أبيض عالقة على حافة الفنجان.
مدت إصبعها دون تفكير…
ثم توقفت.
تذكرت والدتها.
كانت أمها تعمل ممرضة في وحدة صحية قبل وفاتها.
وكانت تقول دائمًا:
“أي دواء يسيب أثر… خصوصًا لو اتحط في مشروب ساخن.”
ابتعدت بسرعة.
وفي تلك اللحظة…
دخل كبير الأطباء.
أمسك الفنجان.
وقال للممرضة:
ـ “لما يصحى… اسقيه.”
خرجت الكلمات من فم هدير قبل أن تفكر:
ـ “استنى يا دكتور.”
ساد الصمت.
التفت الجميع إليها.
قطب الطبيب حاجبيه.
ـ “إنتِ بتتكلمي؟”
ارتبكت.
لكنها أشارت إلى الفنجان.
ـ “الفنجان ده… حد لمسُه بعد ما اتحضر.”
نظر الطبيب إليها بضيق.
ـ “وإنتِ عرفتي منين؟”
قالت وهي تشير إلى الحافة:
ـ “كان عليه بخار أول ما دخل… وبعدها شفت شخص يقلبه بالمعلقة… وفيه أثر غريب على الطرف.”
رفع الطبيب الفنجان.
ودقق النظر.
ولأول مرة…
لاحظ الحبيبات البيضاء الدقيقة الملتصقة بالخزف.
لم يقل شيئًا.
ضغط على زر الاستدعاء.
بعد دقائق، دخل طبيب السموم.
أخذ الفنجان فورًا.
وقال بحزم:
ـ “ابعتوه المعمل… حالًا.”
نظر الجميع إلى هدير.
أما هي…
فكانت تتمنى لو تستطيع الاختفاء.
لأنها أدركت أن الكلمة التي قالتها…
قد تكون أنقذت حياة أخطر رجل في القاهرة…
أو حكمت على نفسها بالموت.خرج عامل المعمل مسرعًا وهو يحمل الفنجان داخل كيس معقم.
أغلق الطبيب الباب بنفسه.
ثم التفت إلى هدير.
ـ “اسمك إيه؟”
بلعت ريقها.
ـ “هدير.”
ـ “إنتِ شفتي إيه بالظبط؟”
نظرت إلى الأرض.
كانت تعرف القاعدة.
الخدم لا يتكلمون.
قالت بصوت مرتجف:
ـ “أنا… شفت الأستاذ ياسر بيقلب الشاي بعد ما اتحضر.”
ساد الصمت.
أحد الأطباء قال بانفعال:
ـ “إنتِ فاهمة إنتِ بتتهمي مين؟”
هزت رأسها بسرعة.
ـ “أنا ما اتهمتش حد… أنا حكيت اللي شفته.”
نظر كبير الأطباء إلى الحارس.
ـ “من اللحظة دي… ممنوع أي حد يدخل أو يخرج من الجناح.”
بعد أقل من ساعة…
رن هاتف كبير الأطباء.
رد وهو واقف بجوار النافذة.
ومع أول جملة سمعها…
تغير لون وجهه.
ـ “إنت متأكد؟”
جاءه الرد من المعمل:
ـ “في مادة سامة بتركيز بسيط… لو اتاخدت مع الأدوية اللي بياخدها المريض، كانت هتسرع فشل أعضائه خلال ساعات.”
أغلق الهاتف ببطء.
ونظر إلى هدير.
لو أنها سكتت…
لكان الجميع اعتقد أن عمر مات بسبب مرضه.
في الوقت نفسه…
كان ياسر يستعد لمغادرة القصر.
لكن قبل أن يصل إلى سيارته…
اعترض طريقه أربعة حراس.
قال قائدهم:
ـ “آسفين يا فندم… عندنا أوامر بمنع أي فرد من العائلة من مغادرة القصر.”
تجمدت ابتسامته.
ـ “أوامر مين؟”
ـ “أوامر الدكتور المسؤول.”
ابتسم ياسر ابتسامة باردة.
ـ “واضح إنكم نسيتوا أنا مين.”
لكن الحراس لم يتحركوا.
داخل غرفة عمر…
بدأت الأجهزة تصدر صوتًا مختلفًا.
فتح عمر عينيه للحظات.
همس بكلمات غير مفهومة.
اقترب الطبيب منه.
لكن هدير وحدها سمعت الاسم الذي خرج بصعوبة من بين شفتيه.
“…ياسر…”
تبادل الأطباء النظرات.
قال أحدهم:
ـ “يمكن بيهذي.”
لكن هدير رأت شيئًا آخر.
رأت الخوف نفسه الذي رأته في عينيه قبل يومين.
خوفًا من شخص يعرفه جيدًا.
بعد دقائق…
دخل رئيس أمن القصر.
همس في أذن كبير الأطباء:
ـ “راجعنا كاميرات الممر.”
رفع الطبيب رأسه بسرعة.
ـ “ولقيتوا إيه؟”
أخرج الجهاز اللوحي.
ظهر التسجيل.
كان ياسر يدخل الغرفة حاملًا صينية الشاي.
وبعد خروج الخادمة والممرضة لثوانٍ…
ظهر وهو يُخرج شيئًا صغيرًا من جيبه، وينحني فوق الفنجان.
لم تكن الصورة واضحة بما يكفي لمعرفة ما وضعه…
لكنها كانت كافية لإثارة الشك.
نظر الطبيب إلى الشاشة.
ثم إلى هدير.
وقال بهدوء:
ـ “لو كلامك طلع صحيح بالكامل… إنتِ مش بس أنقذت حياة رجل.”
سكت لحظة.
ثم أكمل:
ـ “إنتِ كشفتِ ج*ريمة كانت هتتسجل على إنها وفاة طبيعية.”
وفي تلك اللحظة…
انفتح باب الغرفة بعنف.
ودخل محامٍ عجوز يلهث وهو يحمل ظرفًا مختومًا بالشمع الأحمر.
وقال بصوت مرتفع:
ـ “ممنوع أي حد يلمس ممتلكات السيد عمر… لأن عندي وصية ما تتفتحش إلا لو حاول حد يق*تله.”
ساد الصمت…
والتفتت كل الأنظار نحو الظرف، بينما شحب وجه ياسر في الخارج عندما وصله خبر العثور على المادة السامة في الشاي.تقدم المحامي بخطوات بطيئة حتى وصل إلى سرير عمر.