كل الاطباء فقدوا الامل حكايات ميرا
لم يعد قصر المنشاوي كما كان.
اختفت الحراسة المبالغ فيها داخل الممرات.
وأصبحت الأبواب التي كانت تُفتح بكلمات سر، تُفتح الآن لمرضى يحتاجون المساعدة، ولأسر فقدت الأمل.
وفي صباح شتوي هادئ…
دخل عمر إلى المؤسسة من الباب الرئيسي دون موكب.
لاحظ شابًا يقف عند الاستقبال، يرتدي ملابس بسيطة، ويحمل ملفًا قديمًا.
كان واضحًا من ارتباكه أنه جاء يطلب وظيفة.
اقترب منه موظف الاستقبال وقال ببرود:
ـ “مفيش تعيين دلوقتي.”
خفض الشاب رأسه، واستدار ليغادر.
لكن صوت هدير أوقفه.
ـ “استنى.”
اقتربت منه وسألته:
ـ “قدمت السي في؟”
قال بخجل:
ـ “معنديش شهادة كبيرة… فقلت أكيد مش هيتبص عليه.”
ابتسمت.
وأخذت الملف من يده.
في تلك اللحظة، كان عمر يقف بعيدًا يراقب.
فتح هدير الملف.
ثم سألت الشاب:
ـ “إنت كنت شغال إيه؟”
قال:
ـ “عامل مخزن… عشر سنين.”
ـ “وسبت الشغل ليه؟”
سكت قليلًا.
ثم قال:
ـ “صاحب الشركة باعها… وكل العمال مشيوا.”
أغلقت هدير الملف.
وقالت بابتسامة:
ـ “إحنا بندور على ناس أمينة قبل ما بندور على شهادات.”
—
بعد أسبوع…
بدأ الشاب العمل.
وفي أول يوم…
دخل عمر إلى المخزن.
وجد كل شيء مرتبًا بشكل لافت.
سأل المدير:
ـ “مين اللي عمل النظام ده؟”
أشار إلى الشاب الجديد.
ابتسم عمر.
ثم التفت إلى هدير.
وقال:
ـ “واضح إنك لسه عندك نفس العين.”
استغربت.
فسألته:
ـ “عين إيه؟”
قال:
ـ “العين اللي شافت الحقيقة يوم كلنا كنا شايفين التحاليل.”
—
وفي نهاية اليوم…
استدعى عمر جميع الموظفين الجدد.
وقف بينهم وقال:
ـ “يمكن أغلبكم يعرفني كرجل أعمال.”
ثم نظر إلى هدير.
وأكمل:
ـ “لكن أنا اتعلمت أهم درس في حياتي من عاملة نظافة.”
ساد الصمت.
قال أحد الموظفين بدهشة:
ـ “إزاي يا فندم؟”
ابتسم عمر.
وأشار إلى هدير.
ـ “لأنها علمتني إن المنصب ما يديش الإنسان قيمة…”
ثم أكمل وهو ينظر إلى الجميع:
ـ “القيمة الحقيقية إنك تلاحظ وجع غيرك… حتى لو محدش طلب منك تساعده.”
صفق الموظفون بحرارة.
أما هدير…
فابتسمت في هدوء.
لم تعد تخاف من رفع رأسها.
لكنها أيضًا…
لم تنسَ أبدًا الأيام التي كانت تدفع فيها جردل الممسحة في نفس الممرات، بينما الجميع يمر بجوارها دون أن يراها.
ولهذا…
كانت أول من يرى كل إنسان جديد يدخل المكان.
حتى لا يشعر أحد، ولو ليوم واحد…
أنه غير مرئي.بعد عشر سنوات…