حكايات بسمه ج٣
مشى بابا وإخواتي بعد ما سابوا الأثر اللي ما يتقفلش عليه باب. خرجوا وسابوا الصالة واسعة، بس الضغط اللي فيها كان يخنق. الباب لما اتقفل وراهم، بقى الصوت الوحيد في الشقة هو صوت التكتكة المنتظمة لقصاصات أوراق الورق اللي كانت حماتي سايباها على الترابيزة، وصوت التلاجة وهي شغالة بانتظام في المطبخ.. التلاجة اللي كانت الشرارة اللي حرقت كل القش المستخبى تحت السجاد.
خالد كان لسه قاعد على الكنبة، حاطط إيده على دماغه، وعينيه مثبتة على السجادة كأنه بيدور على خرم إبرة يهرب منه. شكله كان عامل زي واحد صحي فجأة لقي البيت اللي بناه على الرمل اتهد فوق دماغه، والناس كلها شافت الأخطاء اللي كان بيحاول يداريها بفرض السيطرة والصوت العالي.
قمت من مكاني بهدوء، رفعت الملف الموثق الخاص بملكية الشقة من على الترابيزة، وحطيته جوة الشنطة، وقفلت السوستة بصوت واضح. الصوت ده خلا خالد يرفع راسه ببطء، يبص لي بنظرة مكسورة، فيها غضب مكتوم، بس الغضب المرة دي كان عاجز، ما فيهوش أي نبرة من نبرات التهديد اللي كان بيستعملها مبارح.
—ارتحتي كده يا سارة؟ —قالها بصوت واطي ومبشوش، نبرته خالية تماماً من العظمة—. ارتحتي لما حطيتي أمي وأختي في الموقف ده؟ لما جبتي أهلك وقعدتيهم يقيموا عليا الحد في بيتي؟
قربت منه، وقفت على بعد خطوتين، وبصيت في عينيه بثبات تام، ونبرتي كانت هادية كأنها تقرير علمي:
—أولاً، ده مش بيتك.. ده بيتي أنا. بعقد رسمي موثق في الشهر العقاري، وبفلوس خرجت من حسابي الشخصي. ثانياً، أنا ما حطيتش حد في موقف.. أمك وأختك هما اللي حطوا نفسهم فيه لما اعتبروا إن تحويشة عمري وشقايا حق مكتسب، وإن من حقهم يتصرفوا في حاجتي وكأنها ملكية عامة. أنا بس فتحت الشبابيك ودخلت النور.. والشمس لما بتطلع بتكشف المستخبي.
قام وقف بسرعة، وحاول يرفع صوته عشان يسترد أي جزء من هيبته الضائعة:
—بس أنا جوزك! المشكلة دي هتفضل معلمة عليا طول العمر! أمي خرجت من هنا وهي بتدعي عليا وعليكي، وأختي حاسة إنها اتهانت! أنتِ ما فكرتيش في شكلي قدامهم؟ ما فكرتيش في منظري لما أرجع أكلمهم تاني؟
ابتسمت بسخرية، ومشيت ناحية المطبخ ألم الأطباق اللي ما اتلمستش من العزومة:
—أنت اللي ما فكرتش في شكلي ولا في مشاعري لما وقفت قدام التلاجة وقلت لي بكل بساطة “هنبيعها ونستحمل”. أنت اللي نسيت إن لي كرامة وعقل وشقا لما وافقت أمك على كلمة “الست العاقلة بتعرف تقف جنب أهل جوزها”. الكرم يا خالد بيكون من جيبك أنت، مش من صحتي وسهر لياليّ. وأمك وأختك هما اللي اختاروا يخرجوا بالطريقة دي، لأنهم كانوا متوقعين يلاقوا ست مكسورة الجناح تهز رأسها وتقول “حاضر يا طنط”.. اتفاجئوا بإن الست دي لها ظهر ولها قانون يحميها.