🦋الواحد وعشرون🦋 اتخذ من الفشل سلما للنجاح ومن الهزيمة طريقا الى النصر ومن المرض فرصة للعبادة ومن الفقر وسيلة الى الكفاح ومن الالام بابا الى الخلود ومن الظلم حافزا للتحرر ومن القيد باعثا على الانطلاق. مصطفى السباعي ------------------ كان يحتضن يدها طوال الطريق وأثناء قيادته للسيارة وكأنه يطمأنها بطريقته أنه لن يفلتها مهما حدث، بينما هي كانت تسترق له النظرات كل حين وأخر وهي تشعر براحة عارمة فهو كما عاهدته يساندها دون طلب وكأنه يسكن احشائها وعلى دراية تامة برغباتها وأحتياجتها أكثر من نفسها. فقد استغرق الطريق لهناك أكثر من ساعتين إلى أن وصلوا إلى ذلك الفرع الضخم الذي ينتمي لتلك المجموعة التي يديرها، صف السيارة وترجل منها ببسمة هادئة وفتح الباب لها قائلًا بحركة مسرحية اضحكتها: -حمد الله على السلامة يا مغلباني نورتي مطعمك تدلت من السيارة وهي تضم سترتها بأحكام على جسدها حين هبت تلك النسمات الباردة، ثم قالت بإنبهار وهي تطالع المكان من الخارج: -وااااو بجد المكان تحفة يا "يامن" أنت عدلت فيه...أزاي بقى حلو كده أنا بقالي سنين مجتش هنا أومأ لها وأخبرها بزهو: -أومال انتِ فاكرة "يامن العشري" بيلعب ده انا لسة هبهرك لما تشوفي المكان من جوه أبتسمت بسمة واسعة وهو يحتضن من جديد كف يدها ويسير بها للداخل، فحقًا كانت منبهرة بكل شيء فكان المكان ضخم للغاية ذات ثلاث طوابق لكل طابق ذوق خاص يشع بالرقي والفخامة وأثناء مشاهدتها لساحة المكان رحب بهم أحد العاملين قائلًا بحفاوة: -أهلًا يا"نادين" هانم والله المكان نور بأصحابه أومأت له "نادين" ببسمة مجاملة وهي تستغرب كيف علم هويتها وكانت ستمرر الأمر مرور الكرام وتبرر أن "يامن" هو من أخبره بقدومها ولكن تفاجأت أن كل العاملين يعلمون من هي مما أثار حفيظتها وجعلها تميل على أُذنه متسائلة: -هما عرفوا منين إني "نادين الراوي "صاحبة المكان حانت منه بسمة حانية وأخبرها مشاكسًا: -وهل يخفى القمر -"يامن" بَطل رخامة وجاوبني حانت منه بسمة مشاكسة وأدعى عدم معرفته ودعاها بحماس: -تعالي افرجك على بقية التعديلات أومأت له وسارت معه بجولة سريعة وحين وصلت للطابق الثالث فغرت فاهها وجحظت عيناها مما رأت فكان محيط المكان مفعم بأضاءة هادئة تبعث الراحة للعين وتتزين الطاولات بالشموع وصوت موسيقى كلاسيكية ناعمة تنتشر بأجوائه مما جعل بسمتها تتسع شيء فشيء وهو يخبرها أن ذلك الطابق يطلق عليه العاملين طابق العشاق وقبل أن تعبر عن مدى روعة المكان تجمدت نظراتها وتيبست قدماها وهي ترى صورة لها بعرض الحائط محاطة بأنوار خافتة تتركز عليها بطريقة رائعة تخطف الأنظار أخذ الأمر ثوانِ عدة تستوعب ثم همست بشدوه تام: -"يامن" ده أنا... تنهد هو تنهيدة مُسهدة وأجابها وهو يشدد على يدها ويشملها بدفء عيناه: -اه أنتِ يا مغلباني كنت لما باجي هنا بتوحشيني وبفضل أَعد الثوانِ علشان أرجعلك، وصورتك كانت بتصبرني وتهون الوقت عليا لغاية ما أرجع واطمن قلبي بقربك غامت عيناها تأثرًا به بحديثه فكم لامت ذاتها على تجاهلها لتلك المشاعر الصادقة التي تفوح من افعاله وقد كانت بكل جبروت منها تتجاهلها بل وتتخذ منها نقطة لضعفه، انتشلها هو من دوامة أفكارها حين حضر رجل في العقد السادس من عمره ويدعى "حلمي" وهو من ينوب بإدارة المكان في غياب "يامن": -أهلاً يا "يامن" بيه المطعم نور بس أنا عاتب على حضرتك ليه مبلغتناش أن "نادين" هانم هتشرفنا كنا فرشنا الأرض ورد ابتسمت هي بمجاملة بينما "يامن" هدر بجدية: -معلش تتعوض يا "حلمي" وكويس أنك جيت عايزك تقعد مع "نادين" وتفهمها الشغل ماشي إزاي وخلي بالك هي مش هدلعكم زي و كلها ايام وهتبقى مكاني. بهتت ملامحها لثوان قبل أن يقول "حلمي": -تحت أمرك يا "يامن" بيه بس والله هتقطع بينا واتعودنا عليك أبتسم "يامن" وأجابه بمشاكسة: -والله وأنا ما هصدق أرتاح منكم ومن مشاكلكم اللي مبتخلصش... قهقه "حلمي" بينما استأنف "يامن": -الحق لازم يرجع لصحابه هما أولآ بيه أيده "حلمي": -عند حضرتك حق بس اوعدنا كل ما تنزل اسكندرية تزورنا أومأ له "يامن" واكد قائلًا: -أكيد يا راجل يا طيب -طيب تأمرني بحاجة تانية -اه بلغهم في المطبخ يجهزولنا غدا وبعد كده عايزك تجبلي ملفات التوريدات أراجعها وياريت لو تبعتلي المحاسب على المكتب أومأ له بطاعة بينما هي ما أن غادر همست بترقب: -هو انت بتتكلم ليه كده كأنك هتسبني لوحدي نفى برأسه وأجابها بثقة وهو يسير بها لأحد الطاولات القريبة: -وقت ما تحتاجيني هتلاقيني وبعدين متقلقيش الحج "حلمي" مش هيسيب صغيرة أو كبيرة غير وهيفهمهالك بس الأول ناكل علشان نعرف نشتغل نفخت أوداجها وهي تجلس على أحد المقاعد فليس ذلك مغزاها من السؤال فكانت تريده أن يخبرها أنه سيظل معها حينها ولكنه لم يتطرق قط لذلك مما جعلها تصاب بحالة من الذعر المستتر رفضت أن تعبر عنه. حتى أنها ظلت ملازمة الصمت أثناء تناولهم للطعام أما هو فلم يحاول أن يفرض عليه حصار الحديث بل كان كل ما يفعله أنه يدس بفمها ويضع بطبقها كل ما تطوله يده بحنو شديد واهتمام فائق. وبعد الكثير من الوقت الذي مر عليها كانت تشعر بالضجر الشديد حين استفاض مساعده وأخذ يشرح حيثيات العمل وحقًا لم تستوعب حرف واحد مما حاول أن يوصله لها فكان عقلها وحتى نظراتها منشغلة بذلك المنكب على تلك الملفات على بعد خطوات قليلة منها وكم حمدت ربها أن الآخر أنتهى بعد أن صرع رأسها وغادر المكتب لتظل هي ثابتة على تلك الأريكة التي بزاوية بعيدة بمكتبه تراقب معالم وجهه الصارمة والجدية لحد كبير اثناء مناقشتة مع العاملين بسير العمل وإعطائهم أوامر قاطعة بتنفيذها وكم لامت ذاتها سابقًا حين اتهمته بسوء إدارته وقللت من شأنه، لم تمر دقائق وأنشغل مرة آخربمراجعة الأمور المالية مع المحاسب المسؤول عن ذلك، فكان يعمل دون كلل وبمثابرة غريبة جعلتها لا تستطيع أن تزيح بعيناها عنه ولكن هو لم ينتبه لها بل كان يصب كافة تركيزه على ما يفعله. انصرف المحاسب من المكتب بعد وقت ليس بقليل ابدًا أشعرها بالملل، بينما هو رفع رأسه وأخذ يدلك عنقه بأرهاق بَين واصبح جلي على وجهه مما جعلها تنهض وتقترب منه مستندة على حافة المكتب في مواجهته قائلة: -أنت بتتعب اوي مكنتش فاكرة الشغل صعب كده … وبعدين ده شغل فرع واحد أومال بتعمل أيه في الفروع التانية وازاي عارف توفق بينهم كده حانت منه بسمة هادئة وهمس بدفء بعدما أزاح الأرهاق عن وجهه وتمسك بيدها يدثرها بين راحتيه: -ولا يهمك كله يهون علشانك يا مغلباني تأملته بنظرات نادمة تشعر بالخزي من ذاتها و تلعن تشكيكها به كونه يطمع بها وينسب أملاكها له كما كانت تعتقد، ولكن قد حدثها مساعده عن مثابرته التي رأتها بأم عيناها لتوها، وعن كونه يبذل مجهود خرافي كي يصبح ذلك الصرح بهذا الشكل الرائع والمشرف وكم وبخت ذاتها حين ادركت أنه رغم مجهوده إلا أنه لم ينسب شيء لذاته بل أخبر كل العاملين أنه ليس المالك الأصلي بل أنه يديره فقط والأغرب أن جميعًا يعلمون كونها هي مالكته. -سرحتي في أيه؟ أنتشلتها جملته من شرودها مما جعلها تحاول نفض تلك الأفكار التي تؤلمها وتشعرها بالخزي من نفسها ثم أبتسمت بسمة باهتة لم تصل لعيناها وطلبت أول شيء جاء بخاطرها: -أنا عايزة أروح أشوف البحر أومأ لها ببسمة دافئة و وعدها بذلك قبل عودتهم -------------------- أما عن صاحبة الفيروزتان فقد ظلت ملازمة غرفتها وقد قررت أن تعود لعُزلتها من دونه فكانت تشعر بحزن لا مثيل له تبكي تارة، وتارة أخرى تنعي حظ قلبها فقد خذلها أكثر شخص لم تتوقع منه ذلك، وكيف تفعلها وهو مالك قلبها صاحب المواقف الرجولية الحاسمة التي شكلتها من جديد وأصلحت فسادها، فحقًا لا تستوعب إلى الأن كونه تخلى عنها بتلك السهولة وصرح بطريقة غير مباشرة انه لا يكن لها المشاعر؛ فماذا عن نظراته الحانية التي كانت تفيض بلأهتمام وماذا عن مؤازرته لها في أشد أوقاتها وماذا عن أفعاله، ونصحه، واحتواءه، وتحفيزه، ومشاكسته الحثيثة لها حقًا تشعر أنها على حافة الجنون من تناقضه وكم حاولت أن تجد تفسير لكل ذلك ولكن دون جدوى، فكان صراع محتد يقام برأسها ولا تستطيع ردعه حين تعالى رنين هاتفها بنغمة تخصصها لرقمه وعندها كفكفت دمعاتها وهرولت بلهفة عارمة تتناول هاتفها وهمست بصوت مازال يحمل أثار البكاء: -"محمد"... أتاه الرد من الطرف الأخر مخالف لكل توقعاتها: - أنا "شهد" يا "ميرال" أنا خليت "طمطم" تاخد منه التلفون بحجة اللعب علشان أكلمك وبصراحة أنا عندي علم باللي حصل بينكم -أفتكرتك هو -هو حالته صعبة يا "ميرال" من ساعة ما مشيتي وهو قافل على نفسه ومش عايز يتكلم -هو ليه بيعمل فيا كده يا "شهد" أنا بحبه والله بحبه ومش هعرف اعيش من غيره -هقولك بس عايزاك توعديني بحاجة الأول... ---------------- كانت تشعر بالتشتت والضياع في آن واحد فكيف لتلك القناعات والهواجس التي عششت بداخلها لسنوات أن تندثر بيوم وليلة وتدرك كونها جميعها بالية، حقًا الأمر يصعب عليها تصديقه او استيعابه دفعة واحدة فمن ناحية والدته التي لم تخدع ابيها كما اعتقدت وتزوجته برغبة من والدتها ومن جانب أخر علمها بمرض والدتها واستسلامها وكون كافة الخلافات التي كانت تدور بينها وبين أبيها جميعها كانت لأجل أن تخضع للعلاج وليس كما اعتقدت هي، أما هو فقد أدركت كونها كانت تتحامل عليه هباءٍ وتتجاهل مشاعره وعطائه ولا تقدر احتوائه لها في سبيل ذلك الأنتقام اللعين الذي لامحل له من الصحة وكم لعنت ذاتها على غبائها فاليوم اقتلع كافة قناعاتها وأثبت لها دون قصد أنه لن يطمع بها ولا بأموالها بل أن أملاكها عبء ثقيل على كاهله. كان ذلك ما يدور برأسها وهي تجلس بجواره تتأمل على مداد بصرها مياه البحر الهائجة التي تشابه ثورة دواخلها، بينما هو كعادته احترم صمتها واراد أن يعطيها مساحتها الخاصة ولا يتطفل عليها فقط كان يجاورها يستمتع بتلك اللفحات الباردة التي تثلج قلبه المولع بها رغم كل شيء، فنعم اندثر غضبه وحاول أن يتناسى كل ما مر به معها سابقًا فوالدته أخبرته بدوافعها ورغم أنه كان يود أن يعاتبها بشأنها ولكنه فضل أن تبادر هي عندما تكون مستعدة لذلك، وبالفعل توقعه كان بمحله حين همست هي: -كُنت عارف أن أمي هي اللي طلبت من مامتك تتجوز أبويا تناول نفس عميق وأجابها: -اه كنت عارف لتعاتبه هي: -وليه مقولتليش... نظر لها وقال بنبرة رغم ثباتها ولكنها استشفت بها عتاب خفي: -علشان عمري ما جه في بالي أن تفكيرك يوصل بيكِ لكده ولا كنت اتخيل انك تظني في أمي ظن سوء رغم كل اللي عملته علشانك زاغت نظراتها ونكست رأسها وبررت وهي تشعر بالخزي من ذاتها: -بس أنا مكنتش أعرف بمرض أمي ومكنتش اعرف بالتفاصيل دي كلها… لتغمض عيناها بقوة وتوضح دوافعها قائلة: -أنا كل حاجة كانت مفروضة عليا وأولهم فراق أمي، وسكوت ابويا، حتى أنت كنت مفروض عليا علشان كده كرهت حياتي ونقمت عليها واتمردت عليكم … لتتنهد بتثاقل وتضيف سبب خزيها مسبوق بدمعاتها: -بس طلعت غبية وظلمتكم و عارفة انكم كرهتوني وعمركم ما هتسامحوني ابدًا كانت تتحدث ومع كل كلمة دمعة حارقة تهطل من عيناها وهي حقًا تلعن غباءها وتندم على كل افعالها المخزية، بينما هو وقف مواجه لجلستها وكوب وجهها قائلًا بنبرة حنونة متفهمة لأبعد حد: -ششششش اهدي دموعك بتقتلني يا "نادين"...انسي وارمي اللي فات ورا ظهرك وافتحي صفحة جديدة مع نفسك وإذا كان على أمي هي بتحبك ومش زعلانة منك ومهما عملتي مش هتكرهك علشان محدش بيكره ولاده. رفعت عيناها الباكية له وتساءلت بترقب شديد وبقلب يرتجف بين جنباتها ترقبًا لإجابته: -وأنت؟ تنهد تنهيدة محملة بتلك المشاعر التي تجيش بصدره ثم تناول يدها وجعلها تستقر على موضع خافقه وكأنه أراد يطمئنها أن دقاته مازالت تناجي بإسمها وتنتمي لها ثم قال بنبرة دافئة مفعمة بالحب بثت بها السَ\كينة: -اللي يحب ميعرفش يكره ومبيعرفش غير يسامح، وقولتلك قبل كده أنتِ الروح لروحي يا"نادين" و وجودك هو دليل حياتي حانت منها بسمة متألمة من بين دمعاتها وهي تشعر أن ذلك الحب الذي يفيض من عينه و يشع من حديثه هي ليست جديرة به ولا تستحقه بالمرة، فيكفي أنها تذكرت ذلك اللعين" طارق" وما أقدمت عليه في سبيل انتقامها وهواجسها الواهية لذلك همست بخزي من ذاتها وبنبرة مرتعشة واهنة يحفها الندم: -بس انا مستهلش حبك... انا مستهلش حاجة ابدًا...يارتني موت مع أمي ولا كُنت عملت كده فيك وفيا لم يتوقع انهيارها لذلك الحد واستغرب كثيرًا إصرارها كونها لا تستحق حبه، ولكنه لم يكن أمامه غير أن يهدأ من روعها ويحاول تهدئتها، فقد حاوط بكفوفه وجنتها وثبت نظراتها الباكية عليه وقال بنبرة رغم صرامتها إلا أنها كانت مغلفة بأحتواء لا مثيل له: -بعد الشر عليكِ إِياك أسمعك تقولي كده تاني نكست نظراتها ولم تستطيع مواجهته، ولكنه باغتها صارمًا وهو يثبت رأسها لأعلى كي يرى عيناها بوضوح: -بصيلي...وبطلي عياط أنتِ قوية وعمري ما هسمحلك تضعفي وانا جنبك...أنتِ مش وِحشة ومش معنى أنك غلطتي تبقي متستهليش كلنا بنغلط ومحدش معصوم من الغلط وكلنا نستاهل فرصة تانية...أنا كمان غلطت و عايزك تسامحيني كنت غبي عمري ما حاولت اعرف سبب نفورك مني وكرهك لأمي وكان كل اللي شاغلني ازاي اكبح تمردك واقف قصاد عنادك ومجاش في بالي ان ممكن يكون ليكِ دوافع وكل اللي بتعمليه ليه سبب... أنا بجد آسف لو اتعمدت اخوفك واهددك بس صدقيني كان غرضي أخليكِ تتمسكِ بوجودي جنبك وتحسسيني إني الوحيد القادر على حمايتك،وآسف كمان علشان خليتك تخافي مني اندثر نحيبها وظلت تطالعه بنظرات مغلفة بالحب وصافية لا تحمل أي ضغينة لأسبابه التي عددها، ليستأنف هو حديثه بنبرة واهنة متألمة تنم عن أن ما سيصرح به أكثر شيء لا يتمنى حدوثه: - بس اوعدك عمري ما هكرر أخطائي تاني ولا هفرض نفسي عليكِ والقرار لسة بإيدك وأنا عارف أنك تقدري تتخطيني وتبدئي من جديد وضعت كفوف يدها على يده التي تحاوط وجهها وقالت بمشاعر توقف عقلها أخيرًا عن إنكارها و قرر أن يجعلها تبوح بها بقناعة تامة: -أنت فعلًا غبي ...علشان مقدرتش تفهم إني كُنت بعاند نفسي وبكابر علشان مستسلمش لحبك أنت كنت السبب في الحرب اللي كل يوم تقوم جوايا بين عقلي اللي رافض سيطرتك وسُلطتك عليا وبيدور على أي طريقة يتمرد بيها عليك وبين قلبي اللي عصاني و حَبك… كان يستمع لها بملامح مشدوهة غير مستوعب كونها تكن له المشاعر وتعترف الآن بكل طواعية بحبه فكان الأمر يصعب عليه استيعابه؛ لذلك تساءل بترقب: -قولتي أيه؟ أجابته بصدق وبنبرة حالمة مغلفة بالمشاعر وهي تمرغ وجهها بكف يده كالقطط بوداعة: -لو كان الزمن رجع بيا تاني كنت هختارك أنت ....أنا بحبك يا "يامن" بحبك دمعت عيناه وكاد يظن انه يهيأ له، ولكن نظراتها الصادقة التي تفيض بالحب جعلته يتيقن من كون الأمر ليس من نسج خياله فكان يشعر انه لامس السماء من شدة سعادته حتى أن قلبه كان يرفرف بين أضلعه كالطير الذي أطلقوا سراحه احتفالًا بسلام موطنه. فما كان منه غير أنه جذبها إليه واحتضنها ثم قبل أن تبادله هي عناقه حملها عنوة وظل يدور ويدور بها صارخًا بكل ما يعتمل بصدره من مشاعر جياشة غير عابئ للناس من حوله: - ياااااااه أخيرًا أنا مش مصدق يا قلب "يامن" قوليها تاني وتالت ورابع عايز اسمعها...أنا عايز الدنيا كلها تسمعها معايا أبتسمت هي تلك البسمة الآسرة التي طالما أوقعته بها وقالت عندما توقف عن دورانه دون أن يجعل قدميها تلمس الأرض وقد شدد على عناقاها أكثر حتى شعرت أنه يود أن يدفنها بين ثناياه: - بحبك يا مجنون - قلبي هيقف ياعاااااااالم قالت بتحبني...نادين بنت الراوي اعترفت وقالت بتحبني...بتحبني أناااااااا كان يتحدث بجنون وبنبرة هستيرية وكأنه فقد صوابه من شدة سعادته فقد نال لتوه تلك الكلمة التي ستحرر قلبه الأسير وتجعله يطلق العنان لتلك المشاعر الجامحة التي كان يكبح الكثير منها كي لا يتحايل على مشاعرها، بينما هي تشبثت به وهي تشعر بشعور رائع لا يضاهيه شيء قط فكانت لحظات حالمة مفعمة بالرومانسية جعلتهم يهيمون بها متناسين كل شيء غير عابئين بتجمهر المارة حولهم و تعالي الهمهمات بينهم، ولكن عندما لاحظت هي همست وهي تخفي وجهها بعنقه: -فضحتنا يا مجنون -أنتِ لسة شوفتي جنان ده أنا هبهرك...ليفصل عناقه لها وينزلها دون أن يفلت خصرها ويقول بصوت جهوري وبطريقة درامية جعلهتا تود أن تنشق الأرض وتبتلعها من شدة الخجل: -بلاش سوء نية يا جماعة والنعمة مراتي...محدش يفهمني غلط تعالت ضحكات كل من كان يحيط بهم فمنهم من تمنى لهم صلاح الحال ومنهم من أخذ يتمنى لهم السعادة الدائمة ومنهم من كان يصور ما حدث تخليدًا لذلك المشهد الفريد. فقد أخفت وجهها بكتفه من شدة الحرج حين تمسك بيدها ورفعها لفمه يلثمها وكأنه أراد أن يكلل تلك اللحظة الحالمة لتطبع بذاكرتهم للأبد قبل أن يصحبها ويغادر المكان بينما هي كانت تحمد الله كونه منحها فرصة أخرى كي تبدأ من جديد وأزال تلك الغشاوة عن عيناها فتقسم أنها لن تستسلم لشيطانها مرة أخرى فقد أدركت أخيرًا أن خطيئتها لم تكن بريئة ولم تكن مبررة كما كانت تعتقد بل كانت أَثمة ويتوجب عليها أن تتوب عنها وتطلب الغفران من ربها قبل أن تودي بها وتجعلها تخسر أكثر شخص يعني لها و لا تتمنى خسارته. --------------- أما عن ذلك الساخط صاحب الحالة المذرية فقد مر عليه الليل بصعوبة بالغة لدرجة أنه كان يشعر أن حتى الوقت يتأمر عليه ويرفض أن يمر، ولكن حين اتى الصباح ومر عليه أربع وعشرون ساعة كاملة حمد ربه كونه سيرى النور مرة أخرى، وقبل ترحيله إلى النيابة كي يتم التحقيق معه استغل تلك المكالمة التي يمنحها روح القانون للمحتجزين وهاتف "يامن" كي ينجده ويجلب أحد ينوب بالدفاع عنه ولكن لم يتمكن من التواصل معه لذلك اضطر أن يهاتف "منار" ويخبرها بما حدث ويطلب منها أن تبعث له محامي كي يؤازره ويلحق به لسرايا النيابة وبالفعل بعد يوم طويل بين تحقيقات وإجراءات روتينية استنفذت طاقته بالكامل تم إخلاء سبيله بضمان محل إقامته لحين النظر بالقض\ية التي حدد لها جلسة بعد شهر من تاريخه. فقد عاد لمنزله بملامح منهكة يجر أذيال الخيبة خلفه حين استقبلته "منار" حانقة: -ممكن أعرف انت ازاي تخبي عليا حاجة زي دي… لم يجيبها بل كان يطالعها بعيون غائرة متخاذلة يستغرب كيف تناست أن تتسأل عن حاله أولًا قبل ان تغدقه بتلك الأسئلة المقيتة خاصتها لذلك همس بعتاب وبنبرة لائمة: -طيب مش تطمني عليا الأول يا "منار" قلبت عيناها و تأففت قائلة باستخفاف وبلا مبالاة ذكرته بمواقف مشابهة: -افففف هيكون حصلك إيه يعني! كادت تقترب منه ولكن اقشعر وجهها ووضعت يدها على فمها قائلة بتقزز وبنبرة مشمئزة جعلته يود أن تنشق الأرض وتبتلعه بجوفها: -يععععع إيه القرف ده ريحتك بشعة... كان يظن أنها ستتلهف عليه ولكنها نفرت منه ولم تكلف ذاتها حتى أن تتصنع الأهتمام من أجله لذلك تحرك بخطوات وئيدة متخاذلة وقال بصوت منهك وهو يتخطاها للداخل يقصد المرحاض: -اعمليلي حاجة تريح معدتي وياريت تحلي عن دماغي وتخليكِ بعيدة عني انا أصلاً مش فايقلك دبت هي الأرض بغيظ وغمغمت ما أن أغلق باب المرحاض: -ماشي يا "سُونة" بتتشطر عليا أنا... كنت اتشطر على المسهوكة السُهونة بتاعتك اللي رمتك في الحبس. -------------------- عاد بها بعد ليلة حالمة لم يكن في ابعد خيالاته أن تكون بتلك الروعة وأن يحظى بتلك الكلمة التي أحيته بها، فقد أطفئ المقود ونظر لها وهي غافية بجانبه بنظرات متمعنة عاشقة ثم همس ببحة صوته المميزة وهو يزيح بأنامله خصلاتها التي تدلى على وجهها: -"نادين" وصلنا حمد الله على السلامة رفرفت بأهدابها حين وصلها همسه وردت بنبرة ناعمة تحمل أثر النوم: -الله يسلمك يا "يامن" حانت منه بسمة ماكرة وتساءل بمشاكسه وبعيون مُسبلة: -"يامن" حاف كده -قصدك إيه مش فاهمة -يعني مفيش حبيبي، روحي، قلبي،عشقي، أي حاجة من الحاجات اللي كنت بسمع عنها دي وهموت واجربها نكست رأسها بخجل وضحكت تلك الضحكة التي استعادت رونقها من جديد وأصبحت أكثر فتنة من ذي قبل وهمست: -أنت اكتر من كل دول ومفيش كلمة هتديك حقك تهللت اساريره بشدة و هتف بخفة أضحكتها: -ياريتك ما نطقتي قلبي حاسس بيه هيقف حتى شوفي... سحب كف يدها ووضعه موضع خافقه لتشعر هي بصخبه تحت يدها وتقول: -بعد الشر عليك يا حبيبي باغتها مشاكسًا وهو يشدد على كف يدها الذي مازال يستقر على صدره: -حبيبي ...يالهوي عليا وعلى اليوم اللي مش هيخلص غير وهو جايب أجلي سحبت يدها وهدرت بخجل وهي تقطم شفاهها: -بَطل رخامة بتحرجني ويلا ننزل علشان نقفل البوابة باين عليه عم "مُسعد" نام ونساها نفى برأسه وقال بعيون مُسبلة تهيم بليل عيناها وبتنهيدات مُسهدة اربكتها: - "نادين" طول عمري مؤدب مش كده! واظن انك تشهديلي بده وعمري ما فرضت عليكِ حاجة أومأت برأسها تؤيد حديثه وهي تستغربه بينما هو أكمل بنبرة عابثة وعينه لاتحيد عن غايتها: -أصل اللي هعمله دلوقتي ملهوش دعوة بالاحترام واحتمال يخليكِ تغيري رأيك وقبل أن يصدر أي شيء منها كان هو ينقض على شفاهها يقبلها قبلة حالمة، متمعنة، بنهم شديد ينم عن تلك المشاعر التي يشعر بها تثقل قلبه وتكاد تقضي عليه إن لم يعبر عنها استجابت هي له وبادلته قبُلته بحالمية شديدة حتى أنها كانت تضم رأسه بأناملها وتعبث بين خصلاته البُنية بحركات صدرت تلقائية منها ورغم ذلك جعلته يود أن يلتهمها بعد وقت ليس بقليل قبل أن تفصل هي قبلته وتهمس بأنفاس متلاحقة بالكاد تستطيع تنظيمها: -مجنون... مرر إبهامه على شفاهها بزهو وهمس بأنفاس ثائرة وهو يتفرس بها بنظرات متيمة: -عايزك تتعودي على الجنان علشان مفيش حاجة هتقدر تحجمني وتخليني اخبي مشاعري بعد النهاردة… حانت منها بسمة باهتة لم تصل لعيناها فقد ذكرها حديثه في تلك السنوات التي اهدرتها بتمردها عليه، فحقً كانت غبية بكل ما تحمله الكلمة من معنى فكيف كانت غافلة عن ذلك الشعور الرائع بقربه وعن تلك السعادة الغامرة التي تنعم بها الآن. وبعد جلد ذاتها لعدة ثوانِ همست وهي تكوب وجنته بنبرة نادمة: -هتغير يا "يامن" وأوعدك هنعوض كل اللي ضاع مننا بس أنت ساعدني واوعدني أنك مش هتسبني مهماحصل نفى برأسه وكأن ما قالته هو المستحيل بعينه وقال بكل إصرار دون لحظة تردد واحدة وهو ينزل كفوفها ويضع قبلة حانية على منهم: -اسيبك...ده أنتِ روحي يا "نادين" حد يسيب روحه نمت بسمة هادئة على ثغرها وعقبت بنعومة: -ربنا يديمك ليا يا حبيبي تحمح هو يجلي صوته وكرر مشاكسًا: -حبيبي تاني ... لأ كده كتير عليا وأنا بصراحة مش ضامن نفسي قالها وهو يميل برأسه من جديد عليها ولكنها دفعته بدلال قائلة: -لأ كفاية فضايح النهاردة ويلا ندخل البيت قبل ما حد من الجيران يشوفنا توقف عن عبثه بمضض شديد فمازال لم يرتوي ويقسم أنه لو استمر لأخر العمر لن يكتفي منها بينما هي أبتسمت تلك البسمة الآسرة التي تأسر قلبه وتدلت من السيارة فما كان منه غير أن يتبعها غافلين عن تلك العيون القاتمة التي كانت تتربص بهم من بادئة وصولهم وظل صاحبها يتوعد لهم بأشد الوعيد. ----------------- صباح يومً جديد يحمل بين طياته الكثير لذلك العقلاني الذي لم تغفل عينه لدقيقة واحدة منذ ما حدث فقلبه يأن بين أضلعه ولم ينفك عن التفكير بها منذ الأمس وكم ناجى الله كي يرأف بها وبقلبه الذي ينتمي لها رغم قناعاته. فكان بمزاج عكر للغاية حين حاولت شقيقته تقنعه بأن يعمل على أحد سيارات الأجرة التي يملكها جارهم بشكل مؤقت إلى أن يجد عمل بأجر أفضل فما كان منه غير الموافقة وبالفعل اليوم هو أول يوم له وقبل أن يخرج بالسيارة من منطقهم وجدها تقف أمامه وتلوح بيدها كي يتوقف، تجمدت نظراته لوهلة لايستوعب كونها تغاضت عن حديثه الرادع لها بلأمس وظهرت أمامه من جديد ورغم أن قلبه ارتعش أحفالًا لرؤيتها إلا أن ملامحه ظلت صامدة حين توقف وصعدت هي بجانبه قائلة باقتضاب دون أن تنظر له: -عايزة اروح عين شمس لو سمحت استغرق الأمر منه بضع ثوانِ كي يستوعب ما تحاول أن تفعله ولكنه فشل في فهمها لذلك هدر متسائلًا: -بتعملي ايه هنا يا "ميرال "مش اتكلمنا امبارح تنهدت بعمق واجابته بكل إصرار وبنبرة مقتضبة: -مقتنعتش... واتفضل وصلني علشان متأخرة وعندي محاضرات ضرب كف على آخر وقال بسخرية مريرة: -أنتِ مجنونة رسمي رفعت منكبيها وردت دون لحظة تردد واحدة: -قول اللي أنت عايزه قول إني معنديش كرامة وقول كمان إني فرضت نفسي عليك وعلى بيتك وعلى حياتك بس انا مصدقت لقيتك وعمري ما هفرط فيك...وبعدين أنت قولت أن دي مشكلتي لوحدي بس الحقيقة أن دي مشكلتك أنت لأنك قولتلي قبل كده إني اتحب وإن كل اللي معرفوش يحبوني العيب فيهم مش فيا وانا اتعودت أصدقك نعم قال ذلك مسبقًا وهو لا يحيد عن رأيه فياليتها تعلم أنها أصبحت تسري بدمائه سريان الدماء ولكن ماذا عن قلة حيلته ولذلك عليه أن يثبت ويدعي عدم الفهم كي لا يفتضح أمره: -يعني إيه مش فاهم؟ زفرت في ضيق من تلبده الذي مازال يصر عليه واعتدلت بجلستها وقالت وهي تضم حقيبتها إلى صدرها وكأنها تستمد منها القوة لكي تظل على إصرارها ولا تيأس ثم قالت: -يعني تسوق وتوصلني من سكات و اعمل حسابك انك هتلاقيني مستنياك هنا كل يوم ومتقلقش شغل العداد بتاعك وهحاسبك زي الزباين العادية مرر يده على وجهه وقال بكل عقلانية: -اللي بيحصل ده غلط وأنتِ مش مدركة الوضع كويس… أجابته هي بثقة استمدتها منه مسبقًا وبنبرة تقطر بالإصرار: - لأ مدركة وعارفة الوضع اللي أنت تقصده كويس يا "محمد" ومش فارق معايا حاجة وعندي استعداد أقف قدام الدنيا كلها علشان تفضل جنبي حديثها لم يبدو منطقي له ولم يستوعبه عقله لذلك قال بنبرة صدرت منه حادة بعض الشيء: -أفضل جنبك بصفتي أيه؟ كانت تشعر بمعاناته وتشعر بتلك الحرب الضارية التي تقوم داخله وكونها تعلم أنه مازال متمسك بمنطقه وقناعاته الراسخة إلا أنها حاولت أن تؤثر عليه قائلة: -مش لازم نحط مسمى لقربنا...خليه اللي بينا مش مشروط وأنا عمري ما هتحامل عليك ولا هفرض عليك حاجة...وعلشان خاطري أدي فرصة لقلبك يقرر بالنيابة عنك... نظر لها نظرة عميقة مطولة ورغم ذلك التشتت التي رأته في عينه إلا أنها كانت تشعر أن خلف ذلك التردد شيء يعنيها ويكنه لها فما كان منها غير أن ترسل له بفيروز عيناها نظرات مطمئنة مفعمة بالإصرار جعلته يهمس بتنهيده مثقلة وهو ينظر لأعلى يناجي ربه كي يلهمه الصواب: -حرام عليكِ يا "ميرال" أنتِ بتصعبيها عليا جاوبته وهي تلامس ذراعه بحركة عفوية لم تتعمدها ورغم ذلك زلزلت دواخله وجعلت عينه تغرق ببحر عيناها: -صدقني أنت اللي بتصعبها على نفسك وعليا انا مش فارق معايا حاجة غيرك... إصرارها وتمسكها به جعل بصيص من الأمل يتسربل لتلك القناعات ويزعزع ثباتها، وعندها تذكر حديث شقيقته بشأن السعي من أجلها و أدرك أن تمسكها به لذلك الحد سيدعمه ويجعله يفعل المستحيل كي يكون جدير بها؛ لذلك قرر أن لا ينهك نفسه بالتفكير أكثر فهو يعلم ما عليه فعله: -أنتِ مجنونة وجنانك ده معرفش هيودينا على فين (ميراكريم) أبتسمت وعيناها تهيم به ثم قالت بإصرار عظيم نابع من تلك المشاعر الجارفة التي تكنها له: -مش مهم هنروح على فين المهم أننا نبقى مع بعض وتتمسك بيا زي ما أنا متمسكة بيك تنهد تنهيدة مُسهدة وأتسعت بسمته وهو يشملها بأهتمام وفيض عيناه وكم تمنى حينها أن يبوح بما يختلج بقلبه لها ولكنه منع ذاته فلن يصرح ويعطي ذلك الوعد الصريح منه إلا إذا كان جدير به وفي استطاعته مجابهته والتصدي لكافة عقباته بينما هي كانت تشعر بحالة من السلام النفسي غير عادية فلولا محادثة "شهد" لها بالأمس وحديثها عن مخاوفه وتلك القناعات الراسخة التي يتمسك بها لم تكن تعلم فيما يفكر ولم تكن تشعر بتلك المعاناة التي تدور برأسه، فحقًا هي لا تكترث كونه لم يبوح لها بمكنون قلبه فيكفيها أنها ترى ذلك في عيناه وفي كافة أفعاله، فهي تعشقه ولا سبيل لها من دونه لذلك يتوجب عليها أن تحترم تلك القناعات الراسخة بداخله، فقد شعرت بموافقته الضمنية لها كي تظل بجواره وذلك كافي لها بل أكثر من كافي كي تشعر بالراحة والأمان. -------------- كأس يتبعه أخر حتى أصاب بحالة من الثمالة يرثى لها وكأن تلك الطريقة الوحيدة التي تلهيه كونها جعلته اغبى رجل على وجه الأرض، فمنذ تلك الليلة المشؤمة وهو يكاد يجن كي يتواصل معها ولكن لم يحدث ذلك حتى صديقتها الذي اضطر أن يسايرها كي تطمأنه عنها لم تريحه بل عاملته بطريقة فظة للغاية استفزته ولكنه صمد كي لا يجعل الشُبهات تحوم حوله، ولكن اليوم وكعادته في الآونة الأخيرة كان يقف أمام منزلها بصورة متوارية على أمل رؤيتها والاطمئنان عنها؛ وبالفعل حالفه الحظ ووجدها تعود برفقة الأخر وياليته لم يراها بأم عينه حينها وهو يقبلها داخل السيارة، يقسم حينها كان سينقض عليه وهو يظن أنه يتودد لها و يرغمها على ذلك ولكن لصدمته حين أمعن النظر داخل السيارة وجدها هي راضية مما جعل شيطانين الأرض جميعًا تتراقص أمام عينه وهو يدرك انها كانت تتلاعب به لذلك حاك شيطانه برأسه خطة جهنمية سوف تطيح بعدوه اللدود وتجعلها تأتي تحت قدمه كي يرضى بها بعد أن يتخلى عنها الأخر. -خير يا صاحبي في أيه جيبني على ملا وشي ليه؟ قالها "فايز" وهو يجاوره على أحد المقاعد العالية التابعة لذلك البار العريض بأحد الأماكن الليلية التي يجتمعون بها، زفر "طارق" حانقًا وأخبره بشر: -عايز منك خدمة أجابه "فايز" برحابة: -أنت تأمر يا "طارق" قولي عايز أيه؟ -هقولك بس الأول عايزك تراقبلي "ميرال" وتعرفلي مصاحبة مين وايه أراره استغرب "فايز" وقال متهكمًا: -"ميرال" إشمعنا أنت حنيت ليها ولا ايه؟ نفى "طارق" برأسه وأخبره بعيون قاتمة تقطر بالخبث: -لأ... بس في دين قديم ولازم يسد و"ميرال" هي حلقة الوصل اللي هتقضي على "نادين الراوي" ---------------- 🦋الثاني والعشرون🦋 المرأة التي تسرق عقل الرجل أذكى من التي تسرق قلبه لأن الرجل لديه ألف قلب وعقل واحد ديستوفيسكي. ----------------- بعد مرور اسبوعين كان هو بحالة يرثى لها فبعد ذلك اليوم المشؤوم الذي باته بالحبس وهو يتوافد عليه الكوابيس المرعبة كل ليلة وقد ساءت نفسيته لدرجة كبيرة وخاصًة كونه لم يستطيع بشتى الطرق أن يجدها بعد ما حدث ولا يعلم شيء عن ابنائه مما جعله يكاد يفقد صوابه ويشعر أن شيء كبير ينقصه، ورغم أن الأخرى تحاول أن تحتل تركيزه بشتى الطرق إلا انه يشعر بفتور غريب نحوها، حقًا يستغرب ذاته فمن كانت سابقًا لا يلقِ لها بال ولم يهتم بها يوم؛ أصبحت هي محور أفكاره الآن فقد أصبح لايفعل شيء سوى التفكير بها وكيف أصبحت بعد خسارتها، ورغم أنه يحمل سخط عظيم تجاهها كونها صَعدت الأمر ولكنه يكاد يجن ويطمئن عليها وعلى أطفاله، ولكن كعادته تدخل شيطانه وبرر له انها تثير أعصابه وتثأر لكبريائها لا أكثر بفعلتها وسوف تعود وحينها سيتمكن من التأثير عليها فمازال يكمن بداخله هاجس كونها لا تستطيع العيش دونه وسوف تتفهم اعذاره ككل مرة وتعود إليه وحتى أنه توقع انها ستتنازل عن ذلك البلاغ اللعين الذي سيتسبب في مقاضاته. حقًا التفكير كان ينهكه بشدة لدرجة انه أهمل عمله و جعل أحد العاملين ينوب عنه في كل شيء على أمل أن يجدها ويضع حل لمعضتله معها ولكن إلى الآن لم يحدث ذلك مما جعله في مزاج عكر طوال الوقت وتثور ثائرته من أقل شيء وبالطبع الأمر لم يعجبها بتاتًا لذلك اعترضت قائلة وهي تقف أمامه وتتخصر بجسدها: -هو أنت هتفضل في الحال ده لأمتى إن شاء الله أنا زهقت أجابها بنفاذ صبر وهو يطفأ سيجارته التي لا يعلم عددها لليوم بالمنفضة: -ابعدي عني يا "منار" أنا مش ناقصك لوحت بيدها وردت متهكمة: -كل ده بسبب المسهوكة بتاعتك أيه يعني لما أختفت شوية هي بتعمل كده علشان تغيظك شوية وهترجع دي حركات ستات بايخة وأنا عارفاها تنهد بضيق وأجابها بثبات حاول أن يتقمصه وثقة ليست ابدًا بمحلها: -عارف أنها هترجع هي أَجبن من أنها تهرب بولادي...هي بس بتكدني علشان كنت سبب في خسارة اللي في بطنها بس ملحوقة هتروح مني فين مسيرها ترجع لوحت بيدها وقالت باستخفاف مقيت: -يوووه بقى خلاص اللي حصل حصل وبعدين مراتك دي مملة أوي ومكبرة الموضوع وعطياه فوق حجمه...وبعدين دي المفروض تحمد ربنا علشان البيبي نزل بدل ما يبوظ جسمها و تعاني مع الوَش والزن والمسؤولية و وجع دماغ ظل لثوان قتامة بُنيتاه متعلقة بها بملامح جليديدة لا تنم عن شيء، ولكن بداخله كانت المقارنات تطرح لتنهكه أكثر فأكثر فكل مدى ويكتشف أن شتان بينهما، يعلم أن ذلك سر اعجابه بها في بادئة الأمر فكان يظن أنه سيرضي غرور ذاته ويجد الكمال الذي طالما طمع به ولا ينكر كونها ارضت ذلك الذكر الذي بداخله واشبعت رغباته ولكن لمَ يشعر بالفتور الأن تجاهها فهل فعلًا احبها كما ادعى وأخبر الجميع، حقًا لايعلم اجابة لسؤاله فكل ما يشعر به هو الخواء. طال شروده ولم يعجبها الأمر فهي تعلم انه يفكر في الأخرى لذلك حرضته بنبرة تقطر بالخبث: -إنت هتفضل ساكت كده المفروض تلاقيها و تخرب الدنيا على دماغها علشان البلاغ الزفت اللي قدمته ضدك زفر بضيق ورد وهو يمرر يده بين خصلاته الفحمية: -أنتِ ناسية أنهم مضوني في القسم على عدم تعرض وبعدين هلاقيها فين دي من يوم اللي حصل وهي فص ملح وداب ومش عارف اوصلها لا هي ولا بنت عمها حتى الولاد مش بتوديهم مدرستهم ومسبتش حد غير وسألته عليهم وسبت رقمي مع كل المحلات اللي حولين البيت علشان لو ظهرت يكلموني وبرضو مفيش فايدة قلبت "منار" عيناها من سيرة تلك الخبيثة التي خربت عليها مخططها وعكرت صفو حياتها التي كانت تتخيلها ستكون أكثر رغدًا عن ذلك الوضع المقيت الذي سئمت منه ومن مماطلته واعذاره الواهية لها فهي تشعر بسر خطير خلف تصرفاته تلك لذلك قررت أن تستغل أسلحتها كي تسبر أغواره وها هي تجلس على ساقيه وتتعلق بعنقه قائلة بنبرة مغوية ماكرة: -متقلقش يا "سُونة" هترجع هتروح فين يعني أنت بتقول أن ملهاش حد، وبعدين سيبك منها بقى وخليك معايا أنا ذنبي أيه تنكد عليا أنا زهقت يا "سُونة" أنت طول الوقت سرحان وقاعد لوحدك ومش معايا خالص وكل ما أطلب منك حاجة تقولي بعدين وأنا مش متعودة منك على كده أنا كنت اللي بشاور عليه بتجبهولي أيه اللي حصلك! زفر بسأم من محاولاتها الشتى التي أصبحت تصيبه بالضجر في بعض الأحيان وقال بمسايرة: -حاضر يا "منار" أوعدك هنفذلك كل طلباتك بس اديني شوية وقت اشوف حل للمصيبه اللي الهانم التانية وقعتني فيها عقدت حاجبيها وهبت واقفة تربع يدها اعلى صدرها قائلة بعتاب يغلفه بعض الإنفعال: -نعم وأنا مالي … وبعدين أنت بتحجج بس علشان مش عايز تجبلي حاجة... انا بجد مصدومة فيك مكنتش فاكرة انك هتبقى بخيل كده، ده من ساعة ما حطتلي المبلغ التافه ده في الفيزا بتاعتي قبل ما نتجوز مطلبتش منك أي حاجة حانت منه بسمة ساخرة على تبسيطها للأمور فذلك المبلغ التافه التي ذكرته الأن يعد ثروة لأحدهم، ولكن ماذا يفعل كان مغيب تحت وطأة رغبته فتبًا لذلك الشيطان اللعين الذي عبث برأسه حينها -يووووه انت هتفضل ساكت كده أنا متأكدة إن في حاجة وأنت مش عايز تقولها، ده حتى الشغالة أنا اللي عطيتها مرتبها ومصروف البيت كمان...وحتى شغلك الموظفين قالبين عليك الدنيا ومسؤول الشئون المالية اتصل اكتر من مرة زفر حانقًا من إلحاحها المقيت الذي لا ينقصه بتاتًا وقال: -مفيش زفت مخبيه عنك وياريت تحلي عن دماغي أنا مش فايقلك قالها بنفاذ صبر و بملامح صارمة اغاظتها وجعلتها تتأفف قائلة: -أفففف بقى انا زهقت منك ومن طريقتك دي، مش دي الحياة اللي كنت متخيلاها معاك هب واقفًا بعدما ثارت ثائرته وقبض على رسغها قائلًا من بين أسنانه: -بقولك ايه ده اللي عندي وبلاش تستفزيني علشان انا مش طايق نفسي ومضمنش ممكن اعمل ايه نظرت له نظرة قوية غير خاضعة وردت وهي تجذب يدها من بين قبضته بكل ثقة: -هتعمل ايه يعني أنت متقدرليش على حاجة...ولو فاكرني شبه المسهوكة بتاعتك هسكتلك واحط كرامتي تحت رجلك تبقى غلطان زمجر غاضبًا من تصديها له ومجابهتها له كلمة بكلمة: -اخرسي و مترديش عليا و متجبيش سيرتها وابعدي عن وشي رشقته بنظرات متوعدة وقالت قبل أن تكف عن المجادلة: -هبعد يا "سُونة" بس صدقني أنت اللي هتخسر لم يكن يريد أن يحتد بينهم الحوار لهذا الحد ولكنها من تستفزه بفضولها وتلك الأسئلة اللعينة التي لا يود أن يخوض بها فهو على يقين تام إن علمت بشأن أخذ "رهف" لماله لن تصمت وسوف تهزأ منه وتقيم قيامته لذلك كان يتعمد أن يخفي عنها إلى الأن، فقد تجاهل ما قالته كعادته وأخذ يفكر في تلك الألتزامات التي تثقل كاهله فكيف سيتمكن من الإيفاء بها وهو صفر اليدين لا يملك قِرش واحد في حسابه المصرفي فلولا انه وجد مبلغ بسيط في خزنة شركته لم يكن يعلم كيف كانت ستمر تلك الأيام القليلة عليه، فكان يشعر أن رأسه تكاد تنفجر من كثرة التفكير يحاول جاهدًا إيجاد حل وفي أسرع وقت قبل أن يسوء الأمر أكثر طرقات على باب غرفتهم قطعت تفكيره ليسمح للخادمة بالدخول وفور دلوفها للغرفة قالت: -في واحد مُحضر من المحكمة عايز حضرتك يا بيه شحب وجهه وهرول إلى الأسفل وقد تبعته "منار"وما أن قابله قال ذلك الشخص برسمية شديدة: -استاذ "حسن طايل" ياريت توقع على استلام الاعلان ده نابت هي عنه السؤال: -إعلان إيه ده؟ أجابها وهو يناوله القلم كي يوقع بالاستلام: -ق\ضية طلاق للضرر من قِبل السيدة "رهف حسين" لاحت على ثغرها بسمة متخابثة أخفتها سريعًا، بينما هو كانت الصدمة حليفته فقد شحب وجهه أكثر وزاغت نظراته وشعر بالصقيع يداهم اطرافه التي تحكم بها بصعوبة كي يضع توقيعه على الورق فكان يشعر بالأرض تميد به ولا يستوعب كونها مقتته لهذا الحد الذي يجعلها تريد مقاضاته والطلاق منه في آن واحد، فيقسم أن آخر شيء كان يريد أن يتوصل له هو خسارتها! أما عن "رهف" فيبدو أنها لا تشاركه تلك الرغبات الساذجة بل اتخذت قرار قاطع لا رجعة فيه وكيف يكون؛ وقرارها نابع من مستنقع الأفعال المشينة و الخذلان الذي أغدقها به تحت وطأة تلك الخطايا التابعة لفعلته. ------------------ -هو مش انا قولتلك متجيش واقعدي في البيت ذاكري امتحاناتك قربت قالها "محمد" معاتبًا بعدما باغتته ككل يوم وصعدت إلى سيارة الأجرة التي يعمل عليها قبل أن ينطلق بها من منطقتهم لترد هي عليه ببسمة مشاغبة مفعمة بالحياة: -حاولت ومعرفتش وبعدين اعمل ايه يعني وحشتني يا "حمود" -مجنونة اقسم بالله -طيب وايه الجديد ما أنا عارفة وبعدين متحاولش تنكر أن جناني ده بيعجبك حانت منه بسمة واسعة وعقب على مشاكستها ومنغاشتها اللطيفة: -للأسف ما باليد حيلة اتسعت بسمتها ثم طلبت بحماس: -طيب يلا بينا انا جعانة وعايزة أفطر فول من على العربية رفع أحد حاجبيه وقال مشاكسًا: -أنتِ داخلة على طمع بقى وشكلك هتضربيلي اليوم ومش هشتغل بالتاكس مطت فمها وتسائلت بترقب: -هو أنت زهقت مني يا "محمد" زفر بقوة وأجابها وهو يشملها ببندقيتاه: -"ميرال" أنا عمري ما اقدر ازهق منك بس ده أكل عيشي ولازم احترم الراجل اللي أمني عليه واديله حقه تنهدت بضيق واعتدلت بجلستها ثم قالت بعدم رضا: -أنا مقولتش حاجة بس بصراحة الشغل ده مش عاجبني وأنا كتير قولتلك أكلم حد من معارف بابي يشوفلك شغل غيره وأنت بترفض مسد جبهته بأبهامه وسبابته وطفر بواحدة من تلك القناعات التي يرفض أن يتنحى عنها: -أنتِ عارفة أنا برفض ليه...واظن قبل كده وعدتيني أنك مش هتفرضي حاجة عليا اعترضت وهي تجلس بزاوية المقعد كي تراه بوضوح: -يا "حمود "ما أنت دايخ على شغل غيره ومش لاقي، فيها أيه لما اساعدك! -"ميرال" خلاص قولتلك مش هقبل بأي مساعدة منك وياريت تقفلي الموضوع ده نهائي قالها بعزة نفس أبية و بكامل صوته الأجش ولم يعي أنه أجفلها وجعلها تنظر له نظرات معاتبة ألمت قلبه و جعلته يلعن ذاته ويدرك الموقف معتذرًا بسرعة متناهية: -آسف... والله آسف مكنش قصدي اتعصب عليكِ بس أنتِ عارفة رأي في الموضوع ده علشان خاطري يا "ميرال" بلاش نتكلم فيه تاني انا قدمت الsv في كذا شركة ولغاية دلوقتي محدش رد عليا بس أنا مش هيأس وهدور تاني وتالت ورابع على شغل وإن شاء الله هلاقي لامس صدق أسفه شغاف قلبها وكونها تشعر بتلك الحرب الضارية المقامة داخله ألتمست له الأعذار ولكن ليته يصدق أنها لا تكترث لدوافع حربه بل كل ما تكترث له، هو؛ لذلك تفهمته وردت بنبرة هادئة وهي تضع يدها على يده المسنودة بجانبه: -إن شاء الله يا "حمود" واوعدك طالما بيضايقك الموضوع ده مش هتكلم فيه تاني وخليك متأكد إني هفضل معاك لو لأخر العمر تعلقت عينه بموضع يدها وكم اراد أن يعانق أناملها الآن ويخبرها أنه ايضًا لن يفلتها، ولكن ليتها هي ايضًا تستوعب أن تلك القناعات الراسخة بداخله لاتجيز هذا، ولذلك يقسم أنه سيفعل المستحيل ليكون جدير بها وحينها لن يسمح لشيء أن يكبح تلك المشاعر المتأججة والمكبوتة بصدره عنها، يأست أن يجيبها ومن نظراته لموضع يدها تفهمت ما يدور برأسه لذلك ربتت على ظهر يده بحركة حثية مطمئنة جعلته يرفع نظراته ويغوص في بحر عيناها بنظرات تعلم ما يفيض منها رغم صموده وعدم بوحه بها ولكنها كانت كفيلة أن تجعلها تنعم بذلك الآمان التي لطالما كانت تبحث عنه، طال تشابك نظراتهم لبضع ثوانٍ قبل أن يتدارك هو ذاته ويزيح عيناه عنها بقليل من الارتباك وحينها زفرت هي واعتدلت من جديد بجلستها قائلة بنبرة مشاكسة كي تلهيه عن تلك الأفكار الطاحنة برأسه: -طيب يلا بقى انا ميتة من الجوع يا "حمود" متبقاش بخيل وكمل جميلك تنهد تنهيدة مُسهدة بضجيج قلبه وحانت منه بسمة هادئة اختطفت قلبها حين قال: -حاضرأمري لله لما أشوف أخرتها معاك يا حلو لملمت خصلاتها ببسمة خجولة بفضل ذلك الإطراء المحسوس منه بينما هو أنطلق بها كي يلبي رغبتها، غافلين عن تلك السيارة التي تتبع خطاهم منذ عدة أيام وذلك الشخص بداخلها الذي رفع هاتفه للتو ونقر رقم من وكلته بذلك يخبرها بكل التفاصيل ويؤكد لها أن كافة ظنونها بمحلها تمامًا -------------- أيام مرت عليها بصعوبة بالغة بعد خسارتها فكانت صبح وليل تنعي حظها وتلعن حياتها حتى كادت تجف دمعاتها ولكن مع مرور بضع أيام استعادت رباط جأشها و استوعبت تدريجيًا أن تلك ارادة الله وحتمًا أن هناك حكمة خَفية وراء خسارتها؛ لذلك رضت بما كتب لها واحتسبته عند الله. فربما حدث ذلك لينتشلها من سباتها ويجعلها تثور لكبريائها قبل أن تهدر سنوات أخرى مغيبة تحت وطأة رجل مثله. -"رهف" وبعدين معاكِ هتفضلي سرحانة كده كتير قالتها "سعاد" كي تحفز "رهف" التي كانت ساهمة طوال الوقت بعد ما حدث وكأنها بعالم منعزل لا يمت لعالمهم بشيء، تنهدت "رهف" ببسمة باهتة و طمأنتها: -هبقى كويسة يا "سعاد" متقلقيش عليا ومتستهونيش باللي مريت بيه ولسة أثره فيا نفت "سعاد" برأسها و واستها وهي تجلس بجوارها وتربت على يدها: -والله مش مستهونة بيه ... أنا عارفة أن اللي حصل صعب عليكِ بس لازم تقوي نفسك علشان تعرفي تاخدي حقك وتقفي على رجلك من تاني أومأت "رهف" بعيون أصبحت فارغة لا شيء يسكنها سوى الحزن ثم اجابتها: -متقلقيش مبقاش ينفع أضعف تاني واتهاون في حق نفسي أصل الضربة اللي مبتموتش بتقوي يا "سعاد" وأنا لازم ابقى قوية علشان خاطر ولادي تنهدت "سعاد" وقالت بتشجيع: -طب يلا قومي ألبسي علشان نخرج الولاد انا لما صدقت ولادي الاندال رجعوا من عند حماتي وعايزة اخرج معاهم قبل ما الاجازة تخلص نكست "رهف" رأسها وهمهمت معتذرة: -آسفة يا "سعاد "بوظتلك أجازتك ولخمتك معايا في مشاكلي وخليتك انشغلتي عن ولادك. زفرت" سعاد "ونهرتها قائلة: -أنتِ بتقولي أيه احنا أخوات يعني مفيش بينا الكلام ده…ده انا بحمد ربنا اني نزلت في التوقيت ده علشان ابقى موجودة معاكِ… وإذا كان على الولاد فمتقلقيش عماتهم وجدتهم غرقوهم فُسح وخروجات أبتسمت "رهف" بإمتنان عظيم لها بينما هي استأنفت قائلة: -يلا بقى الله يخليكِ قبل ما صاحبتك الزنانة ما تيجي وتوجع دماغنا وتستعجلنا همهمت هي بدفاع: -هي"سارة" زنانة بس جدعة كفاية أنها عطتنا مفتاح الشاليه بتاعها وخلتنا نقعد فيه طول الفترة اللي فاتت وجوزها هو اللي قام بكل إجراءات الق\ضية أيدتها "سعاد": -الحمد لله أن جوزك ما يعرفهاش أوي ولا يعرف تفاصيل عنها وبعدين أنا معاكِ هي جدعة بس ده ميمنعش انها زنانة يا "رهف" ده أنا دماغي بتورم لما بشوفها ابتسمت "رهف" بينما استأنفت "سعاد" وهي تنهض تفتح خزانة الملابس تنتقي بعض الملابس لها: -بس عايزة الحق أنا شايفة أنها صح...يعني لو سمعتي كلامها ونزلتي اشتغلتي معاها في المكتب بتاعها الشغل هيساعدك تتخطي المرحلة دي من حياتك وهيرجع حماسك وثقتك في نفسك تنهدت "رهف" تنهيدة مثقلة وأجابتها: -"سارة" كتير كانت بتلح عليا زمان بس أنا كان عندي أولاويات تانية …أنا وعدتها بس الأول أنا محتاجة شوية وقت أرتب حياتي من أول وجديد عقدت "سعاد" حاجبيها وتساءلت وهي تقترب و تجاورها من جديد: -بتفكري في أيه؟ زفرت هي نفس ثقيل من على صدرها وقالت بصمود قوي رغم هشيم دواخلها: -لازم أرجع مش هفضل هربانة منه ولازم اواجهه ده غير أن الولاد لازم يرجعوا للدراسة كفاية الوقت اللي ضاع نفت "سعاد" بعدم اقتناع: -إزاي بس يا "رهف" وافرضي اتعرضلك و أذاكِ تاني ده انا كنت شايلة هم حضورك جلسات المحكمة تقوليلي هرجع وأوجهه انا مش موافقاكِ ابدًا حانت من "رهف" عابرة وأخبرتها بقوة نشبت بداخلها بعد نكبتها: - متقلقيش عليا مفيش حاجة ممكن تأذيني اكتر من اللي عمله فيا...وبعدين انا اخدت حذري منه وهو مش غبي علشان يورط نفسه تاني معايا هزت "سعاد" رأسها واقترحت: -خلاص نبقى نشوف شقة بعيد ويكون هو ميعرفش عنوانها أَأمن نفت "رهف" برأسها وأخبرتها بصمود غريب وإصرار أغرب: -لأ انا هرجع البيت اللي اتربيت فيه واعيش هناك أنا والولاد أنتِ عارفة إني بحب الشقة وبرتاح فيها...ده يعني لو معندكيش مانع -لأ طبعًا ده بيتك...لتتنهد وتضيف وهي تربت على كتفها: -رغم خوفي عليكِ بس مفيش قدامي غير إني ادعيلك...دي حياتك أنتِ وليكِ مطلق الحرية فيها وأنا بثق فيكِ ومتأكدة انك هتعرفي تتصرفي وتاخدي قرارات صح وهتقدري تتخطي كل اللي فات أبتسمت "رهف" وأخبرتها بإمتنان وهي تحتضنها: -مش عارفة من غيرك كنت عملت أيه يا "سعاد" ربنا يخليكِ ليا --------------------- أما عنها فقد اندثرت هواجسها وقناعاتها تمامًا ولم يتبقى شيء منها سوى ذلك الندم الذي يفتك بها وتحاول جاهدة التكفير عن أخطاءها تجاهه وتجاه والدته وكم لامت نفسها كونها كانت غافلة عن كل تلك السعادة والدفء التي تنعم به الأن، فبعد تلك الليلة الحالمة التي طبعت بذاكرتهم للأبد تغيرت معاملتها له بنسبة كبيرة فقد اصبحت تطيعه بكل شيء بلا نقاش، وتتفهم خوفه عليها بكل طواعية، حتى أنها اعتذرت من "ثريا" وأبدت ندمها فما كان من "ثريا" غير أن تتفهمها وتلتمس لها الأعذار وترشدها إلى الصواب وتؤكد لها أنها مهما فعلت ستظل ابنتها التي تربت على يدها، فكان الأهتمام والحنو الذي يغدقوها به جعلها تلعن ذاتها في اليوم ألف مرة كونها اهدرت كل ذلك الوقت وهي مغيبة تحت وطأة انتقام واهي وشكوك بالية ليس لها أي اساس من الصحة إلا برأسها. أما عن صاحب الناعستين الدافئة فقد أصبحت بسمته لا تفارق وجهه بتاتًا من حينها وكأنه وجد ضالته بعد سنوات شقاء فكان في أوج سعادته وهو يلحظ تغيرها الجذري معه ومع والدته فذلك المنزل الذي كان يضج دائمًا بالمشاحنات والضجيج أحتله السلام أخيرًا واصبح الحب هو من يسوده. فحتى هو كان له مبادرة في ذلك التغير حين غير سياسته السابقة معها بعد أن أخذ عهد على ذاته أنه لن يرهبها مرة أخرى فبعد اعترافها الصريح له أطمئن قلبه وسَكن بين أضلعه ولم يعد بحاجة لهذا، فقد أصبح يشاركها تفاصيل يومه ويتلهف لردود أفعالها، يتحين الفرص كي يشاكسها و يستمتع بخجلها، وكما وعدها لم يفرض عليها أمر فقد سمح لها ان تذهب لجامعتها وقد أعاد لها هاتفها وابتاع لها جهاز لوحي أخر حتى أنه أهداها سيارة أخرى احدث موديل بنفس لونها المفضل ولكنها فاجأته عندما قالت له انها لاتريد أي شيء سواه، فلم تجربها حتى بل كانت لا تخطوا خارج باب البيت إلا برفقته هو، فحتى جامعتها أعرضت عن الذهاب لها وهاتفها لم تقم بفتحه إلى الآن، لاينكر أن الأمر اشعره بالغرابةقليلًا كونه مخالف لطبيعتها ولكنها كانت تؤكد له أنها لاتريد شيء أن يشغلها عنه وتريد أن تعوض كل ما فاتها معه وبقربه. -فهمتي يا مغلباني ولا في حاجة تانية واقفة معاكِ قالها هو حين انتهى من شرح أحد المواد التي تطوع بتدريسها لها. بينما هي كانت بعالم موازي تهيم به قائلة: -فهمت يا حبيبي ابتلع ريقه وزاد وجيب قلبه من ذلك اللقب التي اصبحت تمنحه اياه وقال وهو يهيم بليل عيناها: -يالهوي عليا وعلى حبيبي اللي بتطلع منك أنتِ عايزة تجيبي أجلي يا "نادين" مش كده نفت برأسها مستنكرة وقالت وهي تضع يدها على وجنته تتلمسها ببطء مميت: -بعد الشر عليك يا قلب يا "نادين" بلاش علشان خاطري تقول كده تاني أبتلع ريقه ببطء تحت وطأة اناملها التي تكاد تفقده ثباته وأومأ لها بهزة صغيرة من رأسه، ثم رد ببحة صوته المميزة التي تعشقها: -أنتِ أزاي كده أنا مش مصدق أنك هي! حانت منها تلك البسمة المهلكة خاصتها التى لطالما اوقعته بها وأخبرته بقناعات جديدة اكتسبتها بفضل أخطائها السابقة: -لأ أنا هي يا حبيبي بس الأول كنت بتحاما بعقلي ومفكرة إني قوية ومفيش حاجة تغلبني لكن دلوقتي أنا لغيت عقلي علشان اكتشفت ان كل اللي كان بيسيطر عليا بيه ملهوش اساس وأن القوة اللي كنت بتقمصها دي مكنتش غير إني بعاند نفسي علشان معترفش بضعفي قدامك وتأثيرك عليا انا بجد ندمانة على الوقت اللي ضاع مننا بسببي بس اوعدك هنعوض كل حاجة مع بعض من تاني ومش هخلي دقيقة تفوت إلا وأنا جنبك. حديثها جعل قلبه يتراقص بين أضلعه فلم يمنحها حتى فرصة لتتفاجأ حين جذبها لتجلس على ساقه ودثرها بحضنه هامسًا بعشق خالص لها: -أنا حاسس إني أسعد واحد في الدنيا صدقيني مش عايز حاجة تانية غيرك أنتِ كل احلامي يا "نادين " وضعت قبلة اعلى كتفه التي تسند رأسها عليه ثم همست بنبرة صادقة لأبعد حد: -وأنت حياتي كلها يا "يامن" أنا مليش غيرك اوعى تبعدني عنك. -أبعدك! ده أنا نفسي أزرعك جوة قلبي واخبيكِ عن الدنيا كلها … قولتلك ألف مرة أنتِ الروح لروحي يعني لو بعدتي أموت تنهدت براحة لا مثيل لها وهي تضيق حصار ذراعيها حول عنقه بطريقة حميمية أكثر بثت بداخله ذبذبات لذيذة وجعلته يشدد يده حول خصرها ويدفن أنفه بين خصلاتها يتناول عدة أنفاس مطولة من أريجها المميز بإنتشاء تام وبعيون مغلقة مستمتعة فقد لامست كلماتها الصادقة شغاف قلبه وجعلت تلك المشاعر تتأجج بداخله أكثر فأكثر فهو يعلم أنه اصبح يستغل الفرص ليكون قريب منها لذلك الحد ولكن ماذا يفعل فعزيمة ثباته تقل يومٍ عن يوم وخاصةً أمام تصريحها الصادق لمشاعرها و تغيرها الجذري معه وطاعتها التي يعشقها منها وتجعله يصبح مهوس بها . شعرت أن العناق سيأخذ منحنى أخر لذلك حاولت فصله ولكنه كان متشبث بها بقوة وكأنه يخشى فقدانها لتهمس هي بنعومة وبنبرة راجية راقته بشدة وجعلته يود مشاكستها أكثر: -"يامن"...وبعدين معاك ابعد وبلاش تحرجني مامتك هتشوفنا دفن وجهه أكثر بين ثنايا عنقها وكأنه مغيب و لم يستمع لها من الاساس ...دفعته بقوة أكبر ولكن هو كسد منيع لايحيد عن موضعه...فقد كان يمرغ وجهه بعنقها دون أن يلثمه يكتفي فقط بان يمرغ وحهه بعنقها مما جعل القشعريرة تدب بكافة جسدها ورغم ذلك قاومت مرة آخرى قائلة بتقطع وبعيون مسبلة وهي تستند براحتها على صدره الذي يعج بضجيج قلبه: -"يامن"...ابعد لم يكترث برجائها بل صعد بشفاهه لوجهها وأخذ يقبله قبلات متفرقة هامسًا من بين كل واحدة وأخرى: -قلب "يامن"... وروحه...وعقله أنتِ همسه الخطير شتتها حين أقترب من ثغرها ينوي تقبيلها، لا تعلم ما أصابها كل ما تعلمه أنها أغمضت عيناها تترقب قُبلته، راقه استسلامها كثيرًا لرغبته وإن هم وكادت شفاههم تتلاقى نفضهم صوت "ثريا": - انتو فين يا ولاد؟ نهضت عن ساقه وأبتعدت عدة خطوات عن موضع جلسته وهي تشعر أن ساقيها كالهلام لايستطيعوا حملها أَما هو أعتدل في جلسته وهندم قميصه وتناول الأوراق وتصنع انشغاله بها وكأنه لم يفعل شيء لتدخل "ثريا" وبيدها كوبين من العصير الطازج قائلة وهي تضعهم على الطاولة : -لسة بتذاكرو...ما كفاية بقى يا ولاد وتعالوا اقعدوا معايا لتزجر "يامن" وتقول: -سيبها تشم نفسها شوية يا ابني أيدتها وهي تحرك يدها امام وجهها تستجدي الهواء فقد أصبح وجهها يشتعل من شدة خجلها: - اه قوليله يا ماما "ثريا" أحسن هيحصلي حاجة عقبت "ثريا "بمحبة خالصة لها: -بعد الشر عليكِ يا بنتي إن شاء الله اللي يكرهك لاحت على ثغره بسمة عابثة ورفع حاجبيه وأجابها بِمغزى تعلمه هي تمام المعرفة: -عندي حاجات مش بتهاون فيها يا أمي وأظن هي لازم تبقي عارفة كده كويس من دلوقتي قال جملته الأخيرة وهو يغمز لها بتسلية مما جعل سوداويتها تتسع وتبتلع ريقها بتوتر اكبر فكانت تكاد تموت من الخجل وهي ترى نظرات "ثريا" لها وتلك البسمة التي تعلو وجهها وتدل أنها تتفهم ماذا يعني لذلك تلعثمت قائلة وهي تؤشر له بحركة متوعدة دون أن تلتقطها عيون "ثريا": -هاااا...اه...وماله أبتسم هو بعبثية تامة بينما "ثريا" تناوبت النظرات بينهم ثم تنهدت بأرتياح وهي تراهم بتلك السعادة التي طالما تمنتها لهم فقد لاحظت تغير "نادين" بنفسها من انسجامهم و معاملتها لها في الآونة الأخيرة؛ لذلك تشجعت قائلة وهي تتجه لأحد المقاعد القريبة وتجلس عليها: -طيب مش ناوين تفرحوا قلبي بقى يا ولاد تركزت نظراتهم عليها ولم يجرأ احد أن يبادر بالرد ولكن "ثريا" حاصرتهم بحديثها قائلة: -قصدي يعني الحمد لله الأمور اتصلحت بينكم ومفيش داعي للأنتظار اكتر من كده انا نفسي اشوف ولادكم قبل ما أموت هرول إليها وانحنى على يدها يقبلها قائلًا بعتاب: -بعد الشر عليكِ يا أمي بلاش سيرة الموت الله يخليكِ أنتِ عارفة مبحبهاش -ده قدر ومكتوب يا ابني ومحدش هيخلد فيها أنا بس نفسي تفرحوا قلبي واطمن عليكم واشوف ولادكم ومش عايزة حاجة تانية من الدنيا بينما هي اقتربت من موضعهم وقالت وهي تضع قبلة على رأس "ثريا": -بعد الشر عليكِ يا ماما "ثريا" ربنا يخليكِ لينا حانت من "ثريا" بسمة حانية شملتهم الاثنين بها ثم قالت بتحفيز: -يبقى تسمعوا كلامي وتفرحوا قلبي توردت هي واعتلت البسمة وجهها وأخذت تفرك بأناملها بينما هو كان ينظر لها نظرات مفعمة بلهفة قلبه التي جعلت "ثريا" تباغتهم قائلة: -البيت ده من ساعة ما مات "عادل" ومدخلتهوش الفرحة وأنا عايزة فرح كبير يتحاكى بيه البلد كلها تنهد تنهيدة مثقلة بضجيج قلبه ثم قال ببسمة هادئة: -أنا معنديش مانع بس المهم رأي العروسة اتسعت بسمتها ونكست رأسها لتؤكد "ثريا": -السكوت علامة الرضا مش كده يا "نادين" زاغت نظراتها بينهم وقطمت شفاهها وأومأت برأسها بنعم لتتهلل اساريره وينهض يتمسك بيدها قائلًا بلهفة لامثيل لها: -بجد موافقة تحمحمت هي بخجل وأكدت: -اه موافقة بس.. كادت تستأنف ولكنه قاطعها بتفهم: -عارف … هيبقى بعد امتحاناتك و بعد عيد ميلادك يعني كمان شهرين وافقته ببسمة واسعة ولكنها بعد وهلة اندثرت تدريجيًا حين تذكرت واحدة من مخاوفها وطفرت بها: -بس أنت ناسي خالي هنعمل فرح كبير أزاي واحنا مفهمينوا أن جوازنا طبيعي دلك مؤخرة عنقه وكأنه تذكر أمره الآن ولكنه أصر قائلًا بعدم اكتراث وبكل ثقة: -محدش ليه حاجة عندنا أحنا هنعمل اللي عايزينه وهو يخبط دماغه في الحيط إنتِ مراتي بفرح او من غير فرح وكل الدنيا عارفة كده إصراره وتلك الثقة التي يتحدث بها طمئنتها فطالما كان هو جدير بثقتها لذلك هزت رأسها بموافقة جعلت أساريره تفرج بشدة وجعلت "ثريا" تطلق زغروتة تنم عن مدى سعادتها ومباركتها لهم بينما هي كانت تنظر لفرحته ببسمة باهتة لم تصل لعيناها بسبب ذلك الخوف الذي يسكن قلبها من شيء لطالما ندمت عليه وتهربت منه فهي تعلم إنه إن علم به لن يغفر لها بتاتًا وعند تلك الفكرة شعرت بوخزة قوية بقلبها فحقًا أخر شيء تريده هو خسارته لذلك حاولت طمئنت ذاتها أنها ستحل الأمر ومن المؤكد أن "طارق" سيتفهم رغبتها فلابد أن تغلق كافة صفحات الماضي وتبدأ من جديد ولكن هل ياترى ستسير الأمور كما تأمل هي أم سيكون للقدر رأي أخر. ------------------ -يعني أيه فهمني أنا مش مستوعب ولا كلمة من الهري ده أنا بقولك مكنش قصدي ودي أول مرة اتهور وأمد ايدي عليها وبعدين ما كل الرجالة بتضرب مراتتهم إشمعنا أنا اللي هتحبس قالها "حسن" بغيظ شديد للمحامي وهو يدور حول نفسه كالثور الهائج، مما جعل المحامي يستأنف قائلًا: - قانون الأحوال الشخصية بيأكد أن ميشترطش أن يكون الضرر متكرر بيكفى أنه يقع الضرر من الزوج ولو مرة واحدة. وبعدين للأسف موقفك ضعيف جدًا لأن مرفق بالتقرير الطبي محضر إثبات حالة بالواقعة زمجر غاضبًا وقال وهو يشوح بيده ساخطًا: -وأنت لازمتك ايه إن شاء الله اتصرف شكك في التقرير او شوف أي ثغرة واستغلها تنهد المحامي الخاص به بضجر من فظاظة اسلوبه وقال موضحًا: -الموضوع مش عند يا استاذ "حسن" القانون في صفها دي جنحة والمفروض هيتنظر فيها كمان ١٥ يوم فعايزك تهدى علشان نحاول نلاقي حل وياريت تتحكم في اعصابك مرر يده بين خصلاته وهو يشعر أن الحصار يضيق عليه ثم قال بعدما هدأ من حدة نبرته وتساءل متوجسًا: -ايه اللي مفروض يحصل؟ أجابه المحامي بعملية تامة: -في جنح مشابهة بتكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد عن سنة أو دفع غرامة مالية بس احنا ممكن نطعن في الحكم بعديها أما بقى بالنسبة لق\ضية الطلاق فإذا تضررت الزوجة من عشرة زوجها بأن آذاها بالضرب أو بالسب او بالهجر او وإكراهها و إجبارها على فعل محرم شرعا فإنها بتستحق التطليق للضرر وعلشان ده يحصل لازم تتوافر عدة شروط تأهب بنظراته وأشار له بيده أن يستأنف حديثه ل يضيف الأخر: -يشترط في إيقاع الطلاق للضررتقرير طبي بنفس تاريخ وقوع التعدي وقبل أن يمر عليها 12 ساعة . ولازم يكون التقرير الطبي مطابق لما ورد في المحضر اللي تم تحريره من حيث نوعية أثار الضرب وللأسف كل ده مستوفي ومفيش ثغرة ممكن نشكك فيها، وحتى لو كنا قدرنا نعمل ده متنساش أن كان في شهود على الواقعة. ليتوجس المحامي من رد فعله وهو يستأنف: -الوضع للأسف مش لصالحنا وطبعًا بعد عدة جلسات القض\ية هتاخد مجراها المحكمة بتحكم ليها بكافة حقوقها الشرعية والمادية. كان يكاد يجن وهو يستمع له وعند تلك النقطة التي ذكرها ثارت ثائرته وضرب على سطح المكتب قائلًا: -حقوق أيه! دي هي اللي طالبة الطلاق. -ده مش خُلع يا استاذ "حسن" الفرق بينهم كبير... حانت منه بسمة هازئة مستخفة ليست بمحلها تمامًا وهدر بعدم اتزان وهو يمرر يده بخصلاته يشعر بفوران رأسه : -على أي وضع مش هيحصل انا مش هطلق لو وقفت على شعر راسها زفر المحامي وأخبره بتروي ناصحًا: -استاذ "حسن" انا شايف أنك تحاول تحل الموضوع بشكل ودي وتحاول تقنعها تتنازل قبل ما الموضوع يتصعد اكتر من كده زفر "حسن" حانقًا ثم أومأ له بتفهم وغادر مكتبه بخطوات واسعة يتأكلها الغضب وهو ينوي أنه سيبحث عنها ويجدها مهما كلفه الأمر قبل موعد المحاكمة غافل كونها قررت أن لا تختبأ منه بعد اليوم وبكامل إرادتها ستواجهه وتتصدى له. ----------------- مر يومين لا غير بعد حديثها مع "سعاد" بشأن عودتها وها هي قد عادت لذلك المنزل الذي لطالما تشعر به بالراحة فقد كانت تحضر أطفالها للذهاب لمدرستهم بعد أيام من الانقطاع... فقد قررت أنها ستعتمد على ذاتها وتقوي عزيمتها دون خوف أو رهبة فلم يعد شيء يرهبها كسابق عهدها حانت منها بسمة هادئة مليئة بالفخر وهي ترى ابنائها يتناولون الفطور بكل طواعية دون أي ضجر او شغب على غير عادتهم مما جعلها تقول وهي تجاور "شريف": -ساكتين ليه يا ولاد مالكم انتو كويسين؟ أومأو لها، وبادر "شريف"بإندفاع كعادته: -أحنا كويسين علشان أنتِ بقيتِ كويسة يا مامي وبطلتي تعطيتي وقررنا أننا عمرنا ما هنزعلك ولا هنتخانق تاني علشان متزعليش لتؤيده شقيقته: -ايوة أحنا كنا زعلنين عليكِ وكنت انا و"شريف" بنقعد نعيط قبل ما نام غامت عيناها التي يسكنها الحزن وقد جذبتهم لأحضانها فتلك الفترة التي تعافت بها أدركت أنها كانت تؤثر بالسلب عليهم دون قصد منها لذلك قالت بحنو وبصوت متحشرج على حافة البكاء وهي تقبل قمم رأسهم بالتناوب: -حقكم عليا...الفترة اللي فاتت كانت صعبة عليا اوي وبعدين أنا عمري ما أزعل منكم أنتو كل حياتي ياولاد ومليش غيركم قبلتها "شيري" من وجنتها وقالت ببراءة متناهية: -واحنا بنحبك يا مامي ومش عايزينك تزعلي تاني ولما يرجع بابي من السفر هنخاصمه علشان هو اللي علطول بيزعلك نفت "رهف" برأسها وقالت بدافع أمومي بحت كي لاتشوش تفكير ابنائها: -لأ يا "شيري" بابي مش هو السبب أنا كنت تعبانة شوية وعلشان كده كنت بعيط لكن بابي بيحبكم وهيجبلكم حاجات حلوة كتير لما يرجع من السفر صفقوا بحماس طفولي واتسعت بسماتهم لتستأنف هي: -يلا بقى علشان منتأخرش كملوا فطار إنصاعوا لها وباشروا تناول طعامهم بحماس بينما هي اندثرت بسمتها تدريجيًا وانفلتت دمعة من عيناها أخفتها سريعًا وأخذت تنعي بسرها حظها وحظ ابنائها فنعم كذبت، ولكن ليس من أجله هو، هي على يقين تام أنه لا يستحق أي شيء ولكنها فعلت ذلك من أجل ابنائها فلن تزرع ضغينة بقلوبهم لأبيهم وتشوش تفكيرهم بذلك السن الصغير بل كانت تفضل أن تمهد لهم أمر رغبتها في الأنفصال عنه تدريجيًا كي لا يؤثر بالسلب على نفسيتهم . --------------------- كانت تصحبهم وهي تقبض على كفوفهم الصغيرة براحة عارمة كأنها تحتضن العالم بما فيه بين يديها، خطوة خطوتان بعيدة عن مدخل البناية وتيبست قدميها عندما وجدته أمامها لوهلة شعرت بإنقباض قلبها ولكن كفوف صغارها وتمسكهم بها جعلها تصمد و تطالعه بنظرات باردة جوفاء خالية من كل شيء. اختصر المسافة بينهم بخطوتان حين لاحظوا ابنائه تواجده وهرولو إليه هاتفين بفرحة: -بابي وحشتنا جثى "حسن" على ركبتيه وشملهم بين ذراعيه يضمهم لصدره بإشتياق عارم هاتفًا: -وحشتوني اوي يا ولاد عاملين أيه كنت هتجنن عليكم؟ رد عليه" شريف" ببسمة واسعة: -أحنا كويسين أنت رجعت من السفر امتى؟ لتشاركه "شيري" ايضًا : -وياترى جبتلنا ألعاب حلوة زي ما ماما قالتلنا اخرجهم من بين ذراعيه و جعد حاجبيه مستغربًا ولكنها أرسلت له نظرة ثابتة تحثه بها على مسايرتهم فما كان منه غير أن يقول: -لسة راجع ...واه جبتلكم العاب بس في البيت نسيت اجيبها معايا لما نرجع مع بعض هتشفوها قال أخر جملة وهو ينظر لها نظرة مترقبة جعلت جانب فمها يعتلي ساخرًا ثم قالت دون أن تعيره أي اهمية أو توجه له حديث: -يلا يا ولاد عربية المدرسة وصلت. أومأو لها بطاعة، ليضع هو قبلة على جبهة كل منهم ثم يودعهم لتصحبهم هي إلى عربة المدرسة وما أن اطمأنت عليهم عادت ادراجها تحت نظراته، فكاد يجن حين وجدها لم تعطيه أي اهمية وتتخطاه وفي طريقها لساحة البناية ليهرول قابض على ذراعيها قائلًا بنبرة رغم حدتها إلا انها كانت تحمل العتاب بين طياتها: -كنتِ فين انتِ والولاد أنا دورت عليكِ هو للدرجة دي وصلت بيكِ يا "رهف"؟ نفضت ذراعه بشراسة هجومية لم تكن ابدًا من طباعها وقالت وهي تدفعه بصدره كي تبعده عنها بكل ما اوتيت من قوة: -إِياك تفكر تلمسني تاني ولا تقرب مني أنت فاهم… ثارت أنفاسه واحتدت نظراته وتراجع خطوتين بعيد عنها يستغرب تلك الشراسة التي اصبحت عليها، و رفع يده بأستسلام قائلًا بنبرة تحمل سخط عظيم: -مش هقرب بس احنا لازم نتكلم تعالي نطلع فوق ومنفرجش الناس علينا تقلصت معالم وجهها وردت برفض قاطع: -مستحيل يجمعني بيك مكان واحد من تاني ... زفر انفاسه دفعة واحدة واحتدت نظراته حين برر بكل تبجح : - أنا عارف أنك زعلانة على البيبي بس أنا مكنش قصدي تخسريه... وبعدين انتِ اللي استفزتيني و خلتيني معرفش اسيطر على اعصابي حانت منها بسمة تحمل بين طياتها سخرية مريرة فهو كعاهدته يعشق أن يتقمص دور الضحية ويضع اللوم عليها، لذلك قررت ترد عليه رد يليق عليه ويناسبه أكثر حين وقفت في مواجهته قائلة بثقة وبقوة اكتسبتها بعد نكبتها: -وفر اعذارك يا باش مهندس أصلها احتمال تنفعك قدام النيابة تفاجئ من حديثها كثيرًا فكانت واثقة بشكل أثار ريبته ولكن كعادته هدر متعجرفًا: -انتِ أزاي طلعتِ خبيثة و قليلة الأصل كده وعايزة تسجنيني وتطلقي مني علشان غلطة مش مقصودة هل هذا المسمى الصحيح لكم الخذلان الذي اغدقها به، هل من المفترض أن تتعاطف مع حديثه وتصدق على نواياه، ألهذا الحد يظنها ساذجة! -انت جاي عايز ايه؟ قالتها وهي تربع يدها أعلى صدرها و ترشقه بنظرات قاتلة استفزته وجعلته يهدر متبجحًا: -أنتِ مراتي وجيت علشان أخليكِ ترجعي عن اللي في دماغك وانا مسامحك بس خلينا نرجع زي الأول اصدرت صوت متهكم من فمها يشبه ذلك الذي كان يستفزها به حين يستخف بها و قالت بعدها ببسمة ساخرة وبنبرة لا تحمل لمحة ضعف واحدة: -زي الأول ...وكمان أنت اللي مفروض تسامحني... تصدق ضحكتني هو أنت فاكرني ساذجة للدرجادي علشان مقدرش اميز واغلط نفس الغلطة مرتين، انا ربنا بيحبني علشان شال الغشاوة من على عيني وعرفتك على حقيقتك لتندثر بسمتها تدريجيًا وتستبدلها بأخري نافرة وتستأنف حديثها: -أنت اللي جابك هو أنك خايف تتحبس يا باش مهندس لتتهكم قاصدة اثارت أعصابه كما يفعل معها: -بس أنا عذراك أصل وصلني أن قاعدة الحجز معجبتكش ومعدتك يا حرام ما اتحملتهاش. أحتدت نظراته وجز على نواجزه بقوة، يلعن ذلك اليوم بكل مافيه وهو يستغرب من أين علمت بتلك التفاصيل وكيف لها أن تتشفى به بتلك الطريقة فذلك منافي تمامًا لطباعها لذلك قال بنبرة تقطر غيظًا: -كله بسببك... وبعدين أنتِ أزاي شمتانة فيا كده...يا خسارة يا "رهف" لأول مرة من يوم ما اتجوزتك تخلفي ظنوني أنا كنت فاكر أنك عمرك ماهتخلي الأمور تتفاقم بينا لغاية كده كنت فاكر أنك عاقلة وأصيلة ومش هيهون عليكِ تسجني ابو ولادك ظلت على ثباتها ولم تؤثر بها تلك المسرحية الهزلية خاصته فقد طفر بنواياه الحقيقية دون ان يقصد؛ لذلك أجابته بكل ثبات وبنظرات متحدية شامخة: -"رهف "القديمة مبقلهاش وجود فمتحاولش تستعطفها علشان مش هرجع في اللي عملته وانت لازم تاخد جزاتك ومن هنا ورايح إياك تتعرضلي وإلا هبلغ عنك ولو فاكر انك ممكن تلوي دراعي بالولاد فالحضانة وفقا للقانون ليا لغاية سن الحضانة يعني مش هتعرف تضغط عليا بيهم وخصوصًا إني اقدر أثبت أنك مكنتش أمين عليا وبالتالي عمرك ما هتكون أمين عليهم اللي بيني وبينك المحاكم واظن انت فاكر إني طلبت منك الطلاق قبل كده وأنت رفضت فمتلمش غير نفسك أنت اللي اضطرتني لكده علشان اعرف أخلص منك لطالما كان يثق في قلة حيلتها ويظنها ستتفهم وتسامح كعادتها بلين قلبها ولكن حقًا افحمته بتلك الثقة والقوة التي تقطر من حديثها حتى أنه استغرب أين اندثرت تلك الهادئة المتفهمة قليلة الحيلة التي كانت لا تتحامل عليه مهما فعل، فكيف تبدلت هكذا في غضون أيام واين ذهب لين قلبها، فكان الأمر يصعب عليه استيعابه فأخر شيء كان يريده هو خسارتها لذلك وجد ذاته بدلًا أن يثور عليها يعاتبها قائلًا: -تخلصي مني يا "رهف" لدرجة دي أنا وِحش ومتعاشرش ومشفتيش مني حاجة حلوة لمعت عيناها بنظرة كارهة، مستنفرة وأخبرته بلا اكتراث يشابه ذلك الذي لطالما اغدقها به: -مبقاش فاضل شيء جوايا يتشفعلك ولا باقي عليك، أنا اكتشفت إن لو في جوايا طاقة للحب فنفسي و ولادي اولآ بيها (ميراكريم) لا يعلم لمَ شعر بوخزة مؤلمة بقلبه حين وجد تلك النظرة بعيناها التي تنم انها بالفعل مقتته، هي من كانت تستجدي حبه وأهتمامه من كانت يمثل العالم بعيناها أصبحت الأن تمقته لدرجة أنها ستتخلى عنه وتخرج من حياته للأبد، وعند تلك الفكرة وجد عقله يصرخ مستنكرًا ودفعه كي يقترب بضع خطوات منها يحاول أن يؤثر عليها ولكنها تراجعت مثلهم واشارت له بيدها هادرة بتحذير قوي: -إياك تقرب... رد بنبرة تلاشت منها الحدة تمامًا وحل محلها الخوف وكأنه أدرك للتو كونها جادة في قرارها: -أنتِ لسة مراتي يا "رهف" بلاش تعملي كده فينا بلاش تخربي بيتنا علشان خاطر ولادنا نفت برأسها بعدم اقتناع وردت متهكمة: -غريبة دلوقتي فكرت في ولادك وفي خراب بيتك...أنا عشت سنين بعافر لوحدي علشان أحافظ على بيتك بس أنت عمرك ما قدرت ده، الذنب ذنبك لوحدك واللي زرعته بأيدك هتحصده رمش بعينه يحاول ان يستوعب الأمر فهي محقة وهو كان على دراية تامة بذلك ولكنه كان يبرر تغاضيها وتحاملها كونه فرض عليها وحق مكتسب له، لعن ذاته بسره ولعن غبائه واستهتاره بها وهدر بترقب وبعيون غامت بالحزن لتوها: -خلينا نبدأ من جديد أنا مقدرش اتخيل حياتي من غيرك رفعت منكبيها بعدم إكتراث وأخبرته دون ذرة تردد وكأنها تبدلت لآخرى غريبة عليه: -مش مشكلتي...علشان أنا من هنا ورايح مش هقدم تنازلات و هعيش لولادي و لنفسي وبس غامت عينه وهو يشعر بشعور لأول مرة يداهمه وقال بنبرة متقطعة غير مستوعبة: -أنت بتقولي كده علشان واخدة على خاطرك صح... طب خلينا نقعد ونتفاهم ونوصل لحل تاني أنا متأكد أنك لسة بتحبيني وتقدري تسامحيني -مستحيل اللي كسرته جوايا مستحيل يتصلح الطلاق احسن ليا وليك بدل ما نأذي بعض اكتر من كده ذلك اخر ما تفوهت به قبل أن تتركه وتسير لداخل البناية تاركته مشدوه ينظر لآثارها بعيون غائمة وبقلب ثائر أدرك الأن فقط أن يقينه بشأنها لم يكن بمحله فثورتها تلك لم تكن سوى لتراكمات عديدة كانت تتغاضى عنها وتتهاون من أجل ان تحيا بسلام وتحافظ على كيانها ولكن هو لم يقدر ذلك يوم بل تمادي في طغيانه. ويبدو أن قد حان الوقت كي ينال جزائه. (ميراكريم) ---------------------- طرقات منتظمة على باب الشقة جعلت الصغيرة تهرول تفتح الباب لتجد سيدة تقول من طرف أنفها: -ماما موجودة يا شاطرة أجابتها "طمطم" وهي تتطلع لذلك الفراء الثمين التي تضعه على ذراعيها بأنبهار تام: -ايوة ثوانِ وانديهالك… هو ده فرو أيه ده حلو اوي صدر سؤالها عفوي للغاية وببراءة كانت تتلمس بأناملها الصغيرة ملمسه مما جعل الأخرى تنفض يدها بقرف وتأمرها بشمئزاز: -أففف ابعدي ايدك هتوسخيه وروحي نادي امك وخلصيني -مين يا "طمطم" على الباب قالتها "شهد" وهي تخرج من المطبخ وتحمل بيدها مغرفة الطعام التي كانت تعده لتوها وما أن اقتربت فغر فاهها واتسعت عيناها عندما علمت هويتها وهمست بشدوه: -"دعاء" حانت من الأخرى بسمة متعجرفة وهي ترشقها بتدني واضح وقالت بنبرة تحمل التحذير بين طياتها: -أه "دعاء " مش هتقوليلي اتفضلي يا "شهد" متهيئلي في عندي كلام مهم لازم تسمعيه... ده لو عايزة مصلحة أخوكِ. -------------------------- 🦋الثالث والعشرون🦋 ليس كل شيء في القلب يقال، لذلك خلق الله التنهيدة، الدموع، النوم الطويل، الإبتسامة الباردة، ورجف اليدين." - نزار قباني ----------------- -هو ده أخر المعروف يا هانم أنتِ واخوكِ قالتها "دعاء" بنزق بعدما استقبلتها "شهد" وادخلتها تجلس بردهة منزلها. عقدت "شهد" حاجبيها وردت مستفهمة: -قصدك إيه يا "دعاء" تعالي دوغري أنا لا بحب اللف ولا الدوران أجابتها "دعاء" بغيظ: -أنتِ عارفة أنا بتكلم عن ايه... تنهدت "شهد" وضربت على قدميها قائلة بنفاذ صبر: -اللهم ما طولك يا روح ما تخلصي يا "دعاء" وتقوليلي سر الزيارة الغريبة وايه الكلام المهم اللي عايزة تقوليه؟ أجابتها "دعاء" بنظرة تحمل خبث مقيت: -أخوكِ لافف على بنت جوزي و فاكرها هبلة وهيعرف يضحك عليها وياخد فلوسها بس انا عمري ما هسمحله بده شهقت "شهد" وأردفت بدفاع قوي وهي تلوح بيدها: -نعم قِرشين أيه اللي اخويا طمعان فيهم ....حَد الله يا حبيبتي بينا وبين فلوسكم قلبت "دعاء" عيناها وتأففت قائلة: -أففف أيه الحركات البلدي دي يا "شهد" هو انتِ مش هتتغيري ابدًا -وايه اللي يغيرني إن شاء الله هو في حد بيتبرى من أصله وبعدين يا تتكلمي كلام عدل يا متتكلميش قلبت "دعاء" عيناها من تلميحاتها التي تتفهم المغزى منها وردت بمسايرة: - أنتِ اتحمقتي ليه كده هي ملهاش تفسير تاني تقدري تقوليلي واحد زيه هيبقى عايز أيه من واحدة زيها غير الفلوس احتدت نبرة "شهد" وهي تجيبها: -اخويا مش خسيس ومش كل الناس بتحسبها زيك يا "دعاء" ضحكة صاخبة مستفزة صدرت من "دعاء" وتلاها قولها بنبرة هازئة: - زي... مهما كانت حساباته نجوم السما اقربله منها...ومهما خطط وحاول يعلقها بيه مستحيل هيحصل أي حاجة من اللي بتحلموا بيها...اخوكِ لئيم يا "شهد" ودلوقتي بس عرفت مكنش راضي يبلغني ليه بتحركاتها علشان كانت بتبقى معظم الوقت معاه وكان فاكرني مش هكتشف المؤامرة بتاعته زمجرت "شهد" وهدرت بإندفاع وبنبرة متأهبة وهي تلوح بيدها: -قسم بالله لو ما لميتي لسانك لكون شداه من بؤك ولفاكِ بيه...انا اخويا راجل بيفهم في الأصول ومش بتاع مؤامرات ولا الكلام الفارغ ده...وبعدين صوابعك مش شبه بعض ومش علشان انتِ كده يبقى كل الناس بتفكر زيك قالت آخر جملة بإندفاع و بطريقة متهكمة قاصدة أن تذكرها بما كانت عليه قبل زواجها مما جعل "دعاء" تستشيط غيظًا وتهب من موضعها قائلة وهي ترفع سبابتها أمام وجهها بتحذير مقيت: -أنا مش هنزل لمستواكِ وارد عليكِ أنا بس جاية اقولك خلي اخوكِ يبعد عنها احسن له -انتِ بتهدديني يا "دعاء" وبعدين أنتِ بتتكلمي بأي صفة أنتِ ملكيش سُلطة عليها نفت "دعاء" بسبابتها أمام وجهها وقالت بكل خبث: -ابوها مش بيكسرلي كلمة وزي الخاتم في صباعي واكيد رأيه مش هيختلف عن رأي، وعلشان أنا جدعة وبحكم المعرفة القديمة اللي بينا مجبتلوش سيرة وجيت علشان اخليكِ تعقلي اخوكِ وتخليه يعرف أن نجوم السما اقرب من اللي بيخطط ليه. ضربت "شهد"كف على أخر من تسلطها المقيت و وتهميشها لشخص زوجها وهدرت بوجهها بنبرة مندفعة مفعمة بالكبرياء افحمت الآخرى: -اسمعي أنتِ بقى... "محمد " مفيش أعقل منه والكلام ده سابق لأوانه وبعدين محدش عارف النصيب فين ولو ربك عايز يجمعهم هيجمعهم حتى لو أهل الأرض كلها اعترضت؛ مشيئته بس هي اللي هتكون... لتربع يدها على صدرها وتقول بتهكم تقصدته كي ترد لها ما بدر منها في حق شقيقها: -وانا برضو علشان جدعة هعمل نفسي مسمعتش حاجة منك ولا شوفتك من الاساس ده انا حتى مش هطردك من بيتي زي ما طردتي اخويا وهسيبك تمشي من نفسك قالت آخر جملة وهي تتوجه لباب شقتها وتفتحه على مصراعيه كدعوة صريحة لها أن تغادر مما جعل دماء الآخرى تفور من شدة غيظها وتخطوا نحوها وهي تضم ذلك الفراء الثمين على جسدها و ترشقها بنظرات متعالية قائلة من طرف انفها بنبرة تحمل تحذير مقيت: -كنت فاكركِ هتبقي عاقلة وهتقدري الموقف بس يا خسارة طلعتي غبية ومحدش هيدفع التمن غير اخوكِ لوت "شهد" فمها وقالت بإندفاع وبنفاذ صبر دون أن تعطي تحذيرها أي اهمية: -والنبي يا "دعاء" الواحد عنده مرارة واحدة ومش حمل نفشة ريشك دي الله يسترك طريقك اخضر وخلصينا جزت "دعاء" أضراسها بقوة من استخفافها بها وعجرفتها معها وغادرت بخطوات واسعة يتأكلها الغضب، بينما هي اغلقت الباب بعدها وجلست على اقرب مقعد تشعر بالقلق يزحف لقلبها ولكنها طمأنت ذاتها أن ما فعلته هو الصواب فما تطلبه تلك الصفراء منها يعد مستحيل بالنسبة لها فكيف ستفعلهاوهي ذاتها من أثرت عليه كي يتمسك بحبه وزرعت به الأمل للآتي، بالطبع لن تخبره وستتركه ينعم بقرب مالكة قلبه فلديها يقين تام ان الله سيتكفل بكل شيء. ---------------- بعد مرور عدة أيام مروا بسلام على تلك التي تتطلع لذاتها بالمرآة وهي تبتسم بسمة راضية لهيئتها فقد وعدها اليوم أنه سيصطحبها لتناول الغداء ليروح عنها عناء المذاكرة ويجعلها تعود بطاقة جديدة لها فلم يعد إلا أيام قليلة تفصلها عنها وحقًا هي كانت بأمس الحاجة لتخفيف شدة أعصابها، ولذلك تحضرت بحماس شديد وانتقت أحد الفساتين التي احضرها لها على ذوقه الخاص عوضًا عن التي مزقها سابقًا وتستعد بأبهى صورها. فقد مررت يدها بين خصلاتها التي أصبحت تقوم بتمليسها في الآونة الأخيرة وتخلت عن تجعيدها وعن تلك الهيئة المتمردة التي كانت تتعمد أن تظهر بها، سحبت قلم الحمرة و وضعت القليل منه على شفاهها تزامنًا مع طرقه لباب غرفتها، رجفة لذيذة سرت بجسدها عندما هرولت تفتح له الباب ورأت نظراته المتمعنة لها وقبل أن تتفوه بكلمة واحدة قال هو بنبرة عابثة وبنظرة اعجاب واضحة: -يخربيت جمالك ...هو في جمدان كده حانت منها تلك البسمة المهلكة التي لطالما أوقعته بها ليعقب بعدها بخفة وببسمة بشوشة واسعة: -كمان بتضحكي... شكلي داخل على أيام سودة ليرفع نظراته لأعلى ويستأنف راجيًا وهو يرفع يده: -يارب أنا على أخري عدي الكام يوم دول على خير من غير ما اتهور نكزته بكتفه وهمست بوجه يشتعل من شدة الخجل: -بَطل يا "يامن" ويلا بينا أنا خلاص جهزت أجابها وناعستيه المسبلة تتركز على تلك الحمرة التي تحدد شفاهها وتبرز شامتها التي تزين جانب فمها بشكل مغري للغاية جعله يكاد يفقد ثباته حين قال: -هبطل يا مغلباني بس مش قبل ما تديني تصبيرة على الماشي تنهدت بلا فائدة من مشاكسته التي لا تنتهي و أومأت بطاعة وهي تضع قبلة خاطفة على وجنته، ولكن الأمر لم يعجبه واعترض قائلًا وهو يحاوط خصرها: -"نادين" أنا مش ابن اختك بوسي بذمة وضمير انا زي جوزك برضه رفعت حاجبيها وهزت رأسها بحركة مدللة جعلته يعقب بعيون يتراقص بها المكر: -خلاص براحتك ابوس انا وقبل أن تعترض كان ينقض على شفاهها بقبلة حالمة مفعمة بضجيج قلبه المولع بها، ولكن لم يتمادى بقبلته دامت فقط لثوانِ معدودة حين قطعها هو قائلًا بأنفاس متهدجة وهو يستند بجبهته على منحدر انفها و يمسح بإبهامه على شفاهها: -الروچ حلو أوي ده بأيه بالفراولة نفت برأسها وهي بالكاد تستطيع تنظيم وتيرة انفاسها وتنفض تأثيره الطاغي عليها حين خرجت من حيز يده قائلة بعدما ادركت حيلته: -على فكرة انت رخم… اجابها بغمزة متسلية من عينه: -بس بتموتي فيا مش كده ابتسمت وأيدته بحركة من رأسها بينما هو قال بنبرة رغم عبثيتها إلا أنها كانت تقطر بغيرته: -أخر مرة تحطي منه وأنت خارجة أصله ملفت وانا مش بحب كده...ممكن تحطهولي في البيت بس وساعتها أنها هتكفل بالباقي قال آخر جملة بنظرة ذات مغزى جعلها تود ان تنشق الأرض وتبتلعها فقد أصبح في الآونة الأخيرة أكثر جرأة من قبل وحقًا الأمر يخجلها بشدة، لذلك قررت أن تفر وهي تتناول شالها الثقيل و تسحب حقيبتها تخرج منها عدة محارم تمسح بها بقايا حمرتها هادرة وهي تتخطاه: -طيب انا هستناك في العربية علشان انت مبقتش مضمون وانا بصراحة ابتديت اغير رأي عنك وانسى انك كنت مؤدب قالتها وهي تهرول بعيدًا عنه بطريقة جعلته ينفجر ضاحكًا بكامل صوته الرجولي قبل أن يلحق بها ------------------- صعدت للسيارة وانتظرته بضع ثوان قبل أن يخرج وتابعته بعيناها يفتح بوابة المنزل الرئيسية ويعود يصعد بجانبها لتتسأل هي: -هو عم "مسعد" فين وليه سايب البوابة؟ اجابها وهو يشعل مقود السيارة: -تعب وقولتله يسافر بلدهم يريح يومين أومأت له ببسمة هادئة وقبل أن تتفوه بشيء كان يحتضن كف يدها كعادته ويباشر بالقيادة ولكن ما أن تحرك بالسيارة وانحنى بها لأخر سور المنزل ينوي أن يسلك الطريق تذكر انه قد ترك هاتفه موصول بالشاحن داخل المنزل ليمط فمه بإستياء ويتوقف بالسيارة قائلًا: - حبيبتي نسيت موبايلي ثوان هرجع اجيبه تنهدت هي وشاكسته: -عقلك مبقاش فيك خالص الأيام دي شاكسها ايضًا وهو يقرص وجنتها بتسلية: -ما البركة فيكِ يا مغلباني ثوانِ مش هتأخر حتى هدخل من الباب الوراني وكويس ان معايا مفتاح الطبلة الجديدة أومأت له ببسمة متسلية وهمهمت وهي ترفع سبابتها تحذره بخفة : -لو اتأخرت هرجع في كلامي انا اصلا بتلكك قهقه هو ووعدها انه لن يتأخر وبالفعل تدلى من السيارة وفات للمنزل عبر ذلك الباب الخلفي. اخرجت هي مرآة من حقيبتها واخذت تعدل من خصلاتها ولكن فتح بابه لترفع نظراتها المبتسمة وهي تنوي أن تشاكسه من جديد ولكن حينها هوى قلبها بين قدميها واندثرت بسمتها وحل محلها خوف عظيم حين رأته يقف أمامها، لتهمس اسمه بجزع: -"طارق" اعتلى جانب فمه ساخرًا من ذلك الخوف المنطوق بعيناها وباغتها قائلًا وهو يصعد بالمقعد الذي يجاورها: -اه "طارق" اللي نسيتيه ولا على بالك… برقت عيناها وترجته بأعصاب تالفة: -"طارق" مش وقت كلام انزل ابوس ايدك "يامن" جاي وممكن يشوفك نفى برأسه واخبرها وعينه تقدح بالخبث: -خايفة منه للدرجة دي...ولا خايفة عليا؟ حاولت أن تحجج وتسايره قائلة بنبرة مرتعشة وانفاس ناهجة مش شدة توترها: -انامش عايزة مشاكل الله يخليكِ كفاية اللي حصل يوم Nightclub...انت متعرفش حصلي ايه انا كنت محبوسة و... قاطعها هو مزمجرًا وهو يضرب المقود بيده بقوة أجفلتها: -كدااااااابة انا بنفسي بشوفك بتخرجي معاه أنا مش نايم على وداني وكل صغيرة وكبيرة بيكون عندي علم بيها وشوفت بعيني اللي حصل بينكم قال أخر جملة بنبرة غاضبة تقطر بغيرته وعينه الجحيم يشتعل بها فمنذ ذلك اليوم وهو يكاد يجن ويحاول ايجاد أي تفسير للأمر غير الذي استنتجه عقله ودبر مكائده على أثره ولكن بلا جدوى لذلك كان يمني نفسه كي تخبره هي ويكون لديها تفسير منطقي يقنعه فكان متأهب لردها ولكن هي شل لسانها لدقائق بعدما زحف الرعب إلى قلبها وتفهمت ماذا يقصد، لتبتلع ريقها بحلق جاف تحاول أن تتماسك وتستعين بدهائها كي تفض ذلك الموقف اللعين قبل أن يحصل ما تخشى عقباه: -أنا...كنت بسايره مش أكتر...ابوس ايدك أنزل دلوقتي وهنتكلم بعدين ...في حاجات كتير اتغيرت وأنت معندكش علم بيها صدقني لما هتعرفها هتفهمني وتقدر موقفي تركزت سودويتاه بها يحاول أن يستشف صدقها ولكن صعب الأمر عليه لذلك هدر بنبرة قوية منفعلة ارعبتها: -ايه اللي اتغير يا "نادو"عايز أعرف دلوقتي ... ابتلعت غصة بحلقها وزاغت نظراتها فإن اخبرته الآن لا تضمن ردود فعله لذلك حاولت مسايرته : -هنتكلم وهفهمك كل حاجة بس مش دلوقتي ارجوك يا "طارق"...ارجوك انزل قبل ما "يامن" يرجع كانت تتوسله بصدق وبعيون غائمة تكاد تقطر بالدمع مما جعله ينصاع لها ولكن بعد أن قبض على مؤخرة رأسها بقوة واصطحب مع قبضته بعض من خصلاتها و قال بفحيح أمام نظراتها المشدوهة من شدة خوفها: -همشي وهنتحاسب بعدين بس أوعي تفتكري أنك هتعرفي تخلصي مني مش "طارق المسيري" اللي يضحك عليه بالبساطة دي واعملي حسابك مش هتكونِ غير ليا ولو على جثتي أنا مش هتنازل وهعمل المستحيل في سبيل انك تكوني بتاعتي لوحدي وملكية خاصة ليا وبس... فااااااااهمة ولا لأ قال أخر جملة وهو يشدد أكثر على خصلاتها بطريقة قاسية جعلت الأنات المتألمة تصدر من فمها ولكنها كبتتها بكف يدها حين رأت الجحيم يستعر بعينه حين كرر بغضب كاسح: -فااااااهمة ولا لأ انطقي ما كان منها غير أن تهز رأسها من شدة رعبها وتخوفًا من تبعات غضبه ليعتلي جانب فمه و يحل قبضته التي كادت تنزع خصلاتها من منبتها ويقول وهو يربت على وجنتها بنبرة تشف كونه ليس سوي بالمرة: -برافو عليكِ يا "نادو" أنا عارف أنك ذكية وعلشان كده بحبك ذلك أخر ما تفوه به قبل أن يتدلى من السيارة ويبتعد تاركها قاب قوسين او ادنى أن يغشى عليها من شدة رعبها، فكانت حالتها يرثى لها تحاول ان تلملم شتاتها ولكن وجدت ذاتها تجهش في بكاء مرير تكبت شهقاته بكف يدها لا تصدق ما حدث للتو ولم تتخيل حدوثه حتى في أفظع كوابيسها ...وبعد ثوانِ معدودة لمحته يأتي من بعيد لتلملم شتاتها وتجفف دمعاتها بسرعة متناهية كي لا تشعره بشيء ولكنه من الوهلة الأولى حين جاورها سألها مترقبًا: -مالك يا حبيبتي انتِ كويسة اغتصبت بسمة هادئة على ثغرها واجابته بتماسك: -اه.... يا حبيبي مفيش حاجة ليجعد حاجبيه ويتسأل بقلق وهو يجذب يدها المرتعشة بين راحتيه: -"نادين" وشك اصفر و حتى أيدك بتترعش مالك اتكلمي علشان خاطري أومأت له بمعنى أن كل شيء على ما يرام وهمست ببسمة باهتة لم تصل لعيناها وهي تسحب يدها من بين راحتيه وتتناول شالها الثقيل وتضعه على ذراعيها تدثر به نفسها: -مفيش يا حبيبي بس بردت شوية -طب تحبي نرجع البيت -لأ أنا كويسة ودلوقتي هدفى لما تشغل التكييف ونمشي بالعربية لا يعلم لمَ شعر بشيء مريب بها ولكنه كذب حدثه وشرع من جديد بقيادة السيارة، بينما هي بادرت بأحتضان يده بقوة وكأنها تريد أن تستمد منه القوة فهي تشعر أنها أصبحت على حافة الهاوية ولابد أن تتشبث بتلك الأرض التي يخبرها دائمًا انه نقطة ثابتة بها. --------------- كان يدور حول نفسه وهو يحادث أحد موظفيه الذي يعتمد عليهم وقد وَكله بأدارة كل شيء في غيابه فقد ثارت ثائرته عندما علم أن العمال في أحد المواقع التي تقوم شركته بتنفيذها لصالح اكبر ممول بالبلد يعرضون عن العمل بسبب تأخير أجورهم مما جعله يكاد يجن فكيف سيأتي بالمال ليوفي إلتزامات العمل وهو صفر اليدين بِفضلها -حضرتك لازم تتصرف الوقت بيمر ومعاد تسليم الوحدة التانية من المشروع قرب والعمال رافضين يشتغلوا قالها "حسام" مدير شركته التنفيذي بعملية شديدة، ليرد عليه "حسن" بأعصاب تالفة وهو يمرر يده بخصلاته الفحمية يكاد ينزعهم من فرط عصبيته: -مش عارف أعمل ايه وايه المصايب اللي نازله على دماغي دي أنا حاسس أن في لعنة صابتني ومش عارف أتصرف. وعلى ذكر اللعنة اقتحمت هي مكتبه دون أي لباقة و هي تتمخطر بخطواتها بكعب حذائها الرنان وذلك الثوب الذي يمثل حرفيًا جلد ثانِ لها، فكان حضورها طاغي وجعل الصمت يحل على المكان ولم يصدر من أي منهم ردة فعل غير النظرات فأحدهم احتل الغضب عينه وفارت دمائه بينما الآخر لمعت عينه بنظرة أعجاب واضحة جعلتها تبتسم بسمة متخابثة مغترة بذاتها. -ايه اللي جابك يا" منار" وبعدين حد يدخل كده مش تخبطي الأول اقتربت تتأبط ذراعه أمام نظرات الآخر قائلة بنبرة مدللة للغاية دون أي تحفظ: -وحشتني يا "سُونة" وجيت علشان ابقى جنبك وأرجع الشغل تاني كور قبضة يده يشدد عليها كي ينفث عن غضبه وهدر متسائلًا: -جنبي فين احنا مش اتفقنا مفيش شغل مطت فمها وقالت بإعتراض: -أنا مقولتش إني موافقة لتوجه نظراتها المتخابثة ل "حسام" وتستأنف وهي تمط فمها: -يرضيك يا "حسام" ابقى مراته ومساندوش في شغله تحمحم "حسام "بحرج وطرق نظراته بالأرض بعدما استشف أنها تعمدت أن تخبره: -والله يا فندم دي حاجة تخصكم مليش دخل بيها ضحكة صاخبة صدرت منها وتلاها قولها بنبرة مصطنعة دون أي تحفظ : -أنت اتحرجت ليه كده و وشك جاب ألوان لم يعجبه بتاتًا ما يدور لذلك هدر بنبرة آمرة وهو بالكاد يتحكم بأعصابه: - "حسام" اتفضل دلوقتي على مكتبك وهنكمل كلامنا بعدين أومأ له "حسام" بطاعة وغادر بعدما رشقها بنظرة غامضة جعلتها تبتسم بسمة مغترة بذاتها، وفي الفور أغلق هو باب مكتبه وتقدم منها بخطوات غاضبة هادرًا بوجهها وهو يقبض على ذراعيها يؤرجحها بين يده: -أنتِ اتجننتي مش كده أيه القرف اللي أنتِ لبساه ده وايه الفرح اللي في وشك ده وازاي تخرجي من البيت من غير ما تقوليلي وتسمحي نفسك توجهي الكلام لراجل غيري وتضحكي بالشكل ده من غير ما تعملي اعتبار ليا ولا لشكلي قدامه نظرت له شذرًا ثم بكل ثقة دون ذرة خضوع واحدة نفضت يده وهدرت بأعتراض: -قولتلك ألف مرة أن مش مجبرة اعمل كده ولا اغير من نفسي أنت اتجوزتني وانت عارف أن دي طريقتي وده لبسي اللي كُنت بتتجنن عليه قبل كده وبتنزل بنفسك تشترهولي لتربع يدها أعلى صدرها ويعتلي حاجبيها قائلة بنبرة واثقة قوية: -وبعدين انا مش عيلة صغيرة علشان أخد الإذن منك وقت ما أحب أخرج...و ماله شكلي أنا أَشرف أي راجل انتسب لأسمه ولا أنت مستعر مني ومكنتش عايز حد يعرف بجوازنا زمجر غاضبًا من مجابهتها له كلمة بكلمة ومعاندتها التي لا تكف عنها: -هو أنتِ ايه كل حاجة عندك ليها مبرر أنا مش مستعر من جنابك بس ياريت تحترميني وتحترمي نفسك قبل ما تفكري تعارضيني وتقفي قصادي والمفروض الكلمة اللي أقولها متعارضنيش فيها وتسمعي الكلام وتنفذيه من سكات من غير مبررات ولا حوارات ملهاش داعي -أه انت عايزني ابقى نسخة من الهانم المسهوكة بتاعتك وألغي شخصيتي زيها أغمض عينه بقوة يحاول أن يكبح لجام غضبه وهدر بنفاذ صبر: -قولتلك قبل كده متجبيش سيرتها وياريت تقصري الشر وتغوري بمنظرك ده من وشي علشان أنا عفاريت الأرض بتتنطط قدامي لوحت بيدها بكل لا مبالاه وقالت بسخط عظيم: -أنا زهقت من طريقتك دي ومش قادرة اتحملها انت بقيت ملل أوي... استوقفه أخر ما نطقت به وكم شعر بالغباء، فكم كان مخطئ هو حين ظن أنه أحبها فقد أثبتت له تلك الأيام التي عاشرها بها أن لايوجد أي توافق بينهم لذلك هدر بنبرة ثابتة كي يضع الأمور في نصابها الصحيح ويتحكم بأسس تلك الحياة التي أدرك كونه تسرع و ورط نفسه بها: -قولتلك ده اللي عندي ومن هنا ورايح تترزعي في البيت ولبسك المقرف ده تبطليه وميتلبس تاني -أفففف بجد انت أزاي كده أنا مش مجبرة انفذ كلامك انا متعودتش على الخنقة دي -غصب عنك لازم تتعودي زفرت بضيقٍ من طباعة المتناقضة فما كان بالنسبة امر عادي ويطلق عليه انفتاح وحرية قبل الزواج الآن يعارضها به من اجل شكله الأجتماعي فقط ليس من أجل نخوته كرجل. -تمام بس أنا مش هقعد في البيت وعايزة ارجع الشغل تاني زمجر بنفاذ صبر وهو يجلس خلف مكتبه و يتناول أحد سجائره ويشعلها: -يوووووه اسمعي الكلام ومن غير ما تعارضيني وولو فكرتي تخطي خطوة واحدة برة عتبة الباب من غير ما تقوليلي تاني متلوميش غير نفسك ضربت الأرض بكعب حذائها بغيظ شديد وببعض الهمهمات المعترضة غادرت مكتبه تاركته يطفئ سيجارته في المنفضة الكريستالية بفوضوية عارمة ثم بكل غل حملها و قذفها بالحائط أمامه بكل قوته كي ينفث عن ذلك الغضب الذي يعتريه لاعنًا حظه وكل ما توصل له بفضل غبائه، فكان يشعر أن العالم أجمع تأمر عليه في آن واحد، فحقًا كانت اعصابه تالفة وعقله منهك لدرجة انه يشعر انه يفقد زمام كل شيء في آن واحد فمنذ رفض" رهف" له وحديثها الشرس معه وهو يشعر بشعور غريب لم يجربه من قبل فيقسم أنه إلى الآن يرفض عقله أن يستوعب كونها مقتته لتلك الدرجة، حتى أنه وجد بقايا ضميره يعيد كل ما مر أمام عينه ويقوم بتلك المقارنات الحاسمة لتجعله يتدارك شيء فشيء فداحة أفعاله التي ارتكبها في ظل إرضاء غروره و إشباع تلك الرغبات التي اندثر زهوها وأصبح يشعر نحوها بالفتور الآن. ------------------- كانت طوال الوقت شاردة ترد على أحاديثه المفعمة بالشغف بإقتضاب أو تكتفي فقط ببسمات باهتة مما جعله يشعر بريبة من حالها ويتسأل بقلق: -"نادين" أنتِ مش طبيعية خالص النهاردة ابتلعت غصة بحلقها ونفت برأسها قائلة بثبات بالكاد كانت تتصنعه: -مفيش حاجة صدقني... تنهد هو بعمق فهو يحفظها عن ظهر قلب لذلك لم يخيل عليه ادعائها، و هدر متفهمًا: -حبيبتي لو انا زعلتك في حاجة قوليلي يمكن مأخدتش بالي... بلاش تسكتي علشان ميبقاش في تراكمات بينا...وانا اوعدك هفهمك وأي مشكلة هنتشارك في حلها مع بعض تعلقت عيناها النادمة به وكم أرادت حينها أن تصرخ بعلو صوتها وتخبره أنها ليست مستاءة منه بل من نفسها فحقًا هي لا تستحق أي شيء من ذلك الحب والاهتمام الذي يغدقها به، ورغم حديثه المطمئن لها ولكن ياليتها تستطيع أن تزيح ذلك الحمل الثقيل عن كاهلها وتخبره، فكيف وهي تعرفه تمام المعرفة فإذا علم بالأمر لن يتهاون ابدًا فيا ليت الأمر كان شيء لا يمس كبريائه ك رجل ولا كرامته فهي تعلم طباعه جيدًا وذلك ما يقتلها وينخر احشائها، لذلك وجدت ذاتها تصرح بعيون تكن خوف عظيم: -عارف حتى لو زعلتني أنا جوايا رصيد ليك يدوم العمر كله مهما تعمل هسامحك، مفيش تراكمات؛ بس في حب ومواقف كتير كُنت فيها جنبي بتساندني وتقويني أنت سندي وضهري وكل حياتي وأنا من غيرك ولا حاجة يا "يامن" كانت تتحدث دفعة واحدة بنبرة صادقة نابعة من صميم قلبها الذي يخشى فقدانه. بينما هو كان يستمع لحديثها بعيون لامعة مُولعة بها وبكل حرف تنطق به يشعر أنه يلامس السماء من شدة سعادته حتى أنه همس ببسمة واسعة مفعمة بلهفة قلبه: -معقول كل ده انا؟ -مهما قولت مش هوفيك حقك قالتها وهي تربت على يده المسنودة على الطاولة بحركة مطمئنة مؤيدة جعلته يتنهد براحة ويهدر قائلًا وهو ينحني برأسه يقبل ظهر يدها بقبلة حانية واست قلبها: -انا بحبك يا "نادين" بحبك حانت منها بسمة هادئة رغم ذلك الخزي الذي يعتريها من نفسها ثم كوبت يده التي تستقر على يدها براحتها قائلة بتماسك بالكاد تصنعته كي تتهرب من أسئلته المتكررة التي ستفضح أمرها: -طب تعالى نرقص أومأ لها ولكن استوقفها قائلًا: -استني كنت هنسى تأهبت بنظراتها له وهو يسحب يده من بين يدها ويخرج علبة من المخمل الأحمر وفتحها أمام نظراتها لتشهق بتفاجئ حين رأت دبلتين واحدة من الذهب الأبيض المرصعة بفصوص صغيرة من الالماس الذي يخطف الأنفاس والآخرى فضية بتصميم رجالي مميز اعجبها كثيرًا، ليهمس هو بنبرة عاشقة مفعمة بضجيج قلبه: -آسف إني اتأخرت في الخطوة دي بس كنت عايزك تلبسي دبلتي بإقتناع تام منك من غير أي ضغوط علشان لو دخلت صباعك هتوعديني أنك متقلعهاش ابدًا هزت رأسها بسعادة منقوصة لطالما كانت تتمنى أن تكون خالية من أي منغصات أو شيء يرهبها ثم تناولتها من العُلبة واخبرته بكل ثقة: -عمري ما هقلعها ولو أخر يوم في عمري لتحثه بنظراتها أن يلبسها إياها وبالفعل فعل ذلك ببسمة واسعة جعلتها تود أن ترتمي بين يداه الآن وتجهش بالبكاء ولكن إن فعلت ستخرب سعادته وتجعله يشعر بالريبة من أفعالها أكثر لذلك ألبسته هي ايضًا دبلته وأخبرته بنبرة تقطر بحاجتها لتضمه لا لمَ تفوهت به: -عايزة ارقص معاك أومأ لها وسحبها لساحة الرقص التي تتوسط المكان ليحاوط خصرها ويبدأ أن يميل بها على أثر تلك النغمات الهادئة بخطوات مدروسة متقنة وهو يشعر أن قلبه يرفرف بين أضلعه بينما هي كانت تشعر بالكمال بقربه فكانت بحاجة لذلك القرب كي يطمئنها ويجعل السَ\كينة تعود لدواخلها لذلك طلبت بنبرة شبه متوسلة وهي تدفن وجهها بصدره: -احضني يا "يامن" تنهد بوله تام وشدد على خصرها ثم وضع قبلة حنونة على قمة شعرها، لتغمض هي عيناها كي تكبح رغبتها بالبكاء الآن وإفساد سعادتهم وتتمتع بقربه وبتلك اللحظات الحالمة التي ستسكن بذاكرتها للأبد. بعد وقت قليل وعندما طال صمتها همس هو بنبرة هادئة: -فاكرة يوم ما اصريتي ارقص معاك يوم عيد ميلاد صاحبتك بهتت ملامحها لثوان قبل أن تجيبه: -اه "ميرال" تنهد تنهيدة عميقة ثم أخبرها: -اليوم ده كان حلو وعمري ما نسيته شعرت بوخزة بقلبها عند تذكر هذا اليوم وكم لعنت أفعالها حينها، ولعنت شيطانها الذي دفعها كي تهدد وتثير أعصاب تلك الرفيقة التي لاتعلم حتى لما فعلت بها ذلك كل ما تعلمه انها كانت تغار من تلك الحرية التي تتمتع بها؛ وحُرمت هي منها حتى انها استكترت عليها الآخر ونزعته منها دون أن تحسب حساب لشيء سوى لترضي غرورها وتخرج عن المألوف وتلبي رغبات شيطانها فياليتها كانت تعلم أن شيطانها سيتبرأ منها ومن أفعالها وسيتركها ليكون الندم حليفها وحدها. -سرحتي في ايه؟ قالها وهو يخرجها من بين يديه، لتبتسم هي بسمة مغلفة بالخزي وتجيبه بنبرة نادمة ومتألمة وضميرها ينهش بها: -أنا كنت غبية اوي يا "يامن" وعملت حاجات كتير مش عارفة هعرف اكفر عنها ازاي. كان يظن أنها تعني غباء أفعالها تجاهه حينها ولم يخطر بباله كونها تقصد شيء أخر لذلك أجابها بنبرة مطمئنة وهو يشملها بدفء عيناه: -حبيبتي انسي...وبلاش تعذبي نفسك وتلوميها وبعدين أنتِ وعدتيني انك هتبقي قوية و هنعوض كل اللي فات تنهدت بتثاقل واجابته ببسمة باهتة على ثغرها وهي تمرغ رأسها على كتفه كي تخفي تلك الدمعة التي فرت منها: -أنا قوية بيك يا "يامن" اوعدني أنك متكسرنيش وتبعدني عنك تنهيدة عاشقة صدرت منه وهو يضمها له أكثر ثم قال بهمس بصدق وهو يضع قبلة حنونة أعلى شعرها: -أنتِ روحي يا "نادين" ومفيش حد يعرف يعيش من غير روحه تنهدت بقوة وهي تتناول نفس عميق من رائحته المميزة ثم همست بصدق : -بحبك يا "يامن" ومليش غيرك في الدنيا -وأنا بموت فيكِ يا قلب وروح "يامن" كانت تلك الكلمات المؤججة بالمشاعر هي ختام سهرتهم ولكن ليست ختام متوقع لقصتهم كأي عاشقين؛ بل مازال القدر يخبأ بين طياته الكثير لهم. ------------------ انهى عمله و وجد ذاته يذهب لذلك المكان الذي لطالما جمعه بها وبأطفاله، لا يعلم لمَ أتى ولكن كل ما يعلمه أنه تعود عندما يضيق به الحال يعود لهنا و يجدها بأنتظاره كي تهون عنه وتنعمه بدفئها، ولكن الآن أين هي؟ فذلك المنزل الذي كان يضج بالحياة أصبح الآن مُوحش دونها. زفرة قوية نبعت من اعماقه ويخيل إليه انه يراها بكل زاوية فهنا كانت تجاوره وتشاركه تفاصيل يومها، وهنا على تلك الطاولة كانت تدس بفمه الطعام كما تفعل مع صغارها، أما هناك بغرفة مكتبه فكانت تجلس لساعات تتأمله وهو يعمل وكأنه هو اكبر انتصارتها، فنعم اشتاقها واشتاق لتلك البسمة الرقيقة التي تمنحه اياها و تجعله يظن أن العالم خلى من كل مصائبه ولم يتبقى غير ربيعها وسلامها النفسي الذي ينفض دواخله ويحفز كافة حواسه نحوها. تنهد تنهيدة مثقلة بالكثير من الندم وهو يرتمي على فراشه الذي لطالما جمعه بها، لتحين منه بسمة مفعمة بالحنين لتلك الليالي التي كانت تدثره بها بين أحضانها وتساعده على النوم وتمليسها على خصلاته بحركات حانية، ليجد ذاته يجذب وسادتها ويدفن وجهه بها لعلها يجدها خير منه واحتفظت بأريجها بين طياتها فنعم اشتاقها واشتاق لكل تفاصيلها، اشتاق ل "رهف" خاصته التي كانت تتفهمه دائمًا، فقد ادرك لتوه أن حياته دونها خاوية لم يعد بها دفء ولا سَ\كينة كالسابق، ورغم أن الأخرى توفر له حياة زوجية كأي زوجين ولكن لا تقارن بحياته السابقة بتاتًا، فتلك التفاصيل لم يلحظ توافرها من عدمه إلا عندما عاشر الآخرى فكانت هي تهتم بكل صغيرة وكبيرة تخصه حتى انه كان يُصنف تلك الأمور بالروتينية المملة التي تصيبه بالضجر، ولكن الآن استوعب انه كان ينعم بالكثير والكثير ولكنه لم يقدر ذلك قط بل كان ساخط عليه وانساق خلف أهوائه دون أن يحسب حساب يوم كهذا. ----------------- يوم جديد يصحب معه الكثير من الأمنيات والأمال لصاحب تلك القناعات الراسخة، فلم تخبره شقيقته بشيء ولم تريد تعكر صفوه وخاصًة انها تراه في أحسن حالاته فا بلأمس أتاه مكالمة هاتفية من أحد الشركات الكبرى التي تعلمه بقبوله بالعمل بها ورغم انه تفاجئ كثيرًا بقبوله بعد تلك الفترة الكبيرة إلا أنها لم تتفاجأ مثله فهي تعلم أن "ميرال" وراء ذلك فقد اخذت منها كافة التفاصيل وأسماء الشركات التي قدم بها مسبقًا ولم يحالفه الحظ وتوسلتها كي لا تخبره وبالفعل لم تفعل فطالما ذلك يصب بمصلحته لن تمانع فهي تعلم أن الوسطة والمحسوبية هي من لها الأولوية ببلدهم، ولذلك شعرت بالامتنان لها حين دبرت الأمر. -هااا ايه رأيك يا "شهد" حلوة البدلة عليا ولا اغيرها انا مش أخد على لبس البدل وحاسس إني متكتف انتشلها من شرودها صوت شقيقها لتصب كافة تركيزها عليه وتجيبه بنظرة فخر وببسمة حنونة: -بسم الله ما شاء الله عليك يا قلب أختك قمر والبدلة هتاكل منك حتة حانت من "محمد" بسمة حانية وقال مشاكسًا اياها بأحد الأمثال الشعبية القديمة: -القرد في عين أمه غزال نكزته "شهد" بكتفه واستنكرت: -قرد ايه! ده أنت سيد الناس كلها وبعدين امه ده ايه انت عايز تكبرني قهقه "محمد" وهو يقرص وجنتها بخفة: -أنت امي واختي وكل دنيتي أنتِ والمفعوصة الصغيرة وعارف محدش هيحبني في الدنيا ويخاف على مصلحتي أدكم حانت منها بسمة ماكرة وقالت: -ونسيت البت الغلبانة اللي بتموت فيك تنهد تنهيدة مفعمة بالكثير واخبرها: -منستهاش ولا اقدر عارفة يا "شهد" انا طاير من الفرحة وحاسس أن الشغل ده جه في وقته... يعني لو الشغل ده ظبط و صاحب التاكس رضى يسلمني طرف بليل الدنيا هتظبط وتبقى تمام - بس ده هيبقى تعب عليك يا قلب أختك ومش هيبقى في وقت كافي علشان ترتاح حانت منه بسمة متفائلة وقال بنبرة متأملة وهو يقصد صاحبة الفيروزتان اللامعة: -كله يهون علشانها وبعدين أنا مش هرتاح غير لما احس إني جدير بيها يا "شهد "... ادعيلي. ربتت "شهد" على كتفه وصاحت داعية: -ربنا يسعد ايامك ويكرمك من وسع وتحقق كل اللي بتتمناه يا قلب أختك وعلى ذكر الامنيات طرق باب شقتهم طرقات راقصة يعلموا صاحبتها لتقول "شهد "بخفة: -شوفت دعواتي دا انا بركة أهي جت على السيرة والله البت دي بنت حلال -طب روحي افتحلها يا بركة فتحت "شهد" باب الشقة لتجدها تقف ببسمة واسعة ترتمي بحضنها ثم تضع قبلة على وجنتها قائلة: -صباح الخير يا "شهد" وحشتيني قهقهت" شهد" وأخبرتها بمكر: -انا برضوا اللي وحشتك يا اونطجية ولا الاستاذ اللي جاية تجري علشانه ضيقت "ميرال "عيناها وتوسلتها بهمس وهي تتأبط ذراعها: -استري عليا يا "شهد" هزت "شهد" رأسها ببسمة واسعة بينما هي تسألت بلهفة: -هو فين؟ -هنا اهو برضو جيتي قالها وهو يخرج أمامها لتتجمد نظراتها عليه لثوانٍ ثم همست بصوت خفيض وفيروز عيناها يلمع بوهج عشقه: -يخربيت جمالك لم يلتقط هو همسها ولكن "شهد" فعلت حتى أنها نكزتها بكتفها، لتحمحم بحرج وتعدل حديثها: -هااا اه أصل انا مستحيل اسيبك في يوم زي ده من غير ما ابقى جنبك واشاركك حانت منه بسمة هادئة تنم عن مدى سعادته بتمسكها المستميت به وقال مراوغًا: -طب هتوصليني ولا اخد التاكس -هوصلك طبعًا بس الأول استنى قالتها وهي تخرج علبة مغلفة من حقيبتها وتخرج منها رابطة عنق تناسب تمامًا لون بدلته، جعد هو حاجبيه الكثيفين وسألها: -أيه ده؟ -اجابته بعفوية: -دي Neck tieعلشان تكمل الشياكة ضرب كف على أخر وقال بخفة وهو يعقد حاجبيه: -ياااه على سوء النية وأنا اللي كنت مفكرها كرڤتا قلبت عيناها وأكدت وهي تقلد طريقته: -يا سلام ما هي كرڤتا اعتلى حاجبيه وأخذ يهندم من ياقة قميصه قائلًا بغرور مصتنع لا يليق عليه: -عارف أنت فكراني جاهل ولا أيه أنا بكالوريوس تجارة أد الدنيا واخد كورسات وبتكلم لغتين لبلب بس أنا بس اللي بحب اتواضع علشان معقدكيش اتسعت بسمتها وهزت رأسها هامسة بمشاكسة: -عارفة انك جامد وشكرًا لتواضعك يا سيدي ممكن بقى تلبسها -أيه لزمتها انا مش بحبها بتخنقني -لازم تتعود عليها علشان بعد كده لبسك كله هيبقى Formal هز رأسه بعدم اقتناع لتتكرر هي بإصرار: - "حمود" بلاش تلكيك لازم تلبسها زاد مناقرتهم ومشاكستهم لبعض مما جعل "شهد" تطالعهم وهي تدعو الله بسرها أن يجمعهم معًا ويكلل ذلك الحب بينهم بنهاية تليق بنقاء قلوبهم انتشلها صوته الأجش من شرودها: -يا "شهد" الحقيني وقوليلها حاجة انا بتخنق من البتاعة دي حانت من "شهد" بسمة حانية وقالت بخفة: -اسمع كلام البِنية وبلاش تتعبها معاك وانا هروح اولع شوية بخور علشان يخزي العين قبل ما تنزل -بخور كمان انتو عايزين مني ايه؟ قالها وهو يضرب كف على آخر و يرى شقيقته تدخل للمطبخ وتقهق على مشاكسته بينما هي كانت تطالعه بنظرات حالمة زلزلت قاع قلبه ككل مرة وجعلته يرتبك قائلًا: -شكلكم اتفقتوا عليا...أمري لله بس أنا مش بعرف اعملها -أنا هعملهالك وأبطل حجتك وقبل أن تحصل منه على رد كانت تشب على طرف حذائها كي تضعها حول عنقه ثم وقفت أمامه تركز نظراتها على ما تفعله، بينما هو أغمض بندقيتاه بقوة وهو يلعن تلك الرائحة المسكرة التي تفوح منها وزحفت لكل حواسه اسكرتها وجعلت تلك المشاعر المستترة بقلبه تتأجج شيء فشيء وتدفع تلك الأفكار التي لا تشبهه بالمرة برأسه وتتراءى أمام عينه وتجعله يمني نفسه لو يجوز تحقيقها أما هي فأخذت تقوم بمحاذاة أطراف رابطة العنق ولفها صانعة عقدة مرتبة في غاية الأناقة وحين انتهت شبت أكثر كي تعدل من موضعها تحت ياقه القميص دون أن تعي أن ذلك القرب اللعين يكاد يفقده صوابه ويزعزع بحدود منطقه ويضرب به عرض الحائط فكم كان يود أن يلبي رغبة قلبه الآن ويضمها له ولكن عقله ومنطقه لا يجيز ذلك بتاتًا، رفعت هي فيروزتاها اللامعة له حين انتهت لترى نظراته تنطق بذلك الشيء الذي لم يجرأ إلى الآن أن يبوح به، لترسل له هي بعيناها إشارات مطمئنة تخبره بها أن هو كافة أمنياتها و مالك قلبها. فقد دام تشابك نظراتهم الوالهة معًا لثوانٍ معدودة قبل أن يجد ذاته كالمغيب يهمس بنبرة متوسلة كي تكف عن تلك النظرات التي تزعزع كيانه وتجعل عزيمته تتلاشى شيء فشي: -بلاش تبصيلي كده مش عايز اغرق في بحر عنيكِ... توردت تحت وطأة نظراته وهمست بخجل وهي تلملم خصلاتها وتضعها خلف أُذنها: -على فكرة أنت غرقت وخلاص اضطربت أنفاسه وحاول جاهدًا أن يتعقل ولا ينخرط وراء تأثيرها ويستعيد ثباته وهو يدعي عدم فهم تلميحها: - والمفروض أفهم من كده إيه؟ تنهدت بسأم من إنكاره الدائم ولكن بالطبع لم تيأس بل بادرت كي تحثه على البوح: -مهما حاولت تداري عيونك فضحاك و قالت كل اللي جواك يا "حمود "مش لازم تنطق بيه، كفاية إني حساه… حانت منه بسمة صافية رائقة من تفسيرها الذي راقه كثيرًا واشعره كونها تتفهمه بشدة وتحترم قناعاته، ليهدر مشاكسًا وأحد حاجبيه يعتلي بتسلية: -مش عارف ليه حاسس أني بتدبس بشياكة اشتعلت فيروزاتها وناغشته بنبرة مشاكسة تشابه خاصته وهي تتأبط ذراعه: -أنا مش بدبسك انا بس عايزة اطمنك ان مفيش مفر وهفضل لازقة فيك العمر كله قهقه بكامل صوته الرجولي الخشن بضحكة خطفت قلبها وجعلتها تتيقن كونها سقطت بحبه ربما للمرة الألف بعد المائة بينما هو ألتقطت نظراتها من جديد وهدأت ضحكاته قائلًا كي يفض ذلك الحوار الذي يشعر أنه لو طال أكثر من ذلك سيخر أمام تأثيرها ويضرب بكل شيء عرض الحائط: -طب يلا نهرب من "شهد" قبل ما تولع البخور وتخنقنا بريحته وبعدين انا مش عايز اتأخر في أول يوم شغل. أومأت له بطاعة ليغادرو المنزل بخطوات مُتعجلة يسبقها ضجيج قلبهم معًا لمبادرتهم أول خطوة في طريق سعيهم لذلك الحلم البعيد. ----------------------- أما هي فقد كانت تقاوم كل شيء يذكرها به، تحاول أن تصمد من أجل أطفالها اولًا ثم ذاتها فقد كانت تشعر براحة عارمة وكأن عبء ثقيل كان يكمن فوق أعتاقها وانزاح عنها، فلم تعد تتكبد العناء كي ترضي أحد كما كانت تفعل في سابق عهدها بل اصبحت تهتم بذاتها وتفعل كل شيء لإسعادها، فقد علمتها الحياة أن لا تنتظر أحد أن يمنحها السعادة بل لابد أن تجلبها هي كي تكافئ بها ذاتها عن كل ما كابدته وهي تتمسك بـ فروض الولاء والطاعة التي كانت تفرض عليها وتجعلها تتغاضى عن ابسط حقوقها و تبدي دائمًا راحته هو عن ذاتها وعن كل شيء يخصها. فكانت تسير برفقة أطفالها تحتضن كفوفهم بسعادة عارمة بعد أن خرجوا لتوهم من أحد قاعات السينما التي كانت تعرض فيلما كوميديًا وقع اختيارها عليه كونها تفضل تلك النوعية من الأفلام قبل فترة سباتها. وأثناء سيرهم عبر "شريف" عن رأيه: -مامي أنا اتبسطت أوي والفيلم كان حلو مبطلتش ضحك لتؤيده "شيري": -اه وانا كمان عاجبني وعايزة ادخله مرة تانية وزعلانة أن اليوم خلص وهنروح مط "شريف" فمه وأيدها بإندفاع وبعقلانية تعطيه فوق سنه: -انا كمان مش عايز اليوم يخلص احنا مكناش بنخرج خالص وبابي علطول مكنش بيرضى غير وهو معانا وكان علطول مشغول وبيوعدنا ومش بيخرجنا أنقبض قلبها عندما أتت سيرته، وتذكرت تلك الأيام التي كان يحرم عليها الخروج دونه ويكبت أطفالها، لتحين منها بسمة حانية لأطفالها رغم الحزن الذي يعتمر قلبها ثم انحنت بجزعها تخاطبهم: -قولنا ايه قبل كده...بابي كان بيبقى مشغول علشان بيشتغل علشانكم وعيب نتكلم عليه كده... انا اوعدكم هنيجي هنا علطول وهنعمل كل اللي انتو عايزينه تأهبوا بنظراتهم لتسترسل هي بكل عقلانية وصمود من أجل نفسية أبنائها: -بابي وصاني أجبلك اللعبة اللي نفسك فيها يا "شريف" وقالي كمان أخدكم الملاهي اللي كان نفسكم تروحوها قبل كده صفقوا الاثنين بسعادة وهتف "شريف" متحمسًا: -بجد يا مامي انا مبسوط اوي ولما اشوف بابي ونرجع بيتنا لازم اشكره أرتعش فمها وكادت تفقد اعصابها حين ذكر صغيرها أمر العودة لمنزلهم فالأمر ليس بيسير عليها ويثقل قلبها فكيف تخبر أطفال بنفس عمرهم بقرار أنفاصلهاوكيف ستبقى صامدة لهذا الحد أمامهم ولا تضع عوار عليه حتى لا يتأثر نفسية وسلوك أبنائها، لترفع عيناها التي اصبح الحزن س\كينها وترجو الله بسرها أن يمنحها تلك القوة لكي تحقق تلك المعادلة الصعبة وحدها. -مامي سرحتي في أيه؟ انتشلها صوت "شيري"من شرودها لتبتسم لها وتطمئنها وهي تعتدل بوقفتها: -ولا حاجة يا قلب مامي، يلا بينا بقى علشان اليوم لسه في أوله ونلحق ننفذ كل اللي قولتلكم عليه لتشدد على كفوفهم وكأنها تستمد القوة منهم ثم تسير معهم بخطوات سعيدة متحمسة في سبيل أن تعوض ابنائها وذاتها عن كل ما حرمهم هو منه بكل جبروت وانانية. (ميراكريم) ----------------- -عرفت هتعمل ايه ولا اشوف غيرك؟ -عيب يا هانم انا خدامك وتحت أمرك واللي عليه القصد تحت عيني وأول ما ألاقي فرصة مناسبة هنفذ وابلغك -تمام يا "سنقر" وفلوسك هتوصلك زي ما اتفقنا انهت مكالمتها وقد اعتلى فمها بسمة متخابثة تنم عن شر مقيت فقد قررت أن ترد الصاع صاعين لتلك المتعجرفة التي اهانتها بمنزلها و أدركت أنها أخطأت بالذهاب لهناك، وكونها استخفت بها أرادت أن تثبت لها أنها تستطيع أن تضع حد لشقيقها بنفسها فسوف تعطيه درس قاسيًا كي يعرف حجمه ولا يتأمل ويبتعد عن تلك الغبية التي ستخطط لتتخلص منها فيما بعد كي لا تشاركها بتلك الثروة الهائلة التي طالما طمعت بها. 🦋الرابع والعشرون🦋 "يحدُثُ أحيانًا أن ندفع الثّمن مرّتين، مرّة للحصول على الشيء، وأخرى للتّخلص منه." - مي زيادة ------------------ الخواء هو كل ما يشعر به، لا يفعل شيء إلا أنه يمنح ذاته فترة سبات كي يسترجع أحداث الماضي وياللعجب! لايأتي بذاكرته إلا كل شيء جميل يخصها يتذكر حنانها معه وتفهمها له وتغاضيها عن الكثير في سبيل إرضائه فكان هو أول أولوياتها دائمًا ولكن بكل أسف لم يقدر ذلك يوم بل كان ساخط عليها وعلى كل شيء ولكن الآن حل محل ذلك السخط العظيم ندم أعظم يكاد يفتك به فكان ينفرد بذاته وسط ذلك الظلام الدامس الذي يسود غرفة نومه يتمدد على الفراش بجسد هزيل أفتقد بعض الكيلو جرامات ووجه شاحب تحجب رؤيتك عنه تلك الذقن المستطالة بإهمال دون عناية لعدة أيام، وعيون غائرة منهكة من شدة التفكير يركزها على سقف الغرفة وهو يلتهم سجائره وكأنه يروح عن ذاته بها وينفث بها عن توابع سخطه، وبالطبع الأمر كان يصيبها بالضجر الشديد لذلك لم تصمت بل واجهته حانقة وهي تقتحم الغرفة وتضغط على زر الإضاءة كي تضيئها وتكسر تلك العتمة التي أصبح لا يفارقها: -وبعدين بقى في القرف ده انت بتعمل في نفسك كده ليه! أنا زهقت من حبسة البيت تعالا نخرج أو نسافر كام يوم نغير فيهم جو رشقها من طرف عينه وأجابها بوجوم وهو يضع ذراعه حول عينه يحجب الضوء عنها: -الجلسة بتاعة الق\ضية كمان كام يوم عايزاني اخرج واسافر أزاي وسط اللي أنا فيه ده أنتِ معندكيش دم مفروض تراعي شوية وتقدري قلبت عيناها بسأم ثم تقدمت منه جالسة بجواره قائلة بهمس مغري أمام وجهه التي كوبته لتوها: -عندي دم وعلشان كده بقولك لازم تخرج من الحالة دي وتغير جو وانا أوعدك هنسيك اسمك مش بس المسهوكة بتاعتك نفى برأسه وازاح بوجهه بعيدًا عن مرمى وجهها قائلًا وهو يبعد يدها بيد وباليد الآخرى يطفئ سيجارته داخل المنفضة التي تعتلي الكومود ناهضًا يوليها ظهره: -"منار"أنا مش في ال Mood ومليش نفس لأي حاجة. رغم غيظها وتخييب آمالها؛ إلا أنها لن تستسلم بتلك السهولة فلابد أن تستغل الموقف لصالحها لأبعد مدى لذلك نهضت تحاوط خصره هامسة: -روحلها يا "سونة" وحاول تقنعها تتنازل -مش راضية حاولت كتير بس هي مصممة -خلاص روح لخالتك واترجاها تقنعها أنت بتقول انها بتحبها وبتعملها خاطر حل يدها من على خصره ومال على المنضدة يتناول علبة سجائره من جديد يلتقط احدهم ثم يقوم بإشعالها قائلًا بخزي وهو يزفر دخانها: -مكسوف منها ومن "يامن" آخر مرة انفعلت وقولت كلام بايخ معرفش طلع مني ازاي...ده غير أن خالتي يوم المستشفى غلطتني فمستحيل هتتعاطف معايا زفرت هي في ضيق ثم حرضته: -حاول تاني مش هتخسر حاجة...انا بصراحة مش عارفة هي ازاى تتبلى على أبو ولادها كده وتبقى عايزة ترميك في السجن كده بجد قليلة الأصل موت يا "سُونة" كل ده علشان اتجوزت عليها طب إيه المشكلة هو أنت أول راجل يعملها تعلقت بُنيتاه القاتمة بها لثوانِ معدودة يحاول أن يستسيغ حديثها ولكن فتات ضميره صرخ قائلًا: -هي ما اتبلتش عليا يا "منار" انا فعلا كنت السبب في نزول البيبي وحتى في جوازي منك معطتهاش حق الاختيار ده انا فرضته عليها واستقويت وكنت فاكر أنها قليلة الحيلة و هتقبل مع الوقت اغاظها حديثه بشدة لذلك صاحت بنبرة مُحرضة تقطر بالحقد لتلك الماكرة التي أفسدت عليها حياتها: -انت بتبرر ايه؟ هي مش ضحية متخليهاش تقنعك بكده؟ أنت راجل وده حقك... هي بقى اللي غبية واعترضت على شرع ربنا... وإذا كان على البيبي أنت مكنتش تقصد أغمض عينه بقوة وارتمى على أحد المقاعد فحديثها يشبه صوت عقله بشأنها ولكن كان صوت ضميره أعلى بكثير وهو من طغى عليه حتى أن سخطه العظيم من تصعيدها للأمر أندثر و وجد ببواطنه ألف سبب يدفعها لذلك فهو حقًا يفتقدها وبشدة رغم أنه يكابر للآن ولم يصرح بذلك ولكن عندما أبتعدت عنه وشعر أنها مقتته وتود أن تتخلص منه فقط حينها شعر كونها تمثل شيء كبير له لا يمكن الاستغناء عنه، فحياته دونها خاوية لم يعد بها دفء ولا سَ\كينة كسابق عهدها -"سونة" سرحت فأيه؟ انتشله صوتها أثناء جلوسها على ساقيه وتلك القُبلات التي كانت تضعها على وجهه بكل إغواء منها مستمرة بهمسها كي تجعله طوع لها: -أنا بس اللي بحبك وخايفة عليك وعلى مصلحتك يا "سُونة" هي عايزة تأذيك ومتستهلش تفكر فيها... كان حديثها يطابق صوت عقله بشدة ولكن فتات ضميره حاول إقناعه أنه هو من أوصلها لذلك. تمادت هي غير عابئة بتلك الثورة بداخله أما هو فكان يشعر بالضجر مما تفعله فليس بمزاج يسمح له أن يتودد لها حتى أنه كاد يتأفف ويبعدها عنه ولكنها كانت ماكرة تعرف كيف تسلب عقله بأفعالها وأسلحتها وحيلها وبالطبع هو كان أضعف من أن يقاوم ليندرج معها بما تريد جعلتها تظن أنها ستغنيه عن كل شيء بها؛ غافلة كون استجابته لها بعيدة كل البعد عن أفكارها. ---------------- مرت الأيام عليها بصعوبة بالغة حاولت إلا تغادر المنزل مرة آخرى متخوفة أن تراه ولكن هاهو أتى موعد اختباراتها ومجبرة هي على الذهاب لجامعتها وبالطبع ستراه هناك ولذلك كانت التوتر والقلق يسيطر عليها لدرجة انه بعد أن اوصلها "يامن" إلى هناك هرولت لداخل القاعة وجلست بمقعدها وهي تتلفت يمين ويسار بشكل مضطرب تخشى رؤيته إلى أن اجفلها صوت "منه" صديقتها قائلة: -اخيرًا شوفنا من تاني "نادين الراوي" فينك يا "نادو" مفتقدينك جدًا ردت بمجاملة و ببسمة عابرة: -اهلًا ازيك يا "منه" -تمام انتِ اللي أزيك دي الشلة كلها هتجن عليكِ من اليوم إياه هزت رأسها وأجابتها بإقتضاب شديد: -انا كويسة… مالت عليها "منه" وهي تضع يدها تواري فمها الذي يهمس بأُذن قائلة: -ده انتِ فاتك كتير يا "نادو" واخبار الشلة كلها عندي هزت "نادين" رأسها واجابتها بعدم اكتراث: -ميشغلنيش ومش عايزة اعرف حاجة يا "منه" زفرت "منه" بإستياء بعدما لاحظت ردودها المقتضبة وتغيرها الواضح كوضوح الشمس ثم قالت قبل أن تجلس بأحد المقاعد القريبة: -واضح انك مش في الMood ومش عايزة تتكلمي...على العموم براحتك اشوفك بعدين تنهدت هي بإرتياح عندما جلست بعيد عنها واخذت تهدأ روعها وتطمئن ذاتها داعية الله أن يمنحها القوة اللازمة كي تتخطى ذلك الأمر وتصلح ما ارتكبته بحق ذاتها قبل الجميع. ثوانِ معدودة وكان هو أمامها يطالعها بنظرات مريبة جعلت الدماء تتجمد بأطرافها ولكن لحُسن حظها مقعده كان بعيد عنها لذلك تنفست الصعداء وحاولت أن تستعيد ثباتها كي تستطيع أن تؤدي اختباراتها، وبالفعل بعد مرور ساعة ونصف من الوقت المقرر انتهت وغادرت ولكنه كان بالمرصاد لها حين لحق بها هاتفًا بأسمها عدة مرات مما جعلها تتجمد بأرضها وكم تمنت لو انشقت الأن وابتلعتها حين استأنف: -ايه يا "نادو" متهيئلي قولتيلي هنتكلم ولا رجعتي في كلامك أبتلعت غصة بحلقها واجابته بثبات تحاول أن تتهرب من مواجهته: -انت اتجننت يا "طارق" أزاي تنادي عليا كده وتلفت النظر لينا... اجابها بنفاذ صبر: -مبقاش يهمني وبعدين اعملك ايه مش عارف أوصلك وعايز اتكلم معاكِ -مش وقته يا "طارق" -لأ وقته انا هتجن وأنتِ ولا على بالك ولازم نتكلم ودلوقتي زاغت نظراتها ومررت يدها في خصلاتها تحاول أن تجد حيلة مناسبة لتمهد له الأمر ولكنه لم يمهلها وقت لذلك بل هدر بنبرة نافذة: -بتدوري على حجه مش كده علشان تضحكي عليا بيها نفت برأسها وقالت أول شيء جاء برأسها: -حجه ايه! لأ كل الحكاية أن "يامن" بعد اليوم إياه وهو علطول معايا ومش بيفارقني ده غير انه بقى يشك في كل تصرفاتي علشان كده مش بعرف أكلمك علقت سوداويتاه بها لثوانِ معدودة يحاول أن يستشف صدق حديثها وبالفعل فعل و فَطن لألعيبها...أما هي فكانت رغم كم التوتر التي تشعر به لكنها تماسكت وقالت بتمهيد حثيث: -"طارق" عايزاك تعقل وتبطل تراقبني أنت بقيت بتوترني ارتفع جانب فمه ساخرًا وصرح بتلك الاستنتاجات التى توصل لها: -أنا مش مرتحلك على فكرة وحاسس أنك متغيرة، صوتك، ونظرة عينيكِ وحتى لبسك وتسريحة شعرك مش شبه "نادو" اللي أنا اعرفها اكيد في سبب قوي للتغير الجذري ده...غير شك الغبي ده فيكِ اغمضت عيناها بقوة تستجمع شجاعتها وتستعيد قوة شخصيتها قائلة: -اسمع مفيش أسباب بس الوضع كله مبقاش عاجبني أنت تصرفاتك كلها غبية و انا مش ناسية جرأتك يوم Nightclub... وبصراحة أنت مجنون وبقيت أخاف منك تخوفت أن تخبره بعد أن رأت بأم عينيها توابع غضبه حين باغتها سابقًا داخل السيارة وارعبها بوعيده، فلم تملك تلك الشجاعة كي تخبره أن كافة قناعاتها وأفكارها السابقة كانت واهية وبالطبع لن تتجرأ بتاتًا أن تخبره أنها تعشق الآخر وستتمم زواجها منه بعد عدة ايام فهي لا تضمن ردة فعله ولذلك كانت تحاول أن تستخدم ذكاءها كي تحاول إقناعه بكل الاسباب الآخرى كي تحيد عن السبب الحقيقي، ولكن بالطبع الأمر لم يعجبه بتاتًا لذلك جز على نواجذه وهدر بنبرة غاضبة تقطر بغيرته: -ايه المشكلة ولا هو حلال ليه وحرام ليا؟ قلبت عينيها بعدما تفهمت إلى ماذا يرمي ثم قالت بإندفاع بنبرة تحمل فخر ودفاع مستتر أغاظة بشده: -هو جوزي ابتسم بسمة مسمومة بغضب أعمى وهسهس متهكمًا: -غريبة... مقولتليش ليه كنت بسايره كالعادة دلوقتي بتدافعي عنه وعن سُلطته الجبرية عليكِ بكل رضى...اتغيرتي كتير يا "نادو" وتغيرك ده مش مطمني تأففت هي بثبات وبنبرة قوية كي يكف عن تلك التهكمات الصائبة: -"طارق" لو سمحت انا اعصابي تعبت منك ومبقتش مستحملة هز رأسه بحركة غير متزنة بالمرة تنم عن غضب عظيم وعقب بملامح لا تفسر: -مش هيحصل يا "نادو" جعدت حاجبيها بتوجس من تهديده المبطن لها الذي أوضحه بنظرات مشتعلة وبنبرة تقطر بالوعيد: -مش "طارق المسيري" اللي يتلعب بيه ولو كنتِ فاكرة أنك هتخلصي مني بالسهولة دي تبقي بتحلمي دار بؤبؤ عيناها برعب من تهديده المتكرر وشحب وجهها وإن كادت ترد اتاها صوت صديقتها -"نادين" واقفة مع البني آدم ده ليه؟ قالتها "نغم" بجدية شديدة وهي ترشق "طارق" بنظرات متدنية اغاظته للغاية وخاصًة حين وجهت حديثها له بنبرة قوية مُحتدة جعلت الانظار تتلفت لهم: -وأنت واقف ليه كده مش نبهتك قبل كده تحترم نفسك وملكش دعوة بيها جالت "نادين" بعيناها محيط المكان ولاحقت الموقف: -"نغم" الله يخليكِ متكبريش الموضوع كل الحكاية أنه كان بيسألني على حاجة وجاوبته خلاص. تناوبت" نغم" نظراتها المشككة بينهم وهدرت وهي تلوح له بيدها: -طيب مستني ايه أتفضل قلب عينه بغيظ وقد لعنها بسره ربما للمرة الألف بعد المائة ثم قال من بين اسنانه: -ماشي همشي بس لسة للحديث بقية يا" نادو" ذلك آخر ما تفوه به قبل أن يتركها تزفر بإرتياح وتتمسك بذراع "نغم" مغمضة العينين وكأنها تستجمع ذاتها، نظرت "نغم" لموضع يدها المرتجفة التي تتشبث بها ولاحظت شحوب وجهها لتسألها بتوجس: -على فكرة انا مش مصدقاكِ ومتأكده أن في حاجة مريبة أنتِ مخبياها عليا هزت رأسها وحاولت أن تتماسك كي لا تشعرها بشيء قائلة: -مفيش حاجة غير اللي قولتهالك وبلاش طريقتك دي الله يخليكِ انا اعصابي بايظة لوحدها وعايزة أروح شعرت "نغم" بالريبة اكثرمن تصرفاتها وردود أفعالها مما أكد لها أنها تخفي أمر جلّل يصعب عليها التصريح به لذلك طمئنتها قائلة وهي تربت على ذراعها: -"نادين" اتكلمي وصارحيني متخافيش...لتستأنف مستفهمة بعقلانية شديدة: -الشاب ده لو بيضايقك بأي شكل مينفعش تسكتي ولازم توقفيه عند حده احكيلي وهنشوف حل مع بعض نفت برأسها مستنكرة وهي تقطم شفاهها تكتم انين قلبها فليس كل شيء بداخلها تستطيع البوح به وبالرغم من كون "نغم" تتفهمها وتوجهها للطريق الصحيح في كل مرة تخطئ بها ولكن الآن لا تعلم هل ستتفهمها ايضًا أَم ستتحامل عليها وتوبخها وتزيد أعبائها لذلك قالت كي تفر من ضغطها على أعصابها بنبرة صدرت منها دون قصد متلعثمة: -مفيش حاجة من دي...متكبريش الموضوع...انا عايزة أمشي زمان "يامن" جه ومستنيني...سلام قالتها وهي تخطف قبلة من وجنة الآخرى وتركض هاربة بينما "نغم" فكانت تشعر بشعور مقبض يداهمها وهي تتطلع لآثارها وكم دعت الله أن تكون كل شكوكها بغير محلها. ------------------- كان ينتظرها يتلهف كي تطمئنه وها هي تركض إليه وتصعد بجواره ليتساءل بقلق: -هااا عملتي ايه طمنيني؟ اجابته ببسمة باهتة: -الحمد لله متقلقش زفر بأرتياح بينما هي استأنفت بمشاعر جارفة وهي تتمسك بأناملها المرتعشة كف يده وكأنها تتأكد أنه مازال معها و توده ينعمها بتلك الطمأنينة الدائمة التي يهددها ذلك المقيت: - على فكرة وحشتني... لاحظ رجفتها وفسر الأمر كونه توتر عادي بسبب الإختبارات لذلك كوب يدها براحتيه بإحتواء وقال ببحة صوته المميزة التي تعشقها وتشعر أنها تنفذ لقلبها: -أنتِ وحشتيني أكتر عارفة بقالك أد أيه بعيد عني انا عاددهم بالدقيقة يا مغلباني هامت بوجهه وبتلك الناعستين الدافئة التي تشملها ثم قالت بنبرة معذبة وبقلب يخشى الفراق: -أوعدني أنك متبعدش عني وان مفيش حاجه هتفرقنا غير الموت يا "يامن" جعد حاجبيه مستغربًا ذلك الخوف الذي يسكن عيناها ويفوح من حديثها، وطمئنها وهو يرفع كف يدها واضع قبلة مطولة بداخله: -أوعدك يا قلب يا "يامن" بس علشان خاطري بلاش سيرة الموت هزت رأسها بحركة بسيطة وعيناها تغرغر بالدمع فحقًا تعشقه ولا تريد خسارته ولكن كيف الفرار من توابع أفعالها، لاحظ غيوم عيناها و سألها بإسترابة: -"نادين" مالك انتِ بقالك كام يوم مش عجباني وعلطول سرحانة أنا مقدر أن الأيام دي مضغوطة بس مش عارف ليه حاسس ان في حاجة شغلاكِ وعلطول موتراكِ حاولت أن تستعيد رباط جأشها وقد اخفت دمعاتها سريعًا مستنكرة: -حبيبي مفيش...انا بس أعصابي مشدودة بسبب المذاكرة تنهد تنهيدة مطولة ثم قال محفزًا إياها: -هانت يا حبيبتي خلاص كام يوم وكل ده هيعدي وساعتها هدلعك اخر دلع وهاخدك ونسافر أي حتة تشاوري عليها علشان تريحي اعصابك ابتسمت بإمتنان بينما هو قرص وجنتها بخفة قائلًا: -ايوة كده اضحكِ خلي شمسي تطلع اتسعت بسمتها تلك التي لطالما أوقعته بها رغم بهوتها الآن و قطمت شفاهها بخجل، مما جعله يهيم بها بتنهيدة مُسهدة هامسًا بعبثية تامة: -يالهوي هو في جمدان كده... نكزته بكتفه كي يكف عن إخجالها بينما هو شاكسها وهو يرفع يده داعيًا: -يارب قويني وعدي الكام يوم دول على خير أنا مش عايز اتهور هزت رأسها بلافائدة بينما هو استرسل وهو يشعل مقود السيارة: -ماشي يا مغلباني ...وعلى فكرة قبل ما انسى خالك "سعيد" كلمني وقلق عليكِ لما لقى تليفونك مقفول، بس انا طمنته وقولتله أني هخليكِ تكلميه أومأت له بينما تساءل هو مستغربًا: -بصراحة مش عارف ليه قافلة تليفونك لغاية دلوقتي ومش لاقي سبب مقنع لده خار قلبها وبررت متلعثمة: -كنت قفلاه مش عايزة حاجة تشغلني...لتنكس رأسها وتستأنف وكأنها أدركت أن لا فائدة من الهروب: -بس خلاص هفتحه لما أروح وهكلمه أصلًا هو وحشني أوي هو وطنط "هانم" أنا فعلًا بقالي مدة مكلمتوش وليه حق يقلق أومأ لها بتفهم كعادته وببسمة هادئة حانية وانطلق بها، غافلين عن ذلك المتربص الذي كان يقف على بعد منهم يراقب كل شيء وينظر لآثارهم بعيون حاقدة ولم ينتبه إلا عندما ربت "فايز" على كتفه قائلًا: -وبعدهالك يا صاحبي ما تفكك منها جز هو على نواجذه وأخبره بإصرار مقيت: -بحبها… حانت من "فايز" بسمة هازئة وقال بِفطنة: -"طارق" أنت مبتعرفش تحب متضحكش على روحك أنت بس متغاظ علشان البت شوكتها قوية عليك ومعرفتش تكسر منخيرها وسلمت لواحد تاني غيرك، اللي أنت فيه ده مش حب؛ انت بس اتعودت أن مفيش حد ينتصر عليك ولا ياخد حاجة منك ويطلعك خسران تقلصت معالم "طارق" واستنكر قائلًا بكل غرور وعنجهية: - وحتى لو كلامك صح أديك قولتها مش" طارق المسيري" اللي يتلعب بيه ويطلع خسران من أي لعبة هز "فايز" رأسه بلا فائدة بينما استأنف "طارق" متسائلًا: -هي لسة جوة؟ تفهم "فايز" من يقصد بحديثه ليجيبه حانقًا: -ايوة مخرجتش -يبقى ننفذ اللي اتفقنا عليه... زفر "فايز" بعدم رضا واومأ له بينما هو نمت بسمة منتشية على جانب فمه لا تنبأ بالخير بتاتًا ----------------- أنهت اختبارها واول شيء فعلته كانت تهاتفه وما أن أتاها صوته الأجش قالت بسعادة عارمة: -"حمود" خلصت بجد مبسوطة أوي أن أول يوم عدى بسلام أجابها هو من الطرف الأخر: -طمنيني الأول عملتي ايه؟ -الحمد لله حليت كويس واخدت كل الوقت وراجعت اكثر من مرة -طيب الحمد لله انا كنت قلقان ومصدقت خلصت شغل وجيت علشان ألحقك أتسعت عيناها وتسألت وهي تهرول للخارج: -أنت هنا؟ -اه مستنيكِ بره مقدرتش مجيش واطمن عليكِ تدرجت وجنتهاوقالت بنبرة شغوفة للغاية وهي تسير بخطوات واسعة كي تلقاه: -ربنا يخليك ليا يا "حمود" ويحل عقدة لسانك استمعت لصوت ضحكته من الطرف الآخر، لتستأنف بمناغشة: -بتضحك كمان يارب صبرني -هانت يا حلو جائت تلك الجملة المفعمة بالطمأنينة لتجعل قلبها يتراقص بين جنباتها وتقسم أنها وقعت بحبه للمرة الألف بعد المائة عندما وصلت لموقعه ووجدته ينتظهر بتلك البسمة التي تنم عن ما يكنه لها لتغلق الهاتف وتركض إليه قائلة: -بجد هانت يا "حمود" أومأ لها ببسمة حالمة واخبرها بصدق: -انا عارف أن مهما عملت ومهما كان اللي وصلتله عمري ما هقدر اوصل لربع اللي أنت تستهليه بس أنا دلوقتي بقى ليا دخل ثابت و وظيفة محترمة تشجعني إني اقولك هانت...لتتهدل ملامحه ويقول بتوجس وبقلب يكاد يهوي بين اضلعه من الخوف: -بس بصراحة خايف والدك يرفض -بابي كل اللي يهمه سعادتي وبس وهو وعدني قبل كده انه هيعمل اي حاجة علشان يحققلي أحلامي ويشوفني مبسوطة وأنت كل امنياتي يا "حمود" وانا مش عايزة من الدنيا غير اني اكون معاك ومتأكدة أن بابي هيوافق لما يعرف انك بتحبني وبتخاف عليا زيه قالتها بنبرة مفعمة بالثقة وبعيون تهيم به جعلت ملامحه تتمدد براحة ويعتلى ثغره بسمة رائقة قائلًا بحاجب مرفوع مشاكسًا: -طب هو انا مخدتش بالي وغرقت قبل كده...لكن دلوقتي قلبي حاسس إني بدبس رسمي -اه اتدبست ومش هتخلص مني ابدًا يا "حمود" أنا خلاص لازقة فيك للأبد قالتها بكل إصرار وهي تتأبط ذراعه وتسير معه نحو سيارتها وهم يتبادلون بسمة مفعمة بالأمل اندثرت في توها وأخذت معها بوادر سعادتها عندما وقفت على مقربة من سيارتها فلم تفعل شيء سوى أنها تمسكت بذراعه وكأنها تخشى فقدانه وتعلن للجميع تمسكها المستميت به، نظر هو لشحوب وجهها ويدها التي تشدد على ذراعه بتوجس شديد وخاصًة عندما اتبع مرمى بصرها ليجد مجموعة من الشباب يقفون حول سيارتها و واحد منهم يجلس على مقدمتها بشكل مستفز وكأنها ملكية خاصة له مما جعله يتسأل بتوجس: -في ايه يا "ميرال" انتِ تعرفيه؟ تلجلجت وهي تناوله مفاتيح سيارتها كي يتولى هو القيادة بالنيابة عنها: -ده "طارق" زميلي وشلته سيبك منهم وخلينا ناخد العربية ونمشي أنا عايزة اقضي اليوم كله معاك أومأ لها ببسمة هادئة ولم يعطي الأمر أهمية وعندما وصل للسيارة استأذن منه بأدب: -بعد اذنك علشان هاخد العربية حانت من "طارق" بسمة هازئة وقال ببرود: -وماله ما تاخدها -أنت قاعد على الكبوت همشي ازاي يا استاذ قهقه "طارق" وأخبره بخبث مقيت وهو ينزل بجسده عنها: -اه معلش يظهر إني اتعودت على القعدة دي وحبتها؛ أصل كنت كتير بستنى صاحبتها قال آخر جملة بغمزه من عينه جعلت الدماء تتجمد بجسدها، بينما هو لم يستسيغ عقله ما تفوه به وقد تجهمت معالمه حين تسأل متأهبًا: -نعممممم...تقصد ايه؟ أبتلعت هي غصة بحلقها وحاولت تلاحق الموقف وهي تقف بمواجهة "محمد" وتتمسك بيده راجية قبل أن يسترسل الآخر بالحديث اكثر ويخرب كل شيء: -"محمد" خلينا نمشي لو سمحت وبلاش نضيع وقت اكتر من كده أزاحها "محمد" جانبًا بحماية بعيد عن مرمى الآخر قائلًا: -ممكن تصبري و متدخليش خليني أفهم البيه ماله مط "طارق" فمه مستخف من صرامته معها وقال بتهكم تقصده كي يستفزه أكثر: -ايه يا "ميرال" اسمعي كلام صاحبك... واصبري ولا أنتِ علطول كده مستعجلة على الصرمحة تدخل هنا "فايز" قائلًا كي يكبح صديقه: -"طارق" خلينا نمشي وبلاش تقول كلام ملوش لازمة يا صاحبي وتعمل مشاكل احنا في غنى عنها هز "طارق" كتفيه وأخبره ببراءة مصطنعة: -متدخلش أنت...الراجل شكله مضحوك عليه ولازم انبهه زفر "فايز" بحنق من تصرفات صديقه بينما إنفعلت هي قائلة وهي تلوح بيدها: -انت مجنون ايه اللي بتقوله ده! اعتلى حاجب "طارق" وهدر بخبث مقيت: -ايه خايفة افضحك قدامه واقول حقيقتك كادت ترد لولآ أن "محمد" اخرسها بنظرة من عيناه جعلتها تتجمد بأرضها حين احتدت نبرته ورأت عروقه تنفر من يده قائلًا بنبرة قوية لا تقبل المهادنة مستخدم كامل صوته الأجش: -لما يكون في راجل واقف قدامك لازم تحترمه و توجه كلامك ليه... ولأخر مرة بحذرك متوجهلهاش كلام ...أما شغل التلقيح ده فسيبه للحريم واتكلم من غير لف ودوران أغاضه أنه يعطيه أوامر بل ويتهكم على رجولته لذلك قرر أن يفض كل ما بجعبته مرة واحدة كي يخرجه عن طوره وعن رزانته المستفزة تلك: -أهدى على نفسك وبلاش تتحمق أوي كده اللي مش عايزني اوجهلها كلام دي كانت مقضياها مع نص شباب الجامعة وانا كنت آخرهم تقدر تقول كنت الأكس بتاعها توحشت نظرات "محمد" وفارت دمائه الحامية فحديث ذلك المقيت غير مقبول بتاتًا بالنسبة له ليقبض على حاشية ملابسه قائلًا بحمئة شديدة وبنظرات قاتلة يشتعل الغضب بها: -أنت بتقول ايه يا(***) سمعني تاني كده؟ نمت بسمة متخابثة على جانب فمه عندما أدرك أنه نجح في استفزازه، ليتمسك بقبضته في محاولة منه أن يزيحها قائلًا بتبجح لا مثيل له وافتراء جعل قلبها يهوي بين قدمها: -اللي سمعته...بس نعيد تاني علشان خاطرك، المُزة اللي أنت مصاحبها كنت معاها قبلك وانا اللي سبتها علشان سمعتها اللي زي الزفت و "نادين الراوي"أقرب صاحبة ليها هي اللي سيحتلها وفضحتها في الجامعة كلها واسأل اي حد هيقولك على فضايحها... لم يكمل حديثه إلا ووجد لكمة قوية أطاحت به من يد "محمد" جعلته يترنح بوقفته وتلاها شهقات الجميع تزامنًا مع صرخة قوية منها وتلاها ترجيها له بتلهف وهي تحاول منعه بنبرة متوسلة على حافة البكاء: -اهدى واسمعني يا "محمد" متخليهوش يستفزك حانت من "طارق" بسمة تقطر بالشر وهو يحرك فكه يمينًا ويسارًا أثر لكمته ثم قال بإصرار وبنبرة متوعدة وهو يعتدل بوقفته: -وحياة امي لهدفعك تمن اللي عملته ده غالي اوي يا جربوع صرخت هي راجية: -اسكت حرام عليك يا "طارق" كفاية...كفاية لتوجه نظراتها ل "محمد" تطالع إنفعاله وعروقه النافرة التي تنم عن غضب عظيم قائلة بنبرة راجية ودمعاتها تنسل من فيروزاتها تستعطفه: -"محمد" متصدقهوش واللهي انا… -مش عايز اسمع صوتك...فاااااااهمة قاطعها هو بنبرة قوية وبنظرة صارمة نفضتها وجعلتها تبتلع باقي حديثها عندما جذبها من ذراعها و وضعها خلف ظهره موجهًا الحديث لذلك المقيت وهو يقترب من جديد منه ويدفعه بصدره بقوة ألمت الآخر وجعلت الشر يقتد بداخله ولكنه بالطبع لن يفسد الأمر ويتشاجر معه الآن فتلك ليست غايته: -جاي تقولي الكلام ده ليه دلوقتي هاااااا؟ تمسك بصدره على موضع لكمته ثم اجابه ببسمة مستفزة: - تصدق أنا غلطان أن قلبي عليك اصل سمعت أنك غلبان واكيد هي بتتسلى بيك زي اللي قبلك وحبيت انبهك علشان متخدعكش بحوار امها ده وتخليك تتعاطف معاها زي وزي كتير قبلي كان يشعر ببركان ثائر تتفاقم حممه وتأكل دواخله من حديث هذا المقيت لا والأنكى انه تفاجأ بعلمه لتلك التفاصيل الذي ظن نفسه الوحيد الذي شاركها معها، لذلك كان مشدوه لدرجة انه تناوب نظراته بينهم بصدمة عارمة فنعم علم عنها الكثير ولكن لم يخطر بباله يوم كون لها علاقات اخرى قبله كانت تضم نفس التفاصيل التي جمعتهم سويًا وعند تلك الفكرة وجد دمائه الحامية تتفاقم لرأسه كحمم بركان ثائر يكاد ينفجر وتتناثر حممه تحرق الجميع ليمد أنامله يمسد جبهته بسبابته وابهامه يحاول ان يتمالك زمام نفسه كي لا يتهور ولكن كان الأمر ليس بيسير بتاتًا فعقله يستنكر الأمر بقوة ومنطقه يرفضه ولم يصوغه بالمرة لذلك وجد ذاته يلتفت لها متسائلًا وهو يشملها بنظرة دامية مشتعلة تنم عن غضب جحيمي بالكاد يتحكم بكبته: -كلامه ده صح؟ نفت برأسها بحركة غير متزنة ولكن رد "طارق" كان أسرع من ردود أفعالها حين قال: -متقدرش تنكر علشان الجامعة كلها عارفة فضايحها وهم قدامك تقدر تسأل أي حد فيهم هيقولك تناوب نظراته المصدومة بينهم وهو يكور قبضة يده بقوة حتى نفرت عروق يده فكم كان يود أن يحطم رأس ذلك المقيت الآن بيده العارية ولكنه تماسك وتحامل على ذاته بكل عقلانية فذلك التهور والأفعال الصبيانية لا تمت لطبيعته بشيء، بينما غمغمت هي بشهقات باكية: -"محمد" هفهمك… دلك مؤخرة عنقه كي يهدأ من روعه وقال ببسمة متألمة متخاذلة لأبعد حد قبل أن يغادر بخطوات واسعة يتأكلها الغضب قبل أن يرتكب جري\مة لتوه: -يا خسارة يا "ميرال"... حاولت مناجاته ومنعه من تركها ولكنه لم يمهلها فرصة لذلك بل في لمح البصر كان يختفي من أمامها ليزيد نحيبها وتصرخ بذلك المقيت بأنهيار تام: -ليه ....ليه حرام عليك ...عملتلك ايه أنا عمري ما أذيتك ولا أذيت حد ليه تعمل كده كانت تتحدث ومع كل كلمة تسبقها دمعاتها الحارقة التي كانت تكوي قلبها قبل وجنتها من شدة قهرها بينما هو أخبرها بكل تبجح وبخبث مقيت يتقصد به أن يذكرها بفعلت الأخرى بها كي يشعل بداخلها تلك الضغينة من جديد: -"نادين الراوي" قالت جملة في الصميم قالت "ميرال" مش بتغلب وكل يوم هتصاحب واحد شكل علشان كده متزعليش ودوري على غيره بس ياريت يبقى لارج شوية مش زي الغبي اللي ايده طرشة ده، وبعدين في داهية ده حتى مش لايق عليكِ ولا على مركز ابوكِ -منك لله يا "طارق" منكم كلكم لله ربنا ينتقم منكم قالتها بنبرة واهنة وشهقات تدمي القلب وهي توجه حديثها للجميع بينما هم كانوا فقط يشاهدون ما يحدث دون أن يتجرأ أحد على أن يتدخل لذلك جرت قدميها وانسحبت من بينهم باكية تصعد إلى سيارتها ثم انطلقت بها وهي تنعي حظها وتنعي حياتها فحقًا كانت تشعر إِن حقًا فقدته ستفقد معه حياتها لذلك قررت أنها لن تستسلم مهما حدث وسوف تقنعه ببراءة أفعالها. ------------- أخذت قرارها كي تثبت له كونها جديرة به وحدها فحقًا تريد إنهاء تلك الحرب الباردة التي أنشبتها تلك الخبيثة من وجهة نظرها كي تفسد حياتها وتخرب ما تطمح له فقد قصدت منزلها وهاهي تقف على أعتابه تطرق على بابها وحين فتح حانت منها بسمة ماكرة أخفتها سريعًا وقالت لتلك التي تطالعها ببسمة مرحبة: -اهلًا حضرتك عايزة مين؟ قالتها "سعاد" دون دراية بهويتها مما جعل الآخرى تجيبها ببسمة عابرة: -مدام "رهف" موجودة أومأت لها "سعاد" واجابتها وهي تشمل هيئتها بريبة: -اه "رهف" هنا أقولها مين؟ -انا "منار " هي عارفاني كويس عقل "سعاد" لم يسعفها في حينها و رحبت بها دون أي اسئلة آخرى وقامت باستضافتها بغرفة الصالون قائلة: -اهلًا بحضرتك ثواني وهبلغ "رهف" هزت رأسها ببسمة مجاملة وأخذت تتطلع لمحيط المكان تستكشفه، بينما حين ذهبت "سعاد" وأخبرت "رهف" بأسمها ثارت ثائرتها وعاتبتها كونها سمحت لها بالدخول ولكن "سعاد" بررت أنها لا تعرف هويتها وإن كانت تعلم لم تكن استقبلتها بل كانت وبختها و طردتها شر طردة، تفهمت "رهف" و اندفعت إلى غرفة الصالون التي استضافتها بها بعدما شددت عليها أن لا تتدخل بتاتًا وتبقى مع الصغار وتترك الأمر لها فقد هجمت على الغرفة قائلة بتأهب وبنبرة شرسة مستنكرة وهي تلوح بيدها: -أنتِ ليكِ عين تيجي هنا... عقبت على هجومها بنبرة مفتعلة مسالمة لاتليق عليها بتاتًا: -أهدي ... يا "رهف" لو سمحتي ...أنا عارفة أنك مش طيقاني بس لازم تسمعيني ومش هتخسري حاجة نظرت لها "رهف" نظرة مطولة تحاول أن تستشف نواياها ثم قالت بنفور وبملامح واجمة: -أنا عمري ما شوفت حد في بجاحتك اغتاظت من طريقتها ولكنها ثبتت و سايرتها قائلة ببراءة مصطنعة: -أنا عمري ما اتخيلت أن الموضوع يوصل لكده بسببي ...يعني لما اتجوزت "سُونة" مكنش قصدي اخرب بيتك... رمشت "رهف" عدة مرات بأهدابها تحاول أن تتمالك زمام نفسها دون أن تتهور وتسحب تلك المتبجحة من خصلاتها في حين الآخرى استأنفت بكيد: -وحياة "سُونة" اللي معنديش في الدنيا أغلى منه أنا مش وِحشة ومش علشان اتجوزته وحبيته ابقى خرابة بيوت حانت من "رهف" بسمة هازئة وهزت رأسها بسخرية قائلة: - بجد أنتِ مصدقة نفسك... تعرفي دلوقتي بس اكتشفت انكم شبه بعض ولايقين على بعض جدًا...كل واحد فيكم عايش دور الضحية و بيكدب الكدبة ويصدقها، انتو ازاي كده! زاغت نظرات الأخرى ودافعت: -يا "رهف" أنا مليش دعوة بخسارتك للبيبي ولا هو ده من ساعة اللي حصل وهو زعلان وبيحلف أنه مكنش قصده وبعدين اللي في بطنك ده كان ابنه أو بنته يعني مستحيل كان يقصد. حقًا مدى التوافق الذي بينهم افحمها، فتقسم انها كانت مشدوهة من ادعائهم للبراءة وتقمصهم لهذا الحد لا والأنكى أن قناعاتهم راسخة لا تتزعزع وتمدهم بثقة لا مثيل كونهم على حق وعلى الأرجح ذلك ما دفع تلك المتبجحة لتأتي إليها لتدافع عنه وتبرر أفعاله وكأنهم لم يكتفوا بعد كل ما حل بها، ولكنها رغم كل شيء لن تستسلم بل ستظل صامدة ولن ينطلي عليها تلك الدراما الهزلية فقد تناولت نفس عميق ملئت به صدرها ثم تساءلت بنظرات قوية ثابتة: -ياترى هو اللي باعتك تدافعي عنه؟ ولا أنتِ اللي جيتي من نفسك علشان خايفة عليه؟ أبتلعت "منار" رمقها وأوضحت بنبرة متخابثة لأبعد حد: - انا جيت من وراه... وفعلًا أنا خايفة ومرعوبة عليه "سُونة" ده قلبي الحنين اللي مقدرش اعيش من غيره وعلشان كده جيت احاول اقنعك تتنازلي عن الق\ضية أنتِ اصيلة و هو برضو ابو ولادك ومش هيهون عليكِ يتبهدل لا... إلى هنا ولم تعد تتحكم بأعصابها فتلك المتبجحة تحرق اعصابها وتزيد من انين قلبها، فهي حتى لم تراعي أن تتحدث عنه بتحفظ بل تدعوه بذلك اللقب المستفز أمامها وتصرح بحبها له وتدافع عنه فقط لتكيدها، لذلك اندفعت قائلة بشراسة قتالية اكتسبتها بعد نكبتها: -اتنازل عن ايه؟ أنا مش فاهمة ايه البجاحة بتاعتك دي وايه العشم ده أنت فاكراني ساذجة علشان اصدق الفيلم الهندي بتاعك ده أنت واحدة مادية كل غرضك الفلوس ومصلحتك و بس...وأحب اطمنك البيه اللي انتِ طالعة بيه السما مبقاش يلزمني وإذا كان هيهون عليا فأنا هونت عليه وعمره ما عمل حساب ليا ولا مشاعري ولا أي حاجة عملتها علشانه... وعلشان كده مش هتراجع و احب ابلغك اني سيبهولك وبكامل إرادتي -انت مكبرة الموضوع اوي يا "رهف" وعطياه فوق حجمه فيها ايه يعني لو كنتِ قبلتي بالوضع وعشنا كلنا مبسوطين أنا عمري ما كنت هخليه يجي على حقك ولا على حق ولادك جزت "رهف" على نواجذها من استفزاز الأخرى لها وقالت بشراسة وبنبرة متشفية كي تثير أعصابها مثلما فعلت معها: -لا شكرًا أوي لكرم جنابك أنا متنزلالك عن حقي فيه... اشربيه لوحدك أما بقى حق ولادي فأنا أخدته تالت ومتلت وسحبت كل فلوسه وسبتهولك على الحديدة تقلصت معالم وجهها بريبة وتسألت بعدم استيعاب: -يعني ايه مش فاهمة؟ أجابتها هي بتشفي وبرأس شامخة بكل كبرياء وثقة: -اللي فهمتيه حسن بيه طايل بتاعك مبقاش طايل و رصيده بقى صفر... استنكرت هي: -أنت بتقولي ايه مستحيل قهقت "رهف" بعلو صوتها ضاربة كف على آخر ساخرة منها بأسف مصتنع: -يا حرااااام يظهر أنه كان مخبي عليكِ ومكنش عندك علم بالموضوع... لتهدأ ضحكاتها تدريجيًا وتستأنف بتهكم تقصدته: -بس اعذريه يا "منار" أصل باين كده انه كان عارف انك اتجوزتيه علشان طمعانة في فلوسه وتلاقيه خاف يقولك علشان متسبيهوش يا حرااام رفض عقلها الاستيعاب وهمهمت وهي تظن انها تتلاعب بها: -مش مصدقة وعلى فكرة هزارك سخيف ثارت رماديتاها وهدرت بشراسة وبنبرة هجومية: -عارفة ايه السخيف انك كنتِ فاكراني غبية هقف اتفرج عليه و هو بيصرف فلوسي وحق ولادي على واحدة زيك رخيصة بتبيع نفسها للي يدفع اكتر شحب وجهها وتعالت وتيرة انفاسها بغيظ لا مثيل له فمن كانت تظن انها ستكيدها؛ كادتها هي بل افحمتها واتلفت اعصابها وأودت بكافة آمالها وأطماعها وتأملاتها أدراج الرياح مما جعلها تهتف بغيظ وبنظرة نارية متوعدة: -أنا أشرف منك وقسم بالله لو الكلام ده طلع صح مش هسكت وهحاسبه انه خبى عليا؟ شهقت "رهف" بخفوت وتهكمت وهي ترسم صدمة مفتعلة على وجهها: -هتعملي ايه يا"منار" عيب مش ده "سونة" حبيبك وقلبك الحنين اللي متقدريش تعيشي من غيره...أيه غيرتي رأيك بالسرعة دي ده حتى الست الأصيلة لازم تعيش مع جوزها على الحلوة والمره ولسة العمر قدامكم تقدري تقفي جنبه وتستحمليه علشان يقف على رجليه من تاني ويعوض خسارته. كانت تتعمد أن تهزء منها كي ترد لها الصاع صاعين ورغم أن مجيئها من الأساس أجج جذوة النيران الكامنة ولم تنطفئ بقلبها ولكن الآن هي أفضل وتقسم أن حديثها ذلك أثلج قلبها واشعرها براحة عارمة لا مثيل لها، أما عن الأخرى فكان وجهها شاحب تجز على نواجزها من شدة غيظها وحتى أنها عجزت عن مجاراتها أو التفوه بأي شيء كل ما فعلته أنها دبت الأرض بكعب حذائها وغادرت بعدما رشقت "رهف" بنظرة ثائرة مشتعلة استقبلتها ببسمة متشفية وبنظرة واثقة لامعة بقوة تنم عن شخصية جديدة تشكلت من جديد بفضل ذلك الساخط وبفضل كم الخذلان الذي أغدقها به في كنفه. --------------------- -هو فين؟ قالتها "ميرال" ببكاء مرير وبتلهف وهي تندفع لداخل الشقة بعدما فتحت لها "شهد" التي تنهدت وأخبرتها: -في أوضته من ساعة ما جه ومخرجش منها وقافل على نفسه …هو في أيه يا "ميرال" أنتو اتخنقتوا؟ أيدت "ميرال" برأسها ودمعاتها تغرق وجهها وتوجهت نحو باب غرفته تطرق عليه راجية: -"محمد" أفتح وخلينا نتكلم... متعملش فيا كده...محمد...افتح لو سمحت خليني افهمك...محمد علشان خاطر ربنا اسمعني... كانت تتوسله من خلف الباب بنشيج قوي يقطع نياط القلب ولكنه لم يجيبها ولم يصلها رد منه لتقترب "شهد"منها تواسيها في حنان وهي تربت على ظهرها بتعاطف بَين: -بس... وحياة الغالين عندك بطلي عياط واهدي هو لما بيزعل مش بيحب يتكلم وبيفضل قافل على نفسه لغاية ما يهدى ده طبعه من صُغره... -بس أنا لازم افهمه يا "شهد" ولازم يسمعني أنا مش عايزة اخسره يا "شهد" بالله عليكِ متخلهوش يسبني زفرت "شهد"وحاولت تهدئتها من جديد وهي تجرها لردهة منزلهم المتواضعة وتجلسها على أحد الأرائك: -طب اهدي يا "ميرال" وفهميني حاولت تنظيم انفاسها وكبح شهقاتها المتألمة ثم أجابتها بنهنهة متقطعة: -الكلب "طارق" قاله إن كان ليا علاقات قبله... وانا والله مفيش واحد فيهم كان زيه...أنا كنت تايهة يا "شهد" كنت ضايعة ومش فاهمة... محدش كان بيوجهني ويفهمني الصح من الغلط كنت بدور على الحنية وبدور على حد يعوضني عن الأهتمام اللي اتحرمت منه أنا مكنش حد جنبي كنت لوحدي وهو الوحيد اللي لملم اللي باقي مني وشكلني من جديد أنا لو سابني هموت ...هموت يا "شهد" ساعديني علشان خاطر ربنا ساعديني كانت تتحدث بإنهيار تام وبنبرة باكية متألمة جعلت دمعات "شهد" تفر تضامنًا معها وتضمها لصدرها قائلة بنبرة مواسية: -اهدي يا "ميرال"...اهدي علشان خاطري هو مش هيسيبك ده هو كمان روحه فيكِ بس كان لازم تحكيله ليه خبيتي عليه رفعت رأسها قائلة بعيون يكسوها الحُمرة من شدة نحيبها: -خوفت اخسره وميفهمنيش...وبعدين أنا أي حاجة حصلت قبل ما اعرفه ملهاش قيمة بالنسبالي و مجاش في بالي أني اتحاسب دلوقتي على طيشي وعلى اختياراتي الغلط...مجاش في بالي أن ربنا هيعاقبني فيه ويبعده عني هزت "شهد" رأسها بتفهم بعدما استشعرت مدى صدقها و طمئنتها: -هيروق والله أنا عارفاه سبيه يهدى وانا هفهمه وإن شاء الله خير كفكفت دمعاتها بظهر يدها وسألتها بترقب: -بجد هتكلميه هزت "شهد" رأسها وأخبرتها بتعاطف وبقلب عطوف: -أنا مصدقاكِ ومتأكدة انك بتحبيه ومش بتكدبي عليا...هكلمه وهبقى على أتواصل معاكِ بس الأهم من كل ده تركزي في امتحاناتك ومتشغليش بالك نفت برأسها واخبرتها بضعف وكأنها فقدت شغف كل شيء: -مش هعرف أعمل حاجة ولا أركز وهو بعيد عني قرصت "شهد" أُذنها بخفة و وبختها قاصدة تحفيزها: -اجمدي يا بت وبطلي دلع ده مستقبلك وعليا النعمة لو ما شوفتي حالك وركزتي لكون مسخناه بزيادة وابقي قابليني بقى لو كلمك ولا عبرك من الأساس -لأ يا "شهد" الله يخليكِ والله لو حصل هموت من غيره...أنا هعمل كل اللي تقوليلي عليه قالتها بصدق شديد وبعيون باكية متوسلة جعلت "شهد" تنهرها قائلة وهي تترك أُذنها وتضمها لصدرها بعيون دامعة متعاطفة معها: -يخربيت فقرك قطعتي قلبي اسكتي بقى إلا انا لو اتفتحت في العياط مش بتسد وانا اصلًا فرفوشة يا ختي ومليش في النكد حانت من "ميرال" بسمة باهتة من بين نهنهتها لتربت "شهد" على ظهرها وهي تتنهد داعية ان يتفهم شقيقها ويرأف بتلك المسكينة التي استشعرت مدى صدقها وتعاطفت كثيرًا مع انهيارها بلاه. ---------------- -أنت ازاي تخبي عليا انها خدت فلوسك؟ قالتها "منار" بنبرة عدائية وبتأهب ثار أعصابه وجعله يتساءل بتوجس: -عرفتي منين؟ أجابته بغيظ: -ده كل اللي يهمك...عرفت منين ...أيه مكنتش عايزني اعرف مش كده؟ تأفف هو بنفاذ صبر وهو يجذبها من ذراعها: -ردي عليا وقوليلي عرفتي منين؟ رمقته شذرًا ونتشت ذراعها من قبضته ثم أخبرته بنبرة تقطر بالحقد: -من الهانم بتاعتك اللي غفلتك وضحكت عليك زمجر غاضبًا وتساءل وقاتمتيه تحتد من شدة الغضب: -شوفتيها فين؟ لوت جانب فمها وأخبرته ساخطة: -روحتلها لغاية عندها علشان اترجاها تتنازل علشان كنت هموت من زعلي عليك والهانم قالتلي بكل جبروت أنها خليتك على الحديدة ده غير الكلام اللي زي السم اللي قالتهولي وأنا بحاول أدافع عنك (ميراكريم) مرر يده بخصلاته الفحمية يشعر أنه سيفقد عقله وهدرًا بعدم رضا: -ليه عملتي كده...ليه؟ أجابته بإنفعال مُصرحة بتلك النوايا الغير بريئة بالمرة التي تتواري خلف فعلتها: -روحت علشان بحبك وخايفة عليك وكنت فاكرة الهانم هتغير رأيها لما اتنازل عن كرامتي و اروح اتراجها بس هي اهانتني وغلطت فيك وقالتلي أنك مبقتش تلزمها ورفضت تتنازل جلس بأنهزام مكوب رأسه بكفوف يده لا يقوى على استيعاب هذا الكم منها، بينما هي حرضته من جديد: -لما سرقتك سكت ليه؟ أجابها بقلة حيلة: -حسابنا كان مشترك ومكنتش مخونها ومفيش حاجة تدينها نفخت أوداجها وتساءلت وهي تربع ذراعها وتهز قدمها بإنفعال: -والعمل دلوقتي؟ زفر بقوة ومرر يده على وجهه المكفهر قائلًا: -مش عارف...الشركة الشغل فيها واقف والعمال في الموقع رافضين يشتغلوا ومواد البُنا مرمية في الموقع ده غير أن المرحلة التانية للوحدات لو متسلمتش في معادها في شرط جزائي ملزم بيه في العقد حانت منها بسمة هازئة محملة بسخط عظيم من حساباتها وتأملاتها التي ذهبت أدراج الرياح، بينما هو جذبها من جلسته دافن رأسه في حضنها راجيًا إياها بقلة حيلة وهو يحاوط خصرها: -"منار" دي ازمة وهتعدي خليكِ جنبي انا مبقاليش حد غيرك زفرت هي بقوة ودست أناملها بين خصلاته بملامح جامدة وعيون محتدة من شدة غيظها وظل يدور برأسها كل الأحداث السابقة لتزيد من حقدها وسخطها لكل شيء ثم تقرر أنها لن تظل مكتوفة الأيدي بعد الآن فلابد من إيجاد حل لتلك المُعضلة وفي أقرب وقت ممكن كي تعوض إهدارها للوقت. فياترى ماذا تخبىء لك الأيام القادمة إيها الساخط على يدها! هل سترأف بك و بمصائبك وتبقى معك أَم ستتركك خائب الرجاء بعدها! حسنًا دعني أبشرك فإن كُنت تظن أن نوائب الدهر تكاثرت عليك وأحنت ظهرك فصدقًا القادم سيكون اعظم. 🦋الخامس والعشرون🦋 أفضل إنتقام ممّن تخلى عنك، أن تعيش حياتك جيّداً بدونه. - جويس كارول أوتس ------------------ زفرت انفاسها بسعادة عارمة حين جلست خلف مكتبها بتلك الشركة التي تملكها صديقتها بعدما ألحت عليها بشدة أن تباشر بالعمل معها، وها هي تفرد ظهرها على ذلك المقعد الدوار وتسند ذراعيها على مسانده وهي تشعر بشعور عظيم من الثقة والقوة التي حقًا سلبوا منها بفضله وبفضل فترة السبات التي كانت عليها. -هاااا المكتب عجبك؟ انتشلها صوت صديقتها "سارة" التي دخلت لتوها، اعتدلت بجلستها واخبرتها ببسمة واسعة: -أوي أوي يا "سارة" المكتب يجنن -طب الحمد لله انه عجبك علشان تشتغلي بنفس كده وتطلعي المواهب المدفونة هزت "رهف" رأسها وقالت بحماس أصبح جلي على وجهها: -حاسة إني عندي طاقة كبيرة ومتحمسة اوي وعايزة ابدأ دلوقتي -تمام انا جهزتلك Files لمجموعة من الclient على مكتبك شوفي تحبي وتبدأي بإيه! والباقي يتوزع على الزملا هتلاقي في ال Files كل المطلوب و detailsكلها فيهم عيادات و كذا ڤلا في التجمع والشيخ زايد بمساحات مختلفة و ياريت تشدي حيلك معايا علشان اسم شركتنا مترشح لشركة مقاولات كبيرة ولو وقع اختيارهم علينا هنستلم تجهيز الوحدات السكنية ودي بجد هتبقى نقلة كبيرة للشركة وبصراحة أنا متفائلة بيكِ جدًا ابتسمت "رهف" وردت بمكاتفة: -يارب خير يا "سارة"متقلقيش هتلاقيني شعلة نشاط -أنا متأكده من ده يا "رهف" أصلا أنا كان حلم حياتي من الكلية إني اشتغل معاكِ واتعلم منك بجد انتِ موهوبة جدًا والشغل بيطلع من تحت ايدك تحفة مفيهوش غلطة أطرقت اهدابها بخجل من إطرائها وقالت بخفة: -هبتدي أتغر يا "سارة" وصدقيني أنتِ اللي هتدفعي التمن قهقهت "سارة" وقالت بخفة مماثلة: -يا ستي اتغري براحتك وانا تحت أمرك ده انا مصدقت ابتسمت "رهف"من مجاملتها وبررت بإقتناع: -على فكرة بهزر أنا كنت محتاجة الشغل جدًا علشان يرجعلي ثقتي بنفسي و أسفة إني ماطلت في الرد على طلبك بس كان لازم ارتب شوية حاجات و اجيب مربيه كويسة للاولاد علشان ابقى مطمنة عليهم في غيابي أنتِ عارفة أن "سعاد" اجازتها قربت تخلص ومينفعش اعتمد عليها لتتنهد وتضيف بعرفان: -والله ما عارفة من غيركم كنت هعمل ايه... أنتِ و"سعاد" وجوزك اللي اتولى الق\ضية بجد مش عارفة اشكركم ازاي على وقفتكم جنبي حانت من "سارة" بسمة صادقة بمحبة خالصة ثم همهمت وهي تربت على يدها المسنودة على المكتب: -أحنا اخوات يا "رهف" ومفيش بينا فرق وبعدين أنا مبسوطة جدًا أن قربنا تاني ورجعنا زي زمان أبتسمت "رهف" بإمتنان، لتتركها "سارة" تباشر عملها بينما هي كانت تشعر أن بقرارها ذلك استرجعت جزء من ذاتها التي فقدتها وفقدت شغف كل شيء معها بفضل ذلك الساخط الذي كانت دومًا تبديه هو عن كل شيء يخصها. ---------------------- كان ينتظر الصباح بفارغ الصبر بعدما يأس من محايلة النوم الذي جافاه فطوال الليل كان يقام بداخله حرب ضارية بين رغبة قلبه وبين تلك القيم الراسخة التي ربى عليها فحقًا هي صعبت عليه الأمر كثيرًا فكيف سيتقبل ذلك وهو يكاد يجن كلما هيأ له عقله أنها كانت مع شخص أخر غيره وتشاركه كل التفاصيل التي جمعته بها حقًا كان حزين يشعر بالشتات لأبعد حد يود أن يمنح عقله هُدنة رادعة كي يستطيع اتخاذ قرار صحيح، فقد تحضر لعمله بملامح بائسة وخرج من غرفته قاصد المغادرة ولكن صوت شقيقته استوقفه حين صاحت بإسمه: -"حمود" استنى تنهد ونظر لها دون حديث بينما هي اقتربت منه وربتت على كتفه قائلة: -لسة بدري على شغلك استنى نفطر سوا انا حضرتلك الفطار المتين والشاي على النار نفى برأسه وأجابها بعيون حزينة بائسة انهكها التفكير: -مليش نفس يا "شهد" معلش سبيني زفرت "شهد" وقالت بإصرار: -أسمع انا سبتك أمبارح براحتك ومرضتش اضغط عليك لكن عليا النعمة لو ما فطرت معايا انا والبت لكون مقطعاك العمر كله أغمض عينيه بقوة وترجاها قائلًا: -"شهد" أنا مخنوق سبيني بالله عليكِ هزت رأسها وسحبته من ذراعه هادرة بنبرة آمرة و هي تجلسه على طاولة الطعام قسرًا وكأنه صغيرها: -هتسمع الكلام وهتقعد تفطر أنت من أمبارح محطتش حاجة في بؤك أنا مش هستنى لما تقع من طولك لتدس بفمه لقمة مغمسة بالجبن قائلة: -كُل الاكل ملوش دعوة بالزعل وبعدين ايه المشكلة يعني أنت قاهر نفسك ليه؟ تطلع لها وحانت منه بسمة باهتة وهو يلوك ما بفمه لتباغته هي وتدس بفمه بيضة مسلوقة دفعة واحدة قشرتها لتوها ليسعل وهو يجد صعوبة في مضغها وابتلاعها: -كفاية يا "شهد" أيه اللي بتعمليه ده! ربتت على ظهره بقوة كعادتها الغاشمة وفرغت له كوب ماء من الدورق الذي يعتلي المائدة وناولته إياه ليرتشف هو منه بضع رشفات ويقول متهربًا: -يخربيت هزار البوابين بتاعك ده كفاية شبعت...وسبيني بقى علشان متأخرش -مش هتتأخر ومش هتنزل غير وأنت فاطر الفطار التمام وحابس بالشاي كمان كاد يعترض ولكنها أصرت بشدة مما جعله ينصاع لها، بينما هي كانت تنتظر فرصة لتفاتحه بالأمر. دخلت صغيرتها وجلست دون أن تلقي عليه تحية الصباح فقط جلست وربعت ذراعيها ونظرت له نظرات تحمل العتاب، لذلك تسأل متوجسًا: -مالك يا مفعوصة على الصبح؟ مطت "طمطم" فمها وقالت معاتبة: -زعلانة منك يا "حمود" ومش بكلمك علشان زعلت طنط "ميرال" وخلتها تعيط وهي طيبة وانا بحبها... أبتلع غصة بحلقه ونظر نظرة عابرة ل "شهد" كي تجيب بالنيابة عنه وبالفعل فعلت وقالت لصغيرتها: -دي مواضيع كبار يا "طمطم" وعيب ندخل فيها...ويلا قومي ألبسي لبس المدرسة الأول قبل ما تفطري دبت الصغيرة بقدمها الأرض و انصاعت لوالدتها بينما هو اسند أحد ذراعيه على الطاولة وأخذ يمسد جبهته وهو يشعر بألم رهيب يداهم رأسه، ودون حديث كانت تعلم "شهد" ما يحتاجه لتحضر له حبة مُسكنة وكوب ماء قائلة وهي تربت على كتفه: -الصداع من التفكير يا قلب أختك...كفاية وارحم نفسك زفر انفاسه دفعة واحدة وتناول من يدها كوب الماء يرتشف منه بعدما وضع الحبة داخل فمه لتستأنف هي: -أنا عارفة انك عاقل وعقلك كبير...البت بتحبك يا "حمود" وقطعت قلبي لما حكتلي على اللي حصل -سمعتها... قالها بنفاذ صبر وهو يتذكر ذلك الشعور القاتل النابع من شدة المقاومة الذي أنتابه بالأمس وهو يستمع لكل كلمة تفوهت بها. واصلت "شهد" حديثها: -البت بتحبك وبتقول أنها خبت عليك علشان خافت تخسرك حانت منه بسمة متألمة وأجابها بعيون تقطر بالحزن: -حتى لو كانت قالتلي يا "شهد" أزاي كنت هتقبل ده ببساطة كده...ليمسد جبهته من جديد كي يخفف حدة الألم ويستأنف بخيبة أمل: -أنا عمري ما كان ليا علاقات قبل كده...وكان نفسي البنت اللي أحبها أكون أنا أول راجل في حياتها... ربتت "شهد" على ظهره و واسته: -يا قلب أختك هي اعترفت أنها كانت طايشة وأنت اللي شكلتها من جديد -أنا كان عندي استعداد اتقبل أي حاجة إلا دي يا "شهد" انا كنت عارف أنها مستهترة قبلي ومنكرش انها اتغيرت بس مجاش في بالي أن كان واصل الاستهتار بيها لكده...صدقيني يا "شهد" مش سهل استوعب ده وأتخطاه بسهولة -بس أنت ملكش حق تعاتبها في اللي فات أنت ليك من وقت ما عرفتها...وبعدين انت راجل و قدرت تغيرها وهي البت من ساعتها تحت طوعك ومشوفتش عليها حاجة بالعكس دي مش بتكسرلك كلمة وطالعة بيك السما يا ولاا دي لما بتبصلك عنيها بطلع قلوب قالت آخر جملة وهي تنكزه بكتفه كي تشاكسه وتخرجه من الحالة التي هو عليها ولكنه لم يتأثر بل نفى برأسه التي يسيطر عليها تلك الأفكار العرفية وقال بحمئة شديدة ودمائه الحامية تتدفق بعروقه: -عارف انها بتحبني... وأنا كمان محبتش غيرها بس لمايوصل الموضوع انه يمس سمعتها والتشكيك في سلوكها يبقى من حقي يا "شهد" أنا راجل شرقي بسيط وعايش في مجتمع ما بيرحمش حد... صدقيني صعب عليا انا كنت فاكر أن الفوارق الأجتماعية بينا هي العائق الوحيد بيني وبينها بس دلوقتي استوعبت أن في فوارق تانية عقلي مش هيعرف يتخطاها ولو بتحبي أخوكِ بلاش تفتحي الموضوع ده تاني معايا على الاقل دلوقتي ذلك أخر ما نطق به قبل أن يغادر تاركها تنظر لآثاره بحزن وبتعاطف بَين على تقاسيمها فلأول مرة ترى شقيقها على تلك الحالة فكان يتحدث بنبرة متألمة تفيض بخيبة الأمل مما جعلها تستمع له وتكف عن الجدال وتقرر أنها ستتركه لحين يهدأ على الأخير وحينها ستحاول مرة أخرى ولكن بعدما يتغلب عليه لوعة قلبه دون مالكته فهي تعلم أن شقيقها يعشقها وسوف يتغلب على تلك القناعات بمفرده. ------------------ أما عن صاحبة الفيروزتان التي انطفأت لمعتها من دونه فقد تحضرت لمذاكرة موادها ولكن صعب عليها الأمر فكلما ركزت نظراتها على الورق يترأى ذلك المشهد البغيض أمام عيناها ويذكرها كونها خسرته وعند تلك الفكرة تناولت هاتفها وهاتفت "شهد" لعلها تريح قلبها وما أن أتاها ردها قالت متلهفة: -"شهد" كلمتيه غاب ردها ثم أجابتها متلعثمة: -هاااا...اه… -"شهد" اتكلمي الله يخليكِ أنا حاسة إني بموت بالبطيء -أنا عيزاكِ تهدي شوية وتصبري كام يوم كده لغاية ما يهدى وبإذن الله خير سألتها "ميرال" بضعف وبقلب مرتعب يخشى خسارته: -قوليلي قالك ايه؟ اتاها تنهيدة "شهد"من الجانب الآخر مما جعلها تتساءل من جديد متوجسة وبعيون غامت لتوها: -يعني كرهني خلاص وصدق اللي اتقاله عني مش كده؟ -لأ بس...أصل هو... -هو أيه يا "شهد" قولي؟ -يوووه بقى اسمعي أنا مش هيأس وهتكلم معاه تاني بس عايزاكِ تجمدي وتسبيه كام يوم يهدى،وأنتِ كمان استهدي بالله وركزي في امتحاناتك وبإذن الله خير فرت دمعاتها وهي تجيبها بصوت مختنق بسبب عبراتها: -حاضر يا "شهد" بس علشان خاطري لو في جديد قوليلي وطمنيني عليه -حاضر من عيني… هكلمك كل يوم … و ربنا يصلح الحال أغلقت الخط وارتمت على فراشها تبكي كمدًا بسبب ما استشفته بنفسها، فيبدو أن لعنة التخلي مازالت تلاحقها. ------------------- -مش هتقوليلي ادخل يا خالتي قالها "حسن" برأس منكس وهو يقف على أعتاب منزلها، بعدما شجعته "منار" على ذلك وملئت رأسه بحديثها المسموم وحرضته فكان تأثيرها تأثير السحر عليه بعدما أوهمته أنها فقط من تحبه وتموت رَعباَ عليه وعلى مصلحته. تنهدت "ثريا" و دعته للدخول دون حفاوة كما كانت تفعل معه في سابق عهدها، ليدخل هو ويجلس على أقرب مقعد قائلًا: -أنا عارف أنك زعلانة مني وجاي استسمحك وابوس على راسك جلست "ثريا" بجواره ناطقة بعتاب: -تبوس راسي بعد أيه بعد اما معملتش اعتبار لحد ومشيت بدماغك تأفف هو وقال بخزي من نفسه قبل أي شيء: -بالله عليكِ يا خالتي متزوديش همي أنا اصلا مخنوق وتعبان وربنا عالم بيا ضربت"ثريا" كف على آخر وأنبته: -لازم تتخنق وتتعب بعد ما بعت الغالي واشتريت الرخيص بأغلى تمن يا ابن اختي زفر بقوة ومرر يده بين خصلاته الفحمية وقال وهو مغيب متأثر بحديث الأخرى: -وحتى لو غلطت مستهلش اللي حصل ولا أنها تبعني وتسبني بالسهولة دي...انا روحت اتأسفتلها واترجيتها وحاولت ادافع عن نفسي بس هي رفضت وبهدلتني ...وكأن مكفهاش انها خربت البيت و وقفت شغلي لأ كمان عايزة تسجني تعلقت عيون "ثريا" به لثوانِ تستوعب ما تفوه به، ثم قالت بِفطنه: -وده بقى الكلام اللي الحرباية التانية ملت بيه دماغك أبتلع رمقه ودافع دون تفكير: -"منار" مش حرباية دي الوحيدة اللي قلبها عليا واتنازلت و راحتلها وحاولت تقنعها بس هي مصممة شهقت "ثريا" وضربت صدرها: -يا لهوي وليها عين البجحة دي تروح لغاية عندها...صحيح يقتلوا القتيل ويمشوا في جنازته -"منار" خايفة عليا وراحت علشان خايفة اتحبس التوى فمها يمنًا ويسارًا ونهرته حازمة: -هتفضل طول عمرك غبي و وِدَني يا ابن اختي كلمة توديك وكلمة تجيبك لغاية ما بقيت خايب الرجا سقطت كلماتها الجارحة عليه كدلو ماء بارد لينتفض قلبه حين قرع ضميره ويقول بعتاب ليس للشخص الصحيح وكأنه يترأى له صورة "رهف" امامه ويعاتبها: - انا مش غبي...أنا ضايع ومتلخبط وحاسس أن حاجة كبيرة ومهمة اوي نقصاني لا عارف آكل ولا أشرب ولا أنام كل ما أفكر إني وصلتها أنها تكرهني للدرجة اللي تخليها عايزة تأذيني...أنا كنت مش بهون عليها ده لما كنت بكح بس كانت بتعمل مناحة وتفضل قاعدة فوق راسي معرفش جابت القسوة دي منين وعايزة تحرمني منها بعد كل الحب و العِشرة اللي بينا أنا لغاية دلوقتي مش مصدق ولا عارف هي اتغيرت كده أزاي دي بقت واحدة تانية أنا عمري ما عرفتها. تنهدت "ثريا" بأسى وقالت في حسرة: -كتر القسوة يا ابني بتعلم الجفا وأنت اللي وصلتها لكده "رهف" مفيش احن من قلبها بس أنت مرحمتهاش بأي عين عايزها ترحمك ده انت كتير استقويت عليها وياما نصحناك بس أنت ولا كان في بالك وكنت ماشي بدماغك وروحت اتجوزت عليها بفلوسها ومهمكش كسرة نفسها تناول علبة سجائره يشعل احدهم وينفث دخانها وقال بنبرة نادمة تقطر بالخزي: -عارف يا خالتي وبعترف إني كنت غبي وحاولت كتير أدافع عن نفسي واعتذرلها بس هي راكبة دماغها ومصممة وطلعت قليلة الأصل وعايزة تسبني وتخرب بيتي شهقت "ثريا" واستنكرت بدفاع قوي: -والله ما حد قليل الأصل غيرك وتصدق حلال فيك... وبعدين غريبة قهرك اوي أنها عايزة تسيبك وطلبت الطلاق طب ما ده حقها زي ما كان حقك تتجوز عليها - أنا مغلطتش وده شرع ربنا لكن هي غلطت لما خدت الفلوس وسابت بيتها من الأول -اه قول بقى أن كل اللي حرقك انها رجعت فلوسها و ورثها اللي اهلها سبهولها وأنت استوليت عليه بكل قوة واستقدار دي يا واطي عمرها ما حسبتك ولا قالتلك رجعلي فلوسي وكانت مأمناك على روحها ومالها بس أنت طلعت خسيس واتنمردت على النعمة وكسرت قلبها زمجر غاضبًا ودس السيجارة بداخل المنفضة هادرًا: -ابوس ايدك كفاية أنا تعبت واعصابي مبقتش متحملة كلامك...أنتِ مفروض تبقي معايا -أنا مع الحق والحق بيقول أن حقها ورجعلها أما بقى طلاقها منك فهي حرة ومحدش يقدر يجبرها تعيش معاك بالعافية بعد عملتك السوده معاها استطرد في عتاب وبملامح تملك منها اليأس بسبب عدم تعاطفها معه: -يظهر إني غلطت لما جتلك وكنت فاكرك هتفهميني وتواسيني يا خالتي تنهدت "ثريا" بأسى وقالت بنفس العتاب: -وأنا كان نفسي تفوق يا ابن اختي قبل ما تخسرها وكان نفسي تعرف تصلح غلطك بس يظهر أنك مصمم ولسة ماشي بدماغك...ويظهر برضو أن الكلام مفيش منه فايدة وعلشان كده قول نواياك وقول جيت ليه وعايز مني ايه؟ رغم صعوبة شعور الخزي الذي يكنه لنفسه، ورغم الندم الذي يعتريه ويؤرق مضجعه، ورغم ايضًا عدم استيعابه للأن أنها مقتته وخلفت ذلك الخواء بروحه قبل حياته إلا انه استرسل وهو مازال تحت تأثير سم كلمات "منار" التي بثتها بعقله: -كلميها تتنازل عن جنحة الضرب وترجعلي جزء من الفلوس وانا مستعد اعملها كل اللي هي عايزاه طالما مصممة على الطلاق أنا كرامتي متسمحليش افرض نفسي عليها اكتر من كده ولا اتذللها... هطلقها وهديها كل حقوقها، فلوسها انا اللي كبرتها وشغلتها وليا حق فيها انا خلاص خدت قراري بلاها محاكم وقضايا وخليها تعمل حساب للعِشرة اللي كانت بينا هزت "ثريا" رأسها بلافائدة واحتل الحزن تقاسيم وجهها فكانت تظن أنه سيموت قهرًا لفقدانها ويسعى لإصلاح ذاته، ويسعى خلفها من أجل اطفاله ولكنه حتى لم يذكرهم بحديثه وكيف يفعل وهناك افعى رقطاء تبث سمها بعقله وتجعل كل شيء يهون عليه، فحقًا اثبت لها انه مازال ساخط اناني؛ لا يهمه شيء سوى مصلحته فقط لذلك أخبرته متهكمة وهي تضع يد على أخرى وتلوي فمها مستعيرة نفس حديثه: -قليلة الأصل اللي مبتعملش حساب للعِشرة اتنازلت عن الجنحة اللي كانت ضدك ولسة قافلة معايا من شوية ومبلغاني انفرجت معالم وجهه وهب من موضعه بإندفاع وبكل تناقض الدنيا تساءل وكأن قلبه هو من يصرخ بالسؤال لا هو: -بجد يا خالتي واتنازلت عن ق\ضية الطلاق كمان... حانت من "ثريا" بسمة ماكرة اخفتها سريعًا حين نفت برأسها وتشدقت كي تستفزه وتحرك عقله المغيب: -لأ...لسة مصممة وبصراحة حقها بعد اللي شافته منك يعني حلوة وزي القمر ولسة صغيرة ومن حقها تعيش يمكن ربنا يعوضها...وأهي الحمد لله رجعت لشغلها ورتبت حياتها...الدور والباقي عليك يا ابن اختى يارب تكون مبسوط عن أي انبساط تتسأل هي وهو يشعر انه اتعس رجل على وجه الأرض، فقد زادت قتامة عينه وشعر بنصل حاد مشتعل ينغرس بصدره من حديثها فيكاد يصاب بذبحة صدرية من شدة صدمته بعدما أدرك أنها بالفعل تخطته. كبتت "ثريا" بسمتها المنتصرة حين لاحظت تأثير كلماتها عليه لتستأنف بعدما ضربت قدميها وهبت واقفة تربت على كتفه: -على العموم هبلغها واعمل اللي عليا...ويارب توافق وبصراحة طالما هي طالبة الطلاق وأنت عايز تريحها يبقى مفيش مشكلة تطلقها رسمي وتوفرو على بعض دوخة المحاكم و وجع الدماغ هز رأسه ببسمة عابرة مسايرة ودون أضافة شيء آخر كان يغادر وهو يعض أنامله من الندم. --------------- مرت عدة أيام عليها بصعوبة بالغة فقد فقدت آخر ذرة صبر لديها وأقسمت أنها لن تفلته إلا بإفلات روحها من جسدها فلم تستطيع أن تتحلى بالصبر كما نصحتها "شهد" بل هاتفته ربما للمرة الألف بعد المائة دون يأس ولكن هو لم يكترث قط حتى أنه لم يجيب على رسائلها الإلكترونية، يكون متصل ويراها ولكن لم يأتيها جواب منه للآن مما جعلها في حالة يرثى لها وتكاد تفقد أعصابها لذلك لم تشعر بذاتها إلا وهي تقف أمام عمله وها هو يخرج مع عدة من زملاء له وحين رأها استأذن منهم واقترب منها متسائلًا: -بتعملي ايه هنا؟ أجابته بعيون ذابلة: -مستنياك...لازم نتكلم يا "حمود" ابتلع ريقه ومسد جبهته قائلًا: -ملوش داعي الكلام يا "ميرال" نفت برأسها وقالت بضعف وبنبرة تقطر بحزنها: -"حمود" علشان خاطري اسمعني أنا عارفة اني غلطانة إني خبيت عليك بس كنت مستني ايه من واحدة ضايعة زي...انت معرفتنيش وانا ملاك أنا كنت بغلط و مستهترة وباخد حبوب وبشرب وبسهر متلومنيش انا كنت ضايعة لغاية ما لقيتك يا "حمود" علشان خاطري بلاش تسبني أنا متعودة أن الكل يتخلى عني بس لو انت عملت كده قلبي مش هيستحمل يا "حمود" علشان خاطري متعملش فيا كده أنا محتجالك أوي... كان يستمع لها بعيون دامعة تأثرًا بها وبقلب يحثه أن يرق لها فنعم حتى هو اشتاق لبحر عيناها واشتاق لعفويتها و لمشاكسته اياها ومناغشتهم لبعض اشتاق لكل شيء يخصها ويعلم الله أنه لم يذق طعم الراحة في تلك الأيام العجاف دونها، فكم كان يود أن يتخطى الأمر ولكن كيف وهو تعدى حدود منطقه ونطاق استيعابه ويخالف كل تلك القناعات الراسخة بعقله فحقًا كان يشعر بالخزي من نفسه لإحزانها ولكن يصعب عليه الأمر وبشدة لذلك اعتذر: -أنا آسف...إني سبب حالتك دي بس صدقيني مش عارف ... -اللي بيحب بيغفر… -حتى لو غفرت عمري ما هقدر انسى يا "ميرال" -هتنسى هساعدك وهنبدأ من جديد وهنرمي القديم كله ورا ضهرنا..."حمود" انا اتغيرت والله اتغيرت علشانك ومعنديش استعداد اعيش من غيرك احتل الحزن عينه البائسة وأجابها بنفاذ صبر وبقسوة لم تكن ابدًا من طباعه كي يؤد تلك الرغبة التي تسيطر عليه وتدفعه بضرب تلك القناعات عرض الحائط والسماح لقلبه أن يرق لها: -"ميرال" لو سمحتي كفاية أنتِ اتغيرتي لنفسك مش ليا ومتأكد انك هتتخطيني...انا مفرقش حاجة عن اللي عرفتيهم قبلي قال آخر جملة بمرارة وبملامح متألمة وصدى كلمات ذلك المقيت تتردد بعقله مما جعل عروقه تنفر وتتقلص معالم وجهه بإستياء شديد وقبل أن يحصل منها على رد لتهكمه الجارح لها كان يغادر بخطوات واسعة دون أن يلتفت خلفه، أما هي فكانت مشدوهة متجمدة بأرضها فقط دمعاتها تفر تغرق وجهها تشعر أن مغادرته تلك ليست تخصه هو بل تخص روحها التي إنسلتت لتوها تلاحق خطواته. --------------------- -مامي عايز ألعب بالجنينة...انا زهقان و"شيري" بتلعب لعب بنات بالعرايس بتاعتها ومش بتلعب معايا وطنط "سعاد"خدت ولادها عند جدتهم وانا لوحدي قالها "شريف" بنزق طفولي وهو يربع يده على صدره بضجر مما جعلها ترفع عيناها عن حاسوبها وتخبره: -حبيبي البوابة بتاعة الجنينة مش بتتقفل واخاف عليك ألعب بالكورة هنا بس اوعى تكسر حاجة نفى "شريف" برأسه واعترض: -لأ مش بعرف علشان خاطري يا مامي والله الجو حلو اوي بره وانا مش هخرج برة البوابة...علشان خاطري يا مامي وافقي...وافقي لو بتحبيني تنهدت "رهف" بيأس من عناد ابنها وإلحاحه الشديد ثم وافقت بمضض: -ماشي بس خد الداده معاك تاخد بالها منك وانا هقعد في البلكونة اخلص شغلي على اللاب وانا بتفرج عليك قفز بسعادة و وضع قبلة على وجنتها ثم هرول يحضر طابته ويعلم المربية بالأمر، لتبتسم وهي تنظر لأثره وتتنهد تنهيدة مثقلة بالكثير فا إلى الآن تحاول أن تمهد لأخبار أطفالها بقرار انفصالها وحقًا ذلك الأمر ليس بيسير عليها. هرول الصغير إلى الأسفل برفقة مربيته وهو في قمة سعادته، في تلك الأثناء كان هناك من يجلس بشرفة غرفته يتناول مشروبه الساخن المفضل وهو يشعر بالضجر من ذلك الهدوء المعتاد الذي يعم الأجواء إلى أن اتسعت بسمته وهو يرى ذلك الصغير يلعب بالطابة بسعادة عارمة وبخفة ومرونة ادهشته واستحوذت على كامل انتباهه فكان يتابعه بعينه وبسمة هادئة تعتلي وجهه ولكن لم يستمر الأمر طويلًا فقد علقت طابته على أحد الشجيرات العالية ومربيته يصعب عليها جلبها له، ليترك كوبه على جدار الشرفة ويهرول للأسفل كي يجلبها له وما أن تدلى الدرج واقترب منه استمع لصوت والدته تصيح بأسمه هاتفة من شرفتها: -"شريف" اطلع يا حبيبي وهشتريلك غيرها. مط الصغير فمه وهتف بعناد: -بس انا بحب الكورة دي يا مامي ومش عايز غيرها وحينها تدخل هو وطمئنه قائلًا وهو ينحني بجذعه عليه بعدما وجده عابث وعلى حافة البكاء: - متقلقش هجبهالك مط الصغير فمه وهز رأسه، لينهض "نضال"ويشب على أطراف حذائه ويمد يده يحضرها له، لتتهلل أسارير الصغير ويصيح بعلو صوته بسعادة عارمة لوالدته وهو يحتضن الطابة، خاطف أنظار الواقف بجانبه يتبع مرمى بصره: -مامي عمو جابلي الكورة انا فرحان اوي تنهدت "رهف" بإرتياح لسعادة ابنها، ثم بكل تحفظ هزت رأسها بامتنان له من موضعها، ليهز رأسه ايضًا ويخفض نظراته للصغير الذي شكره قائلًا: -شكرًا يا عمو -العفو يا كابتن "شريف" جعد الصغير حاجبيه وتعجب: -أنا مش كابتن قهقه هو بكامل صوته وراوغه بحاجب مرفوع بتسلية: -ازاي بقى ده انت بتلعب ولا احسن لعيب كورة، تعرف أني لامح فيك موهبة ومهارات هايلة برقت عين الصغير بسعادة وقال: -بجد يا عمو يعني ممكن ابقى زي ميسي او محمد صلاح ربت على وجنته بحنان بالغ وحفزه بإيجابية: -اكيد تقدر كانت تتابعهم من موقعها وتستغرب ذلك الحديث الذي يدور بينهم إلى أن هتفت "شيري" بأسمها وطلبت كوب من الماء لتلبي طلبها وتترك الشرفة بعدما ألقت نظرة مطولة على صغيرها فرغم أنها تعلم أن ذلك الطبيب موثوق به إلا انها كأي أم القلق والحرص دائمًا حليفها نحو ابنائها. بينما عند الصغير فقد استرسل قائلًا: -بس انا صغير -هما برضو كانوا صغيرين وعندهم نفس الحلم واشتغلوا على نفسهم لغاية ما وصلوا وحققوا حلمهم هز الصغير رأسه، واخبره بحزن وهو يمط فمه: -أنا كمان نفسي ابقى زيهم بس بابي مش بيرضى يوديني النادي ولا بيرضى يخليني أشارك مع أصحابي في التمرين احتل الحزن عين "نضال" وطبطب عليه بحنان قائلًا: -باباك اكيد خايف عليك...متزعلش وبعدين يا سيدي احنا ممكن نلعب هنا براحتنا -احنا مين دي؟ -أنا وانت ياعم "شريف" احنا خلاص بقينا أصحاب هز "شريف" رأسه بسعادة مرحبًا بينما ابتسم "نضال" ببهوت وشرد بوجهه لبرهة وكم تمنى لو أن يملك طفل مثله يشاركه كافة تفاصيله ويستمتع معه ولكن مشيئة الله كانت فوق كل شيء. -"شريـــــــــــــــــــــــــف" بتعمل ايه هنا؟ قالها "حسن" بحده وهو يقف على أعتاب الحديقة الصغيرة التي تحاوط البناية فقد اتى كي يطمئن على اطفاله ويكرر المحاولة التي فشلت بها "ثريا" ولم تأتي له بخبر يسر منها. اعتدل "نضال" بوقفته حين هرول الصغير نحو ابيه قائلًا: -بابي وحشتني اوي مامي قالت أنك مسافر رجعت امتى ؟ تناوب "حسن" نظراته بين "نضال" والصغير بريبة وأخبره: -دلوقتي ...انت كنت بتهبب ايه مع الراجل ده وازاي امك منزلاك لوحدك نفي "شريف" ودافع وهو يؤشر بيده على المربية التي كانت تقف على مقربة شديدة منهم: -لأ انا معايا الداده وعمو ده طيب اوي وجبلي الكورة اللي كانت على الشجرة كور "حسن" قبضة يده من مدح صغيره لذلك الطبيب الذي من الوهلة الأولى تعرف عليه وهدر بحده دون أي لين وهو يجذب الطابة بغل من يده ويقذفها على مداد ذراعه بعيد دون أن يعير مشاعر صغيره أو رغباته أي اهمية: -أخر مرة تنزل تلعب هنا، وانا ليا حساب مع الهانم اللي سمحتلك ونزلتك اتفضـــــــــــــــل قدامــــــــــــــــــي انتفض الصغير وهز رأسه بعيون باكية ثم بطاعة هرول أمامه، ليرشق "حسن" موضع "نضال" بغيظ ويلحق بصغيره وهو يتوعد لها بينما "نضال" تنهد بضيق كون ذلك المتعجرف احزن الصغير وكسر بخاطره دون أي لين. (ميراكريم) --------------------- كانت تجلس داخل سيارتها بذلك المكان النائي التي تفضله ولطالما كانت تنفرد بذاتها به فكانت تفكر فكل ما حدث وكم تمنت أن يكون إنسحابه من حياتها وحديثه معها ما هو إلا كابوس مفزع وستستفيق منه وتجد كل شيء على ما يرام فقد كوبت وجهها وظلت تنتحب حتى أدمت عيناها وهي تتذكر جملته الأخيرة التي استعارها من حديث ذلك المقيت وحقًا ألمت قلبها، فقد انهارت أعصابها وظلت تضرب المقود بعزمها وكأنها بحالة هستيرية لاتعرف كيف تسيطر على ذاتها وكم كانت تود شيء يهون عنها ويوقف ضجيج رأسها وفي لحظة ضعف منها تذكرت شيء كانت تناسته تمامًا فقد مدت يدها أسفل مقعد سيارتها القديمة التي اهملتها فترة كبيرة بعد تصليحها جراء تهورها السابق، ومدت اناملها الرفيعة حتى وصلت لذلك الجيب السري الغير مرئي بالمرة وكانت تخبئ به سابقًا تلك الحبوب اللعينة التي بالفعل حين فتحت سحاب الجيب وجدت بعض منها، التقطته بعيون غائمة يحتلها اليأس وقبل أن تفض أحدهم وتضعها بفمها تذكرت حديثه السابق لها (انتِ اتغيريتي علشان نفسك مش علشاني) وترأى أمام عيناها ما مرت به وما كانت عليه حينها لتثور عزيمتها وتنفي برأسها وتلقيه من نافذتها وهي تلعن تلك اللحظة التي تسلل لها الشيطان من جديد وكاد يبرر أفعالها، فنعم هو محق هي تغيرت من أجل ذاتها ولن تعود متهورة، وضائعة و مثيرة للشفقة من جديد لتتناول نفس عميق كي يحفزها وتكفكف دماعتها و تحاول جاهدة أن تلملم شتاتها فلن تيأس بتلك السهولة وتعود لنقطة الصفر، دقائق عدة مرت عليها إلى أن انتشلها صوت رسالة نصية تأتي لهاتفها، لتتناوله تتفقد محتواها لتجدها من رقم غريب غير مُسجل، لم تعير الأمر أهمية ولكن عندما قامت بفتحها وسقطت عيناها على ما بُعث لها جحظت عيناها و تأهبت كافة حواسها وهي لا تصدق أن بين يديها دليل دامغ يُدين خيانة "نادين الراوي" ... ويصحبه جملة واحدة لم يذكر غيرها( أذيقها من نفس الكأس) فكانت مشدوهة لا تعرف كيف تتصرف أو تأخذ قرار في حينها وظلت تساؤلات عدة تدور برأسها إلى أن توصلت لأجابة واحدة استقر عليها عقلها. فماذا يا ترى سيكون خيارها هل ستغفر ولن ترد الأذى بلأذى أم سترد اعتبارها وترد الصاع صاعين لمن تتسببوا في بؤسها.