كانت خادمتي بثينه حكايات ميرا
ابتسم وقال:
“فاكراني؟”
نظرت إليه قليلًا، ثم هزت رأسها بالنفي.
ابتسم وهو يخرج علبة بلاستيك قديمة، متشققة من الجوانب.
تغيرت ملامحها فورًا.
قال الشاب:
“دي نفس العلبة اللي كنتِ بتجيبي فيها الأكل تحت الكوبري.”
اغرورقت عيناها بالدموع.
وأضاف:
“أنا الطفل اللي كنتِ بتقسمي اللقمة معاه كل ليلة… ولولاك، كان زماني مت في الشارع.”
فتح حقيبته، وأخرج بطاقة تعريف.
كانت مكتوبًا عليها:
“دكتور يوسف محمود – استشاري جراحة أطفال.”
قال وهو يبتسم:
“كل طفل بدخله غرفة العمليات… بدعي لك قبل ما أبدأ.”
لم تتمالك بثينة نفسها.
احتضنته وهي تبكي.
أما أنا، فكنت أقف بعيدًا أراقب المشهد.
وتذكرت الليلة التي رأيتها فيها لأول مرة وهي تحمل بقايا الطعام.
يومها، ظن الجميع أنها سارقة.
أما اليوم…
فأدرك الجميع أنها كانت تزرع مستقبلًا كاملًا داخل علبة بلاستيك قديمة.
وفي نهاية الحفل، علّقنا تلك العلبة داخل صندوق زجاجي عند مدخل المؤسسة.
وتحتها لوحة صغيرة كُتب عليها:
> “من هنا بدأت الحكاية… لقمة لم تُهدر، فأنقذت أرواحًا لا تُحصى.”
وبقي كل من يدخل المؤسسة يقف أمامها للحظات…
ليتذكر أن أعظم التغييرات في الحياة قد تبدأ بفعل صغير، لا يلتفت إليه أحد.بعد انتهاء الحفل، وبينما كان الجميع يغادر، اقترب مني رجل وقور في السبعين من عمره.
كان يرتدي جلبابًا بسيطًا، ويحمل في يده عصًا خشبية.
نظر إلى صندوق العلبة البلاستيكية طويلًا، ثم قال:
“كنت فاكر إنها اتكسرت واترمت.”
التفتُّ إليه وسألته:
“حضرتك تعرفها؟”
ابتسم ابتسامة هادئة وقال:
“أنا اللي بعتها لبثينة من خمسة عشر سنة.”
تعجبت.
جلس على أحد المقاعد وأخذ يحكي.
قال إنه كان يملك محل أدوات منزلية صغيرًا، وفي أحد الأيام دخلت عليه بثينة تبحث عن أرخص علبة تحفظ فيها الطعام.
قال لها يومها:
“دي فيها شرخ… محدش هيشتريها.”
فردت بابتسامة:
“طالما هتشيل الأكل للغلابة… يبقى لسه ليها عمر.”
ثم اشترتها بثمن زهيد، وغادرت.