كانت خادمتي بثينه حكايات ميرا

 

استطعنا الوصول إلى عنوانه الأخير.

 

كان يعمل نجارًا في قرية صغيرة، يعيش حياة بسيطة بعيدًا عن أي صراعات.

 

عندما رآنا، حاول إغلاق الباب.

 

لكن عم محمود ناداه باسمه.

 

تجمد مكانه.

 

وبدأت الدموع تنزل من عينيه.

 

قال:

 

“كنت مستني اليوم ده من زمان.”

 

جلسنا لساعات نستمع إليه.

 

وحكى لنا الحقيقة التي لم يعرفها أحد.

 

قال إن الخونة لم يكونوا يريدون المال فقط…

 

بل كانوا يريدون السيطرة على كل شيء، ولذلك لفّقوا موت عم محمود، وفرّقوا بين كل من كان يعرف الحقيقة.

 

ثم أخرج من صندوق خشبي صغير ساعة يد قديمة.

 

ناولني إياها وقال:

 

“دي كانت بتاعة والدك… سلمني إياها قبل ما يختفي، وقال لي: لو ابني وصل للحقيقة، اديله الساعة.”

 

فتحت الغطاء الخلفي للساعة.

 

وجدت ورقة صغيرة مطوية بعناية.

 

فتحتها.

 

كان مكتوبًا فيها:

 

“الثروة ممكن تضيع وتترجع… لكن الإنسان اللي يضيع ضميره، عمره ما هيلاقيه تاني.”

 

أغلقت الورقة وأنا أشعر أن رحلتي كلها لم تكن لاستعادة المال أو الانتقام…

 

بل لأفهم وصية والدي الأخيرة.

 

ومنذ ذلك اليوم، قررت أن أغلق كل ملفات الماضي، وأبدأ صفحة جديدة، أستخدم فيها ما أملك لمساعدة من يحتاج، تمامًا كما فعلت بثينة دون أن تنتظر شكرًا أو مكافأة.

 

وهكذا انتهت الحكاية… لا بانتصار الأقوى، بل بانتصار الحقيقة.بعد ثلاث سنوات…

 

كانت المؤسسة الخيرية قد أصبحت من أكبر المؤسسات التي تُطعم المحتاجين في القاهرة، وبثينة أصبحت تدير عشرات المتطوعين بنفس الهدوء الذي كانت توزع به بقايا الطعام تحت الكوبري.

 

ظننت أن الماضي انتهى.

 

لكن في إحدى الليالي، جاءني اتصال من رقم مجهول.

 

وحين أجبت، لم أسمع سوى جملة واحدة:

 

“لو عايز تعرف مين ق/تل أبوك بجد… تعالى لوحدك.”

 

تجمدت.

 

أغلقت الهاتف، ولم أخبر أحدًا.

 

ذهبت إلى العنوان المحدد، وكان مصنعًا قديمًا مهجورًا على أطراف المدينة.

 

دخلت بحذر.

 

وجدت رجلًا مسنًا يجلس على كرسي متحرك، وجهه مغطى بآثار حروق قديمة.

 

قال قبل أن أنطق:

 

“اتأخرت كتير.”

 

سألته:

 

“إنت مين؟”

 

ابتسم ابتسامة باهتة وقال:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *