كانت خادمتي بثينه حكايات ميرا
قال الرجل وهو يمسح دمعة من عينه:
“ما كنتش أعرف إن العلبة دي هتبقى سبب في تغيير حياة ناس كتير.”
ابتسمت وأنا أنظر إلى العلبة داخل الصندوق الزجاجي.
وفجأة اقترب طفل صغير من عمر ست سنوات، وسأل أمه بصوت بريء:
“ماما… هي العلبة دي غالية؟”
ابتسمت الأم ولم تعرف ماذا تجيب.
فانحنيت إلى الطفل وقلت:
“لأ يا بطل… العلبة نفسها كانت رخيصة جدًا.”
سألني:
“أمال ليه حاطينها في صندوق؟”
نظرت إلى بثينة، التي كانت توزع الطعام بنفسها رغم مرور كل هذه السنوات، ثم قلت:
“لأن اللي يخلي الحاجة غالية… مش تمنها.”
“اللي يخليها غالية هو الخير اللي خرج منها.”
ابتسم الطفل، ثم ركض نحو بثينة ليساعدها في توزيع الوجبات.
نظرت إلى عم محمود، الذي كان يجلس على كرسيه يراقب المشهد مبتسمًا.
قال لي بصوت خافت:
“دلوقتي أقدر أرحل وأنا مطمن.”
وضعت يدي على كتفه وقلت:
“لسه بدري عليك.”
ابتسم ولم يرد.
وفي صباح اليوم التالي…
رحل عم محمود بهدوء وهو نائم.
لكن جنازته لم تكن كأي جنازة.
خرج خلف نعشه آلاف الأشخاص…
أطفال كبروا، وأسر أنقذتها المؤسسة، وأطباء، ومهندسون، ومتطوعون.
كلهم جاءوا ليودعوا الرجل الذي حاولت الخيانة أن تمحو اسمه…
فإذا به يترك أثرًا لا يمكن أن يمحوه الزمن.
وعندما انتهت مراسم الدفن، وضعت بثينة على قبره وردة بيضاء، وهمست:
“وعدتك إن الحقيقة هتعيش… ووفيت بوعدي.”
ورحل الجميع…
لكن الحكاية بقيت تُروى، جيلًا بعد جيل، لتذكر الناس أن الخير، مهما بدا صغيرًا، قد يغيّر مصير أمة كاملة.مرت الأعوام…
وبعد وفاة عم محمود، شعرت أن شيئًا من روحي قد رحل معه.
لكن بثينة رفضت أن تتوقف المؤسسة يومًا واحدًا.
كانت تقول دائمًا:
“الناس الجعانة ما ينفعش تستنى حد يخلص حزنه.”
وفي الذكرى الأولى لوفاته، قررنا تنفيذ وصيته الأخيرة.
فتحنا الظرف الذي أوصى ألا يُفتح إلا بعد رحيله.
كان الجميع يتوقع أن نجد وصية مالية، أو أسماء جديدة، أو سرًا آخر من أسرار الماضي.
لكن داخل الظرف كانت توجد ورقة واحدة فقط.