كانت خادمتي بثينه حكايات ميرا

 

كتب فيها بخط يده:

 

> “لو بتقرأوا الرسالة دي، يبقى أنا خلاص عند رب كريم. أوعوا تسموا أي شارع باسمي، ولا تعملوا تمثال ليا. لو عايزين تكرموني بجد… افتحوا مطبخ جديد في مكان فيه أطفال بيناموا من غير عشا.”

 

 

 

ساد الصمت.

 

ثم انفجرت بثينة في البكاء.

 

وقالت:

 

“حتى آخر وصية… كان بيفكر في غيره.”

 

نفذنا وصيته كما هي.

 

ولم نفتتح مطبخًا واحدًا فقط…

 

بل عشرة مطابخ في عشر محافظات.

 

وفي افتتاح آخر مطبخ، جاءت سيدة مسنة تستند إلى حفيدتها.

 

وقفت أمام بثينة طويلًا.

 

ثم أخرجت صورة قديمة جدًا.

 

كانت الصورة لبثينة وهي في العشرين من عمرها، تقف أمام بيت بسيط.

 

قالت السيدة:

 

“فاكراني؟”

 

حدقت بثينة في الصورة، ثم شهقت.

 

“خالة زينب!”

 

ابتسمت العجوز.

 

وقالت:

 

“يوم ما أبوكي مات، وإنتِ ما كانش معاكي تمن رغيف، جيتي بيتي وطلبتي سلفة.”

 

خفضت بثينة رأسها.

 

أكملت السيدة:

 

“أنا رفضت… وطردتك.”

 

امتلأت عيناها بالدموع.

 

وأضافت:

 

“فضلت طول عمري ندمانة.”

 

سكتت لحظة، ثم أمسكت يد بثينة.

 

وقالت:

 

“سامحيني.”

 

ابتسمت بثينة ابتسامة هادئة، وضمتها إلى صدرها.

 

وقالت:

 

“لو كنتِ ساعدتِني يومها… يمكن ما كنتش عرفت يعني إيه الجوع.”

 

“ولو ما عرفتش الجوع… يمكن ما كنتش عرفت أطعم كل الناس دول.”

 

بكت السيدة أكثر.

 

أما أنا، فوقفت أتأمل المشهد.

 

وأدركت أن بثينة لم تنتصر لأنها كانت قوية…

 

بل لأنها لم تسمح للألم أن يحولها إلى نسخة ممن ظلموها.

 

وفي نهاية اليوم، عُلقت عبارة كبيرة على مدخل كل مطبخ افتتحناه، وكانت كلمات عم محمود نفسها:

 

> “إذا شبعت وحدك… فأنت أكلت وجبة. وإذا أطعمت غيرك… فأنت بنيت وطنًا.”

 

 

 

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الناس يتذكرون بثينة على أنها الخادمة التي اتُّهمت بالسرقة…

 

بل المرأة التي علّمت مدينة كاملة أن اللقمة قد تكون بداية أعظم قصة رحمة.بعد خمسة عشر عامًا…

 

لم أعد أدير المؤسسة وحدي.

 

بل أصبحت تُدار على يد أولئك الأطفال الذين كانوا يومًا ينامون تحت الكوبري.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *