كانت خادمتي بثينه حكايات ميرا

 

وفي صباح يوم شتوي، يشبه تمامًا الليلة التي بدأت فيها الحكاية، دخل إلى مكتبي شاب في الثلاثين من عمره.

 

كان يحمل علبة بلاستيكية قديمة.

 

ليست نفس العلبة…

 

لكنها تشبهها تمامًا.

 

قال وهو يبتسم:

 

“أنا اسمي كريم.”

 

لم أعرفه.

 

أكمل حديثه:

 

“أمي كانت من الأطفال اللي كانت بثينة بتأكلهم.”

 

جلس أمامي ووضع العلبة على المكتب.

 

وقال:

 

“أنا جيت أسلمكم دي.”

 

سألته:

 

“ليه؟”

 

قال:

 

“لأن المؤسسة كبرت… والناس بقت فاكرة المباني والمستشفيات والمدارس.”

 

ثم ابتسم وأضاف:

 

“لكن أنا خايف ينسوا إن كل ده بدأ بعلبة صغيرة.”

 

أخذت العلبة منه وأنا أشعر بغصة في حلقي.

 

وفي تلك اللحظة، دخلت بثينة.

 

كان الشيب قد غطى شعرها، لكن ملامحها الهادئة لم تتغير.

 

نظر كريم إليها وقال:

 

“أنا اتولدت بسببك.”

 

تعجبت بثينة.

 

قال مبتسمًا:

 

“أمي كانت حامل بيا، وكانت هتموت من الجوع لولا الأكل اللي كنتِ بتجيبيه.”

 

ساد الصمت.

 

ثم قال:

 

“كل يوم بصحى من النوم… أنا مدين لك بحياتي.”

 

جلست بثينة على الكرسي، وأخذت تبكي بصمت.

 

كانت تلك أول مرة أراها تبكي منذ سنوات طويلة.

 

وبعد أشهر قليلة، مرضت بثينة.

 

رفضت أن تدخل المستشفى الذي بنته المؤسسة.

 

وقالت ضاحكة:

 

“فيه ناس أولى مني.”

 

لكن الجميع أصر.

 

دخلت الغرفة، فوجدتها تنظر من النافذة إلى الأطفال وهم يلعبون في الحديقة.

 

قالت لي بهدوء:

 

“فاكر أول ليلة؟”

 

ابتسمت.

 

قلت:

 

“فاكر.”

 

قالت:

 

“كنت مرعوبة… مش من الطرد.”

 

“كنت خايفة الأطفال يناموا جعانين.”

 

أمسكت بيدها.

 

وقلت:

 

“لو رجع بيا الزمن… كنت همشي وراك من أول يوم.”

 

ابتسمت.

 

ثم أغمضت عينيها وهي تقول:

 

“الحمد لله… اللقمة وصلت.”

 

ورحلت بثينة بهدوء…

 

كما عاشت.

 

وفي يوم جنازتها، لم تستطع ساحة المسجد أن تتسع للناس.

 

لم يأتِ أصحاب المناصب ولا رجال الأعمال فقط…

 

بل جاء آلاف البسطاء.

 

كل واحد منهم يحمل قصة.

 

قصة وجبة.

 

أو دواء.

 

أو تعليم.

 

أو فرصة حياة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *