كانت خادمتي بثينه حكايات ميرا

 

وبعد انتهاء الدفن، وضعنا على شاهد قبرها عبارة واحدة، لم نكتب اسمها تحت أي لقب.

 

فقط:

 

“بثينة عبدالغفار… امرأة آمنت أن الطعام لا يُرمى، وأن الرحمة لا تضيع.”

 

وعندما غادر آخر المشيعين، وقفت وحدي أمام قبرها.

 

ثم همست:

 

“كنتِ متهمة بالسرقة…”

 

“لكنك سرقتِ شيئًا واحدًا فعلًا…”

 

“سرقتِ اليأس من قلوب آلاف البشر.”مرّت ثلاثون سنة…

 

وأصبحتُ أنا الرجل العجوز الذي يسير بعصاه بين مباني المؤسسة.

 

لم يعد أحد يناديني بـ”الباشا”.

 

الأطفال، الذين صاروا آباءً وأمهات، كانوا ينادونني:

 

“جدو.”

 

وفي كل عام، في نفس الليلة التي بدأت فيها الحكاية، كنا نجتمع حول مائدة بسيطة.

 

ليس فيها أطعمة فاخرة.

 

ولا مظاهر احتفال.

 

بل نفس الوجبة التي كانت بثينة تحملها في علبتها القديمة:

 

أرز…

 

وخضار…

 

وقطعة لحم صغيرة.

 

وفي أحد الأعوام، اقتربت مني حفيدتي الصغيرة وقالت:

 

“جدو… هو صحيح إن كل ده بدأ بسبب سرقة؟”

 

ابتسمت.

 

وحملتها على ركبتي.

 

وقلت:

 

“لأ يا حبيبتي…”

 

“بدأ بسبب إن إنسانة رفضت تشوف نعمة ربنا وهي بتترمي.”

 

سألتني:

 

“يعني لو ما كانتش أخدت الأكل…”

 

نظرت إلى المباني حولي.

 

إلى المستشفى.

 

إلى المدرسة.

 

إلى المطبخ.

 

إلى الحديقة المليئة بالأطفال.

 

ثم قلت:

 

“كان ممكن كل ده ما يبقاش موجود.”

 

في تلك اللحظة، دخل أحد العاملين يحمل صندوقًا خشبيًا قديمًا.

 

قال:

 

“لقيناه أثناء ترميم أول مبنى للمؤسسة.”

 

فتحنا الصندوق.

 

وجدنا بداخله العلبة البلاستيكية الأصلية.

 

التي بدأ بها كل شيء.

 

كنا نظن أنها ضاعت بعد سنوات.

 

لكنها كانت محفوظة داخل الصندوق بعناية.

 

وبجوارها رسالة صغيرة لم نرها من قبل.

 

كانت بخط بثينة.

 

فتحتها بصعوبة، وبدأت أقرأ بصوت مرتجف:

 

> “لو حد لقى الرسالة دي بعد سنين، فأنا مش عايزة الناس تفتكر اسمي.”

 

 

 

> “افتكروا بس إن أي لقمة زيادة عندكم… ممكن تكون حياة كاملة عند حد تاني.”

 

 

 

> “ولو يوم احتارتوا تعملوا إيه بالخير… اعملوه من غير ما تستنوا حد يشكركم.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *