كانت خادمتي بثينه حكايات ميرا
قادني قبل شروق الشمس إلى مسجد قديم في أحد أحياء القاهرة.
دخلنا إلى غرفة صغيرة خلف المكتبة.
كان هناك صندوق حديدي قديم.
أدخل عم محمود المفتاح.
دار القفل بصعوبة.
وعندما فتحنا الصندوق…
وجدنا دفترًا جلديًا كبيرًا.
كان مكتوبًا على غلافه:
“الوصية.”
فتحت أول صفحة.
كانت بخط والدي.
لكن هذه المرة لم تكن رسائل ولا اعترافات.
بل قائمة كاملة.
أسماء.
تواريخ.
حسابات.
وتوقيع كل شخص شارك في المؤامرة منذ بدايتها.
وفي آخر صفحة، وجدت جملة واحدة جعلتني أشعر بقشعريرة تسري في جسدي:
“إذا وصلت إلى هنا… فلا تنتقم. ابنِ ما حاولوا تدميره، فالعدالة الحقيقية لا تُعيد الماضي، لكنها تمنع تكراره.”
أغلقت الدفتر ببطء.
ثم نظرت إلى بثينة، التي وقفت عند الباب تراقبنا في صمت.
قلت لها:
“لو ما كنتيش أخدتِ بقايا الأكل في الليلة دي… ما كنتش هنعرف أي حاجة.”
ابتسمت والدموع في عينيها وقالت:
“أحيانًا… الخير اللي الناس بتحتقره هو اللي بيكشف أكبر حقيقة.”
وبعد أشهر، تحولت الفيلا إلى مقر لمؤسسة خيرية، واستعاد عم محمود اسمه وكرامته، وحوكم كل من ثبتت خيانته بالأدلة.
أما بثينة…
فلم يعد أحد يناديها “الخادمة”.
أصبح الجميع يناديها:
“الست بثينة”… المرأة التي بدأت كل الحكاية بعلبة بقايا طعام، وأنهتها بإعادة الحقيقة إلى أصحابها.مرت سنة كاملة…
واعتقد الجميع أن الملف أُغلق إلى الأبد.
لكن في صباح هادئ، وصلتني رسالة دون اسم المرسل.
بداخلها صورة واحدة فقط.
تأملت الصورة طويلًا.
كانت تُظهر عم محمود وهو شاب، يقف بجوار والدي… وإلى جوارهما طفل لا يتجاوز العاشرة.
قلبت الصورة.
وجدت عبارة مكتوبة بالحبر الأزرق:
“ابحث عن الطفل… فهو آخر شاهد.”
رفعت رأسي نحو عم محمود.
ما إن رأى الصورة حتى ارتجفت يداه.
قال بصوت مخنوق:
“افتكرت إنه مات…”
بدأنا نبحث في كل السجلات القديمة.
وبعد أيام من البحث، وجدنا اسم الطفل.
كان اسمه ياسين.
اختفى منذ اثني عشر عامًا في نفس الليلة التي اختفى فيها عم محمود.