كارت مديرتي الجديدة اترفض في الكافيه… دفعت لها الحساب من غير ما أعرف هي مين لحد دلوقتي فاكر صباح يوم الاتنين ده كويس جدًا… ريحة البن المحمص اللي مالية المكان، صوت ماكينة القهوة وهي شغالة في الخلفية، والدوشة الهادية بتاعة كافيه عادي جدًا… لحظة مكنتش متخيل إنها هتغير حياتي كلها. كنت واقف في الطابور في كافيه قريب من الشغل الجديد. كان باقي يوم واحد وأبدأ أول يوم ليا، وقلت أتعرف على المكان حوالين المكتب، وأشوف هجيب قهوتي منين، وأهدي شوية التوتر اللي كان جوايا. وساعتها شوفتها. كانت واقفة قدام الكاشير… ست شكلها راقي جدًا، هادية، واثقة من نفسها بطريقة تخليك تحس إنها عمرها ما اتحطت في موقف محرج قبل كده. لابسة بليزر غامق، شعرها ملموم، وطريقتها في الوقفة والكلام فيها هيبة غريبة. وفجأة سمعت الكاشير بيقول: "أنا آسف يا فندم… الكارت مرفوض." للحظة المكان كله سكت. الناس اللي وراها بدأت تتحرك بضيق، واحد بص في ساعته، وواحدة تنهدت كأن الموضوع معطلها. وأنا لأول مرة شفت حاجة غريبة… الست دي، اللي كانت باينة إنها مسيطرة على كل حاجة، ظهر عليها ارتباك بسيط. مش إحراج… لأ. كان شكلها وحيدة. شدت على فكها، وحطت إيديها على الرخامة قدامها، وكأنها بتحاول تفضل محافظة على هدوئها. مش عارف إيه اللي خلاني أعمل كده. بس لقيت نفسي بتقدم خطوة لقدام، طلعت الكارت بتاعي وقلت للكاشير بهدوء: "خلاص، أنا هدفع." لفت وبصتلي. بصّة طويلة كأنها بتحاول تفهم أنا عملت كده ليه… هل أنا شخص طيب فعلًا؟ ولا دخلت نفسي في حاجة ملهاش لازمة؟ وقتها مكنتش أعرف الإجابة. رجعت البيت الليلة دي ونمت نوم عميق… النوم اللي بييجي لما تكون حاسس إنك عملت حاجة كويسة، حتى لو كانت حاجة بسيطة. يعني في الآخر… أنا بس دفعت تمن قهوة لحد غريب. مش بطل، ولا عملت حاجة خارقة. بس حسيت إني عملت الصح. وقلت لنفسي إن غالبًا مش هشوف الست دي تاني… وده كان عادي بالنسبة لي. بس كنت غلطان. غلطان بطريقة هتغير حياتي كلها. --- تاني يوم الصبح صحيت بدري، كويت القميص مرتين، راجعت الشنطة تلات مرات، ووقفت قدام باب شركة النخبة للاستشارات والأعمال، أول مكان شغل ليا، وخدت نفس طويل قبل ما أدخل. المكان كان فخم ومرتب… ريسبشن لامع، ناس ماشية بسرعة، وكل حاجة فيها ريحة نجاح وطموح. موظفة الاستقبال ابتسمت وقالتلي: "حضرتك مع دفعة الموظفين الجدد؟ الدور الرابع، قاعة الاجتماعات B1." طلعت وأنا بحاول أبان هادي. دخلت القاعة وقعدت في النص تقريبًا. كان فيه أربع أشخاص تانين لسه بادئين زينا، وكلنا بنعمل نفس الحاجة… كلام بسيط ومجاملات محرجة بتاعة أول يوم شغل. "أنت قسمك إيه؟" "جاي منين؟" "أول مرة تشتغل هنا؟" كنت بهز راسي، ببص في موبايلي، وبظبط الملف اللي قدامي. وفجأة… الباب اتفتح. وحسيت إن نفسي اتسحب مني. هي دخلت. نفس الست. نفس البليزر الغامق. نفس الشعر الملموم. ونفس النظرة الواثقة. وفي إيدها ملف جلد… وكوباية قهوة. نفس القهوة اللي أنا دفعت تمنها امبارح. عينيها لفت على القاعة كلها بطريقة عملية، لحد ما وقفت عندي. ثانيتين بس. لكن حسيت إنهم ساعة كاملة. في اللحظة دي حصل كل حاجة مرة واحدة… عرفتني. اتصدمت. بان على وشها للحظة حاجة شبه القلق. وبعدها رجعت بسرعة للقناع الرسمي، وابتسمت ابتسامة هادية كأن مفيش أي حاجة حصلت. وقالت: "صباح الخير. أنا أستاذة ياسمين الشاذلي، مديرة قطاع العمليات في شركة النخبة. أهلاً بيكم في أول يوم ليكم." بصيت في الملف اللي قدامي كأنه أهم حاجة في الدنيا. دي مديرتي الجديدة. الست اللي دفعت لها تمن القهوة امبارح… هي مديرة المكان اللي أنا هشتغل فيه. حسيت وشي سخن، وحاولت أركز في أي حاجة قدامي غير إنها واقفة قدامي. بصيت على خدش صغير في ترابيزة الاجتماعات وكأنه موضوع مصيري. كملت الأستاذة ياسمين الاجتماع بكل احتراف. كلامها كان مرتب، صوتها ثابت، وطريقتها تدل إنها واحدة متعودة تمسك زمام الأمور. ولا حد كان ممكن يتخيل إن من 24 ساعة بس، الست دي كانت واقفة في كافيه بتحاول تخبي إنها في موقف صعب. ولا حد كان يعرف إن القهوة اللي بدأت بموقف بسيط جدًا… هتكون بداية لحكاية عمري ما كنت أتوقعها. الجزء الثاني بعد ما الاجتماع خلص، كل الموظفين الجدد بدأوا يخرجوا من القاعة واحد ورا التاني. أنا فضلت مكاني ثواني زيادة، بحجة إني بجمع الورق، مع إني كنت في الحقيقة بحاول أهرب من أي مواجهة ممكن تحصل بيني وبينها. لكن صوتها جه من ورايا: "ممكن تستنى دقيقة؟" وقفت. قلبي دق أسرع من الطبيعي، ولفيت ناحيتها. الأستاذة ياسمين كانت واقفة جنب المكتب، ماسكة الملف في إيد، وفي الإيد التانية كوباية القهوة. بصتلي بهدوء وقالت: "اسمك إيه؟" قلت: "آدم." ابتسمت ابتسامة صغيرة. "آدم إيه؟" قلت لها اسمي بالكامل. هزت راسها، وكأنها كانت بتتأكد من حاجة في دماغها. وبعدين قالت: "أنت كنت في كافيه قريب من هنا امبارح، صح؟" حاولت أضحك وأخفف الموقف: "واضح إني اتقفشت." لأول مرة ضحكت. ضحكة بسيطة جدًا، لكنها غيرت شكلها تمامًا. وقالت: "أنا اللي اتقفشت، مش أنت." قلت بسرعة: "ولا اتقفشتي ولا حاجة. الموضوع عادي." حطت كوباية القهوة على المكتب وقالت: "بالنسبة لك يمكن عادي. بالنسبة لي مش عادي." استغربت. قالت: "أنا مش متعودة حد يدفع عني." رديت: "ولا أنا متعود أدفع لمديرتي." ضحكت تاني، وبعدين سكتت لحظة. "بص يا آدم… أنا عايزة أشكرك." قلت: "العفو." قالت: "بس في حاجة أهم." بصيت لها باهتمام. قالت: "متخليش اللي حصل امبارح يأثر على شغلك هنا." استغربت السؤال: "يعني إيه؟" قالت: "يعني من النهارده أنا مديرتك، وأنت موظف عندي. مش عايزة تحس إنك عملتلي معروف وبالتالي ليك معاملة خاصة." قلت من غير تردد: "وأنا أصلًا مكنتش مستني معاملة خاصة." فضلت باصة لي ثواني. وبعدين قالت: "كويس." ومدت إيدها بالملف. "عشان أنا فعلًا مش بعرف أدي معاملة خاصة." أخدت الملف وخرجت. وأنا فضلت واقف مكاني. الغريب إني لأول مرة حسيت إن الست دي مش مجرد مديرة صارمة. كان فيه حاجة مستخبية ورا الهدوء ده. حاجة مش عارف أحددها. مر أول أسبوع في الشغل بسرعة. كنت مركز جدًا إني أثبت نفسي، خصوصًا إن الشركة كبيرة، والناس كلها تقريبًا شغالة تحت ضغط. والأستاذة ياسمين كانت معروفة إنها دقيقة جدًا. مفيش ورقة بتعدي من غير ما تقراها. مفيش اجتماع يبدأ متأخر. ومفيش موظف بيكرر نفس الغلطة مرتين. وفي اليوم الخامس حصل أول اختبار حقيقي ليا. كان فيه عرض مهم جدًا لعميل كبير، والملف النهائي كان لازم يتسلم قبل الساعة خمسة. الموظف المسؤول عن الملف اتصل وقال إنه مش هيقدر ييجي. المدير المباشر بتاع الفريق بدأ يتوتر. الكل كان بيتكلم في نفس الوقت. وأنا كنت لسه جديد. لكن الملف كان قريب مني لأني كنت ساعدت في جزء منه. فقلت: "أنا ممكن أكمله." الكل بصلي. واحد من الموظفين قال: "إنت لسه بقالك كام يوم." قلت: "عارف." "والملف ده كبير." "عارف." "ولو حصلت غلطة؟" بصيت للساعة وقلت: "يبقى أحسن ما نسلمه ناقص." وفعلًا قعدت عليه. ساعتين. تلاتة. لحد ما خلصته. وقبل التسليم بعشر دقايق، حطيته قدام الأستاذة ياسمين. قعدت تقلب في الصفحات من غير ما تتكلم. صفحة. صفحتين. عشرة. وبعدين قفلت الملف. وقالت: "تعالى مكتبي." حسيت إن في مصيبة. دخلت ووقفت قدامها. قالت: "إنت عارف إن الملف ده كان ممكن يوقعنا في مشكلة كبيرة؟" اتوترت. "أنا حاولت..." قاطعتني: "أنا مش بقول إنك غلطت." سكت. فتحت الملف تاني. وأشارت على نقطة صغيرة. "أنت هنا اكتشفت خطأ موجود من قبل ما تيجي الشركة أصلاً." بصيت لها. قالت: "ولو الخطأ ده وصل للعميل، كنا هنخسر عقد مهم." سكت شوية. وبعدين قالت: "أنت اشتغلت عليه لوحدك؟" "آه." "من غير ما حد يطلب منك؟" "آه." فضلت ساكتة. وبعدين قالت: "كويس." خرجت مني ابتسامة صغيرة. لكنها كملت: "بس متعملش كده تاني." استغربت. "ليه؟" قالت: "لأن الشاطر مش اللي يشيل الدنيا لوحده. الشاطر اللي يعرف إمتى يطلب مساعدة." كانت أول مرة أحس إنها مش بتتكلم كمديرة. كانت بتتكلم كحد مر بتجربة قبل كده. بعدها بأيام، بدأت ألاحظ حاجة غريبة. كل مرة نتكلم فيها عن أي موضوع شخصي، كانت بتقفله بسرعة. ولو حد سألها عن حياتها، تبتسم وتغير الموضوع. لحد ما في يوم، كنت خارج من الشركة متأخر، ولقيتها واقفة لوحدها عند باب الجراج. كانت ماسكة تليفونها. وصوتها كان مختلف. سمعتها بتقول: "أنا قلتلك مش هينفع." سكتت. وبعدين: "لا، الفلوس مش المشكلة." وسكتت تاني. "المشكلة إنك كل مرة بتفتكرني وقت ما تحتاج حاجة." قفلت المكالمة. ولما شافتني، اتغيرت ملامحها فورًا. قالت: "لسه مروحتش؟" قلت: "كنت بخلص شوية حاجات." هزت راسها. ومشيت. لكن قبل ما تركب عربيتها، وقفت لحظة وقالت: "آدم." "نعم؟" قالت: "لو حد سأل… أنت مشوفتنيش هنا." استغربت جدًا. "ليه؟" قالت: "بس اعمل اللي بقولك عليه." وركبت العربية ومشيت. وأنا فضلت واقف مكاني. مين الشخص اللي كانت بتكلمه؟ وليه كانت خايفة حد يعرف إنها كانت هنا؟ تاني يوم الصبح حصلت المفاجأة. أول ما دخلت الشركة، لقيت الهمس مالي المكان. موظف صاحبي قرب مني وقال: "إنت سمعت؟" قلت: "سمعت إيه؟" قال: "في مشكلة كبيرة حصلت في الإدارة." "إيه المشكلة؟" بص حواليه، وبعدين قال بصوت واطي: "في حد سرب معلومات مهمة من الشركة." وقبل ما أقدر أسأله أي سؤال… جت موظفة الاستقبال بسرعة وقالت: "آدم، الأستاذة ياسمين عايزاك في مكتبها فورًا." دخلت عندها. كانت واقفة قدام الشباك. ولما لفت ناحيتي، كان وشها مختلف تمامًا عن كل مرة شفتها فيها. قالت: "اقفل الباب." قفلت الباب. قالت: "أنا عندي سؤال واحد." "اتفضلي." حطت قدامي ورقة. وقالت: "أنت كنت موجود في الشركة امبارح بعد الساعة سبعة؟" قلت: "آه." "وكنت لوحدك؟" "تقريبًا." سكتت. وبعدين قالت: "حد دخل مكتبك أو استخدم جهازك؟" هنا بدأت أفهم إن الموضوع أكبر من مجرد مشكلة عادية. قلت: "لا." قربت مني بالورقة. "طيب إزاي نسخة من ملف سري خرجت من جهازك؟" اتجمدت مكاني. "مستحيل." قالت: "أنا عارفة." بصيت لها باستغراب. "إنتِ عارفة؟" قالت: "لأني راجعت سجلات الدخول." سكتت لحظة. وبعدين قالت الجملة اللي خلت الدم يتجمد في عروقي: "اللي دخل على حسابك… استخدم صلاحياتك من داخل الشركة." قلت: "يعني حد كان موجود هنا." هزت راسها. "بالضبط." وبعدين قربت الورقة مني وقالت: "والأسوأ من كده… إن الشخص ده كان عارف إنك جديد." "يعني إيه؟" قالت: "يعني حد اختارك أنت تحديدًا." بصيت لها وأنا مش فاهم. قالت: "وعندي سبب يخليني أشك إن الموضوع مش سرقة معلومات وبس." سألتها: "أمال إيه؟" بصت في عيني مباشرة. وقالت: "أنا شاكة إن اللي بيحصل ده له علاقة باللي حصل معايا قبل ما تيجي الشركة." افتكرت مكالمتها اللي سمعتها بالصدفة. وساعتها فهمت… إن مشكلة القهوة اللي بدأت الحكاية… مكنتش أكبر مفاجأة حصلت في حياتي. المفاجأة الحقيقية كانت إن الست اللي دفعت لها تمن قهوة بالصدفة… كانت عايشة وسط سر كبير. وسر أكبر منه كان لسه مستنيني أنا. أكيد، نكمل من آخر لحظة في الجزء الثاني، ونبدأ نكشف أول خيط حقيقي في الق\ضية. الكتابة الجزء الثالث: أول خيط فضلت واقف قدام مكتب الأستاذة ياسمين وأنا مش مستوعب اللي بتقوله. "حد اختارني أنا تحديدًا؟" هزت راسها وقالت: "أيوه." قلت: "بس أنا لسه جديد هنا!" قالت: "وده بالضبط اللي مخلي الموضوع أخطر." سكتت لحظة، وبعدين فتحت درج مكتبها وطلعت منه ظرف بني. حطته قدامي. "افتح." فتحت الظرف. جواه صور مطبوعة لسجلات الدخول والخروج من الشركة، ومعاها تقرير عن الجهاز اللي اتستخدم في تسريب الملف. قعدت أقرا بسرعة. وبعدين لقيت اسمي. "أنا مش فاهم." قالت: "بص على التوقيت." بصيت. عملية الدخول حصلت الساعة 7:42 مساءً. قلت: "أنا كنت هنا." قالت: "عارفة." "يعني كده أنا المشتبه الأول؟" قالت: "لو كنت المشتبه الأول، مكنتش وريتك الملف." رفعت عيني لها. قالت: "أنا عايزة أعرف الحقيقة قبل أي حد." سألتها: "ليه أنا؟" اتنهدت وقالت: "لأنك الشخص الوحيد اللي أقدر أقول إنه ملوش مصلحة واضحة في اللي حصل." ضحكت بسخرية: "بس أنا ممكن أكون متورط." قالت: "ممكن." وبعدين أضافت: "وعشان كده لازم نتأكد." سكتنا لحظات. وفجأة سألتني: "إنت كنت بتستخدم جهازك لوحدك امبارح؟" قلت: "أيوه." "في أي وقت حد قرب منك؟" فكرت. وفجأة افتكرت حاجة. "استني." بصتلي. قلت: "كان فيه موظف." "مين؟" قلت: "واحد اسمه شريف." ملامحها اتغيرت. "شريف منصور؟" "أيوه." سألت بسرعة: "عمل إيه؟" قلت: "كان داخل المكتب حوالي سبعة ونص، وقال إنه ناسي ملف." سكتت. "وبعدين؟" "خد الملف ومشي." فضلت باصة لي. وبعدين قالت: "شريف ملوش أي سبب يدخل القسم بتاعكم بعد مواعيد العمل." قلت: "بس ممكن يكون فعلًا نسي حاجة." ردت: "ممكن." لكن نبرة صوتها كانت بتقول إنها مش مصدقة. بعد أقل من نص ساعة، طلبت من مسؤول الأمن يجيب تسجيلات الكاميرات. دخلنا غرفة المراقبة. قعدنا قدام الشاشات. كاميرا المدخل. كاميرا الممر. كاميرا المصعد. لحد ما وصلنا للكاميرا اللي قدام قسمنا. ظهر شريف. دخل الساعة 7:31. وبعده بدقيقتين ظهر أنا. كنت شايل اللابتوب. وبعدين اختفى شريف من الكاميرا. قلت: "استنى." رجعنا التسجيل. ظهر شريف وهو واقف قدام باب مكتبي. بص يمين وشمال. وبعدين دخل. بصيت لياسمين. "ده كان لوحده." قالت: "كمّل." بعد حوالي خمس دقايق خرج. وفي إيده حاجة صغيرة. عملنا تقريب للصورة. كان فلاش ميموري. قلبي وقع. قلت: "هو ده!" لكن ياسمين ما علقتش. قالت لمسؤول الأمن: "جيبلي تسجيل الكاميرا اللي بعد الممر." شغل التسجيل. وشوفنا شريف وهو داخل المصعد. لكن المفاجأة كانت إن المصعد وقف في الدور السادس. الدور اللي فيه مكتب الإدارة العليا. بصيت لياسمين. قالت بهدوء: "شريف مش هو الشخص اللي ورا الموضوع." "إزاي؟" قالت: "لأن شريف مجرد منفذ." اتصدمت. "يعني مين اللي بيديله التعليمات؟" ما ردتش. فضلت باصة للشاشة. وبعدين قالت: "الشخص اللي طلب منه يدخل مكتبك… أعلى منه في المنصب." رجعت مكتبي وأنا دماغي مليانة أسئلة. مين ممكن يعمل كده؟ وليه أنا؟ وليه ياسمين نفسها عندها أعداء بالشكل ده؟ قبل ما أبدأ شغلي، جالي إيميل مجهول. العنوان كان: "متدخلش أكتر من كده." فتحت الرسالة. كان فيها سطر واحد: "لو عايز تفضل موظف هنا، انسى اللي شوفته امبارح." اتجمدت. بصيت حواليا. المكتب مليان موظفين. ولا حد باين عليه حاجة. قمت وروحت لمكتب ياسمين. خبطت. مفيش رد. خبطت تاني. دخلت. المكتب كان فاضي. لكن على مكتبها كان فيه ظرف أبيض. ومكتوب عليه بخط اليد: "لآدم." فتحته. جواه صورة واحدة. صورة للكافيه. نفس الكافيه اللي دفعت فيه حساب ياسمين. الصورة كانت متصورة من بعيد. أنا ظاهر فيها وأنا بدفع الحساب. وياسمين واقفة قدامي. وفي أسفل الصورة مكتوب: "أنت مش قابلتها بالصدفة." حسيت إن رجلي اتثبتت في الأرض. قريت الجملة مرة تانية. وبعدين مرة تالتة. يعني إيه؟ هل اللي حصل في الكافيه كان مرتب؟ هل ياسمين كانت تعرفني قبل اليوم ده؟ وليه حد كان بيراقبنا؟ وفجأة سمعت صوت الباب بيتفتح. رفعت عيني. كانت ياسمين واقفة. بصت للصورة في إيدي. وشها اتغير تمامًا. لأول مرة من يوم ما عرفتها… شفت الخوف الحقيقي في عينيها. قالت بصوت منخفض: "مين ادهالك؟" قلت: "لقيتها على مكتبك." قربت وخدت الصورة. فضلت تبص عليها ثواني. وبعدين قالت: "كنت أتمنى إنك متعرفش الحقيقة دي بالطريقة دي." سألتها: "أي حقيقة؟" رفعت عينيها لي. وقالت: "أنا عارفاك يا آدم… قبل ما أنت تعرفني." سكت. حسيت إن كل حاجة حواليا اختفت. قلت: "إزاي؟" لكنها ما جاوبتش. بدل ما تشرح، قالت: "إحنا لازم نتكلم." "عن إيه؟" قالت: "عن السبب الحقيقي اللي خلاك تتعين في الشركة." وقبل ما تكمل… تليفونها رن. بصت للشاشة. واللون اختفى من وشها. قالت: "هو." سألت: "مين؟" رفعت عيني لي وقالت: "الشخص اللي كنت فاكرة إنه مات من خمس سنين." وبعدين ردت على المكالمة… وجالي صوت رجل من السماعة: "ياسمين… المرة دي مش هسيبك تهربي." وقفل الخط. ياسمين فضلت ساكتة. وأنا أدركت إن موضوع الملف المسرب… كان مجرد بداية. أما السر الحقيقي… فكان متعلق بي أنا من قبل ما أدخل الشركة أصلًا.