عزه نفس في بلاد الغربه ج١ منى السيد
الجزء الأول حكايات مني السيد حصري
بهدومك دي ومن غير أي شهادة، أقصى حاجة ممكن نشغلك بيها هنا هي إنك تمسحي الحمامات.. وحتى الحمامات مكتفين ومش محتاجين حد.
الكلام ده نزل زي الدبش على دماغ أميمة، حسّت إن الأرض بتلف بيها وإن ريقها نشف في ثانية. كانت لسه واصلة في قطر القشاش من قرية صغيرة في أرياف المنوفية لحد محطة مصر في رمسيس، شايلة في إيدها شنطة جلد قديمة مقشرة سحبتها من فوق الدولاب، وفي قلب الشنطة كانت شايلة شقا وتحويشة عمر أبوها وأمها. ودلوقتي قاعدة على كرسي مكسور قدام مدير شؤون عاملين في شركة مقاولات صغيرة، راجل وشه خشب وكرشه واصل لمكتبه، مابيكلفش خاطره حتى يرفع عينه ويبص في وشها وهو بيرمي ملفها على جنب كأنه بيهش ذبابة. في اللحظة دي بالذات، فهمت أميمة إن زحمة القاهرة وقسۏتها أشرس بكتير من كل الحكايات اللي كانت بتسمعها في بلدها.
أميمة كان عندها ستة وعشرين سنة، قضت عمرها كله وسط الطين والزرع، في قيراطين أرض ورثهم أبوها عم إبراهيم، بيزرعهم خضار وكام شجرة زيتون بيطلعوا بالبركة. أبوها ده
راجل طيب وعجوز شقيان، ضهره اتقوس من كتر وطية الأرض وشيل الفاس، وأمها، خالة فاطمة، ست مصرية أصيلة من بتوع زمان، تدبر اللقمة من تحت الأرض، كانت في مواسم الحصاد تقف قدام الفرن البلدي تعجن وتخبز وتعمل قدور الطبيخ للأنفار والعمال عشان يسندو طولهم في الشمس، وأخوها الصغير أحمد كان يدوبك في تانية إعدادي وبيدوب الجزمة رايح جاي على المدرسة في المركز.
يوم ما قررت تنزل تدور على شغل في مصر، وقفت على عتبة البيت وقت الفجرية والدنيا لسه مغبشة، جه عم إبراهيم من وراها ومد إيده المليانة شقوق وعروق بارزة، وطلع منديل قماش أبيض دايب من كتر الغسيل ومربوط عقدة ناشفة، مسك كفها وحطه فيه خدي دول يا أميمة يا بنتي.. هما مش من مقامك، بس دول القرشين اللي طلعت بيهم من الدنيا.. يسندوكِ ويجيبولك لقمة في بلاد الغربة لحد ما توقفي على رجلك وتلاقي شغلانة تصوني بيها نفسك.
أميمة خدت المنديل وضمته على صدرها ودموعها نزلت من غير صوت. اللي أميمة ما كانتش تعرفه ساعتها، ولا كان أبوها هيرضى ينطق بيه، إن الفلوس دي اللي طلعوا بالتمام سبعة
آلاف جنيه كانت تحويشة عڈاب مرار مجمّعها قرش جنب قرش عشان يصلح ماكينة الري المکسورة بتاعة الأرض، والترعة بعيدة، ومن غير الماكينة دي الأرض هتعطش والشتلات هتنشف في الطين والمحصول هيتحرق في شمس الصيف.. يعني ببساطة كان بيراهن بمستقبل البيت كله عشان بنته تلاقي فرصة تاكل منها عيش.
بعد المقابلة المهينة في الشركة، أميمة نزلت للشارع والشمس كانت بتلسع نفوخها والناس بتجري حواليها كأن في حريقة، وكل واحد بيبص قدامه من غير ما يحس بالتاني. وقفت على الرصيف حابسة دموعها بالعافية ومش عايزة تضعف. لفت في شوارع وسط البلد لحد ما دلتها ست غلبانة على بيت قديم ورا موقف رمسيس فيه أوض متقسمة، أجرت سرير في أوضة مشتركة مع تلات بنات، بس صاحبة البيت مكنش في قلبها رحمة، طلبت شهر مقدم وشهر تأمين وفلوس للنور، وبغمضة عين طار أكتر من نص الفلوس اللي كانت في المنديل.
مرت تلات أسابيع كأنهم تلات سنين عجاف.. أميمة رجلها اتبرت من المشي، كانت بتلف من صباحية ربنا لحد المغرب؛ تدور في المحلات، تطلب شغل في السوبرماركتات، تخبط على أبواب الكافيهات
والمطاعم.. مفيش