خمس سنين كنت بساعد جوزي
تاني يوم…
رحت مع المحامي.
فتحنا الخزنة.
كان فيها مستندات قديمة.
وعقود.
وإيصالات.
ودفتر صغير.
في آخر صفحة منه كانت جملة مكتوبة بتاريخ قديم، قبل الحادث بأشهر:
“ندى أشطر مني… ولولاها عمري ما كنت حلمت بالشركة.”
سكتُّ طويلًا.
المحامي بصلي وقال:
“الكلمة دي ممكن تثبت حقوق كتير.”
لكن اللي شد انتباهي…
مش الأوراق.
كانت الجملة نفسها.
لأنها أكدت لي إن المشكلة عمرها ما كانت في إن كريم ما عرفش قيمتي…
هو كان عارفها من البداية.
لكنه اختار يستغلها بدل ما يقدّرها.
قفلت الدفتر.
وقلت للمحامي:
“هنمشي في الإجراءات القانونية لحد آخرها… لكن من غير تشهير، ومن غير انتقام.”
بعد عدة أشهر…
انتهت كل القضايا.
ورجعت لي كل حقوقي كاملة.
أما كريم…
فانتقل يعيش في شقة متواضعة، بعد ما باع معظم ممتلكاته لتسوية التزاماته.
ولم أسمع عنه بعد ذلك إلا مرة واحدة.
قالت لي إحدى المعارف إنه أصبح يتطوع أحيانًا في مركز لإعادة تأهيل مصابي الحوادث، يساعدهم ويتحدث معهم عن أهمية الصدق وعدم استغلال من يحبونهم.
لا أعرف إن كان ذلك تكفيرًا عن ذنبه…
أم محاولة للهرب من تأنيب ضميره.
لكنني عرفت شيئًا واحدًا.
أن العدالة ليست دائمًا صاخبة.
أحيانًا…
تأتي في صورة هدوء.
وبيت خالٍ من الإهانات.
ونومٍ متواصل حتى الصباح.
وأيامٍ لا تحتاج فيها أن تثبت لأحد أنك تستحق الاحترام.
تمت.بعد ثلاث سنوات…
كنت في مكتبي، أراجع عقدًا جديدًا، عندما دخلت سكرتيرتي وقالت:
“في شاب برة بيقول إن عنده معاد مع حضرتك… واسمه يوسف كريم السيوفي.”
تجمدت للحظة.
يوسف…
ابن كريم.
نفس الشاب الذي كان يناديني يومًا بـ”الخدامة” دون أن يعترض أبوه.
قلت بهدوء:
“خليه يدخل.”
دخل بخطوات مترددة.
لكن ملامحه لم تكن كما أتذكرها.
لم يعد ذلك الشاب المتكبر.
بدا مرهقًا… وكأنه يحمل عمرًا فوق عمره.
وقف أمامي وقال:
“أنا عارف إنك ممكن تطرديني.”
لم أرد.
أخرج من حقيبته ملفًا.