البيت ابو مليون دولار
أمي سكتت شوية، وبعدين قالتلي: — يا حبيبتي، أنا عارفة إنك موجوعة، وربنا وحده عالم باللي في قلبك، بس خلي بالك من نفسك. إنتِ مش مطالبة تثبتي لحد إنك قوية، ولا لازم تحملي بسرعة علشان ترضي جوزك أو تسكتي وجعك. خدي وقتك، واهتمي بصحتك، واللي ربنا كاتبه هيكون.
كلام أمي خلاني أعيط أكتر، لأني كنت محتاجة أسمع الكلام ده من جوزي، مش من أمي اللي بعيدة عني. بالليل، أحمد رجع من الشغل، دخل لقى الأكل زي ما هو، وأنا قاعدة على الكنبة، عيني وارمة من العياط.
قال: — إنتِ لسه مأكلتيش؟ هو إنتِ ناوية تعملي في نفسك إيه؟ بصيتله وقلت: — أنا مش قادرة يا أحمد، والله مش قادرة. رد: — طيب أنا هعملك إيه؟ كل الناس بتفقد ولادها، والحياة بتكمل. قمت وقفت قدامه وقلتله: — كل الناس؟! إنت بتقارن وجعي بوجع الناس؟
إنت فاكر إني عايزة أفضل أعيط؟ أنا نفسي أضحك، نفسي أنام ليلة من غير ما أصحى مفزوعة، نفسي أبطل أفتكر اللحظة اللي ابني راح فيها، بس مش عارفة! كنت مستنياك تبقى أحن واحد عليا، مش أكتر واحد يقسى عليا.
بصلي وقال: — إنتِ مكبرة الموضوع أوي، وأنا مش هفضل طول عمري أتحاسب على كل كلمة بقولها. قلتله: — وأنا مش هفضل طول عمري أترجى منك إحساس! لفيت وسبته ودخلت أوضتي، وقفلت الباب، ولأول مرة من يوم وفاة ابني حسيت إني مش بس فقدت ابني، لأ، أنا كمان بدأت أفقد إحساسي بالأمان مع جوزي.
بعد شوية، سمعت صوت موبايله بيرن بره، وبعدها سمعته بيتكلم مع أخوه، وصوته كان عالي شوية. كان بيقوله: — أيوه يا عم، أنا مش فاهم هي زعلانة ليه! ما أنا رحت السبوع، وعملت اللي عليا، وهي اللي مصممة تزعل.
أخوه رد عليه بكلام مسمعتوش، لكن أحمد قال جملة خلتني أقف مكاني: — ما هو أنا مش هفضل أعيش في الحزن ده، لازم نخلف تاني وننسى اللي حصل! حطيت إيدي على بقي علشان ما أصرخش. ننسى اللي حصل؟! هو فاكر إن ابني كان مجرد مرحلة وعدت؟
وإن طفل تاني ممكن يمسح وجع فقدان الأول؟! كنت لسه هرجع أوضتي، لكن فجأة سمعت أخوه بيقوله: — طب ما تقولها الحقيقة يا أحمد، بدل ما تفضل فاكرة إنك مش حاسس بيها! سكت أحمد، وبعدها رد عليه بصوت واطي: — إنت اتجننت؟! إياك تفتح الموضوع ده دلوقتي!
قلبي بدأ يدق بسرعة، وحسيت إن فيه حاجة أنا معرفهاش، حاجة أكبر من موضوع السبوع، وأكبر من معاملته الباردة ليا. وقبل ما أقدر أستوعب، سمعت أخوه بيقوله: — إنت فاكر إنك لما تخبي عنها اللي حصل يوم وفاة ابنها، هتفضل مخبي الحقيقة طول العمر؟!